بصمات

كُرَةُ القَدَمِ وتَزييفُ الوَعي!

بِقَدْرِ ما لا يُمْكِنُ إِنْكارُ إِيجابِيّاتِ كُرَةِ القَدَم، بِصِفَتِها ظاهِرَةً اجْتِماعِيَّةً ثَقَافية، وَالهامِشِ الذي يَكْشِفُ ما يُخْفيهِ الوَعْيُ أَوْ "المَسْكوتَ عَنْه"، وَدَوْرِها الِاقْتِصادِيَّ وَالِاجْتِماعِيّ، فَإِنَّ انْعِكاساتِها السَّلبِيَّةَ في العالَمِ العَرَبِيِّ وَالعالَمِ الثّالِثِ عُمومًا لا يُمْكِنُ التَّقْليلُ مِنْ خُطورَتِها، لا سِيَّما إِذا اسْتُخْدِمَتْ ضِمْنَ الإِيدْيولوجْيا المُهَيْمِنَةِ في تَشْتيتِ اهْتِمامِ الشُّعوبِ وَتَزْييفِ وَعْيِها.

كُرَةُ القَدَمِ وتَزييفُ الوَعي!

لَمْ تَكُنِ الِاعْتِماداتُ المالِيَّةُ الضَّخْمَةُ المَرْصودَةُ لِكُرَةِ القَدَمِ في جُلِّ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ ناجِمَةً عَنْ رَخاءٍ اقْتِصادِيٍّ أَوْ رَفاهٍ اجْتِماعِيّ، مِثْلَما هُوَ سائِدٌ في الغَرْب، وَإِنَّما كانَ ذَلِكَ الِاهْتِمامُ مُنْدَرِجًا ضِمْنَ انْصِهارٍ قَسْرِيٍّ في النَّسَقِ الكَوْنِيِّ لِإِثْباتِ حَداثَتِها وَعِنايَتِها بِالشَّبابِ وَحُقوقِ الإِنْسان. وَهُوَ ما يُفَسِّرُ تَحَوُّلَ وَظيفَةِ كُرَةِ القَدَمِ في بَعْضِ المُقابَلاتِ الرِّياضِيَّة، سَواءٌ على المُسْتَوى الوَطَنِيِّ أَوِ الإِقْليمِيِّ وَالدَّوْلِيّ، مِنْ مُناسَباتٍ رِياضِيَّةٍ لِلمُتْعَةِ وَالفُرْجَةِ الرّائِقَةِ إلى مَواعيدَ لِتَبادُلِ العُنْفِ المادِّيِّ وَالرَّمْزِيّ، تَبْرُزُ فيها النَّعَراتُ العَشائِرِيَّةُ القَبَلِيَّةُ وَالتَّحَيُّزاتُ الفِئَوِيَّةُ وَالشِّعاراتُ ما قَبْلَ الدَّوْلَةِ الحَديثَة، التي تَتَعارَضُ كُلِّيًّا مع الأَهْدافِ الرِّياضِيَّةِ النَّبيلَةِ وَالقِيَمِ الأولِمْبِيَّةِ المُشْتَرَكَة.

يُعَدُّ تَضْخيمُ المُناسَباتِ الكُرَوِيَّةِ وَالنِّقاشاتِ العُمومِيَّةِ المُتَرَتِّبَةِ عَنها مِنْ مُؤَشِّراتِ تَزْييفِ الوَعْيِ وَسِياسَةِ الهُروبِ إلى الأَمام، فَبَدَلَ انْحِصارِها في نِطاقٍ رِياضِيّ، يَتِمُّ التَّهْريجُ وَالمُبالَغَةُ في التَّعاطي معها إلى حَدٍّ يُخَيَّلُ فيهِ لِلمُتَابِعِ أَنَّنا أَمامَ قَضِيَّةٍ وُجودِيَّةٍ مَصيرِيَّةٍ يَتَوَقَّفُ عَلَيْها وُجودُ الأُمَّة. فَعلى سَبيلِ الذِّكْرِ تَحَوَّلَ إِخْفاقُ المُنْتَخَبِ التُّونِسِيِّ الذَّريعُ إلى مادَّةٍ إِعْلامِيَّةٍ أَساسِيَّةٍ قَارَّةٍ في جَميعِ المَنابِرِ الإِعْلامِيَّةِ الرَّسْمِيَّةِ وَالخاصَّة. وَلَئِنْ لا يُمْكِنُ إِنْكارُ تَأْثيرِ فَضائِحِ الهَزائِمِ الثَّقيلَةِ التي مُنِيَ بِها الفَريقُ في مُنافَساتِ كَأْسِ العالَم، فَإِنَّ تِلْكَ الهَزائِمَ الكُرَوِيَّةَ لا تَعْني شَيْئًا مُقارَنَةً بِالمَخاطِرِ المُتَرَتِّبَةِ عن تَخَلُّفِ العَديدٍ مِنَ القِطاعاتِ الحَيَوِيَّة، مِثْلَ التَّرْبِيَةِ وَالتَّعْليمِ وَالصِّحَّةِ وَالتَّنْمِيَة، وَتَدَهْوُرِ القُدْرَةِ الشِّرائِيَّةِ في ظِلِّ الغَلاءِ الفاحِش.

الأزمة مُرَكّبة يتصدّرها عامل اختلال المنظومة القيمية التي تراجعت فيها قيم الكفاءة والنزاهة والشفافية

لَعَلَّ مِنَ المُفارَقاتِ أَنَّ تِلْكَ المَنابِرَ الإِعْلامِيَّةَ التي تُدْلي بِدَلْوِها في تَشْخيصِ أَسْبابِ الإِخْفاقِ الكُرَوِيِّ وَاقْتِراحِ الحُلولِ تُعَدُّ عامِلًا أَساسِيًّا مِنْ عَوامِلِ الأَزْمَةِ بِمَفْهومِها الحَضارِيِّ الشّامِل. فَفي المَجالِ الكُرَوِيِّ سَلَّطَ الإِعْلامُ ضُغوطاتٍ رَهيبَةً تَنْسَجِمُ مع التَّحَيُّزَاتِ الخاصَّةِ بِالصُّحُفِيّين، وَأَجِنْداتِ مُمَوِّلي المُؤَسَّساتِ الإِعْلامِيَّةِ وَأَصْحابِها. وَهُوَ ما جَعَلَ قائِمَةَ اللّاعِبينَ المَدْعُوِّينَ لِلمُشارَكَةِ في أَضْخَمِ تَظاهُرَةٍ رِياضِيَّةٍ عالَمِيَّةٍ مَبْنِيَّةً على المَحْسوبِيَّةِ وَالمُحاصَصَة، وَتَرْضِيَةِ تِلْكَ الأَطْرافِ المُؤَثِّرَةِ على حِسابِ المَصْلَحَةِ الوَطَنِيَّةِ العُلْيا.

لَقَدْ غَيَّبَ ذَلِكَ التَّلاعُبُ بِالعُقولِ جُذورَ الأَزْمَة. إِذْ هِيَ في حَقيقَتِها أَعْمَقُ مِنْ أَنْ تَقْتَصِرَ على أَزْمَةِ النَّتائِجِ الأَخيرَةِ بِالنَّظَرِ إلى تَرَدّي وَضْعِيَّةِ المُنْشَآتِ الرِّياضِيَّةِ وَتَآكُلِ الهَياكِلِ المُشْرِفَةِ عَلَيْها. فَلا يوجَدُ في تُونِسَ إِلّا مَلعَبٌ وَاحِدٌ يَسْتَجيبُ لِلتَّراتيبِ المُنَظِّمَةِ لِلمُبارَياتِ الإِقْليمِيَّةِ وَالدَّوْلِيَّة. كَما أَنَّ وَضْعِيَّةَ التَّشْريعاتِ الرِّياضِيَّةِ لا تَخْلو مِنِ ازْدِواجٍ وَنَشازٍ بَيْنَ رُؤْيَةٍ شُمولِيَّةٍ مُتَحَكِّمَةٍ فيها، وَواقِعِ الِاحْتِرافِ الذي يَفْرِضُ ناموسَهُ تَحَوُّلَ الجَمْعِياتِ الرِّياضِيَّةِ إلى شَرِكاتٍ اقْتِصادِيَّةٍ اسْتِثْمارِيَّة.

لا يُمْكِنُ فَصْلُ الأَزْمَةِ الرّاهِنَةِ عَنْ تَغَلْغُلِ ظاهِرَةِ "المَسْؤولينَ الهُواةِ" مَحْدودِي الكَفاءَةِ وَالخِبْرَة، التي تَوَسَّعَتْ وَتَفاقَمَتْ خِلالَ العُقودِ الأَخيرَة. فَبَعْدَ أَنْ كانَ المَسْؤولُ الرِّياضِيُّ عُنْوانًا لِلقُدْوَةِ الحَسَنَة، أَضْحى دَوْرُهُ أَقْرَبَ ما يَكونُ إلى المُهَرِّجِ الذي يُضْبَطُ دَوْرُهُ مُسْبَقًا، مع فارِقٍ أَساسِيٍّ يَكْمُنُ في أَنَّ مُهَرِّجَ السّيرْكِ الحَقيقِيَّ يُسْعِدُ النّاسَ وَيُبْهِجُهُم، أَمّا مُهَرِّجُ السّيرْكِ المَجازِيُّ فَوَظيفَتُهُ تَتَمَثَّلُ في تَعْكيرِ المِزاجِ العامِّ ضِمْنَ شَبَكَةٍ مِنَ العَلاقَاتِ الخَفِيَّة. وَبِهَذا المَعْنى فَإِنَّ الأَزْمَةَ أَكْبَرُ مِنْ حَصْرِها في المَجالِ الرِّياضِيّ. إِذْ هِيَ أَزْمَةٌ مُرَكَّبَةٌ يَتَصَدَّرُها عامِلُ اخْتِلالِ المَنْظومَةِ القِيَمِيَّةِ التي تَراجَعَتْ فيها قِيَمُ الكَفاءَةِ وَالنَّزاهَةِ وَالشَّفافيةِ لِحِسابِ تَوازُناتِ الوَلاءِ وَالمَصالِحِ الشَّخْصِيَّةِ وَالفِئَوِيَّةِ وَالعَلاقاتِ الزَّبونِيَّة.

دعم كرة القدم مؤشر حضاري مُهم لا يمكن بلوغ مقاصده من دون إدراجه في مشروع نهضوي شامل

إِنَّ تَجاوُزَ تَزْييفِ الوَعْيِ فيما يَخُصُّ التَّعاطي مع كُرَةِ القَدَمِ يُمْكِنُ أَنْ يَتِمَّ بِتَصْحيحِ النَّظْرَةِ إِلَيْها وَتَخْليصِها مِنَ الشَّوائِبِ وَالزَّوائِدِ التي عَلِقَتْ بِها. فَهِيَ تَظَلُّ في حَقيقَتِها رِياضَةً هَدَفُها المُتْعَةُ وَالفُرْجَةُ الرّاقِيَة، مَهْما بَلَغَ حَجْمُ التَّنافُسِ وَالجَوائِزِ المالِيَّةِ المَرْصودَةِ لِكُؤوسِها وَبُطولاتِها. وَلَعَلَّ تَصْحيحَ مَفْهومِها في السِّياقِ العَرَبِيِّ وَالعالَمِ الثّالِثِ يُمَكِّنُ مِنَ التَّرْكيزِ على أَهَمِّيَّةِ التَّرْبِيَةِ السَّوِيَّة، سَواءٌ على المُسْتَوى الجَسَدِيِّ أَوِ النَّفْسِيّ، بِالنِّسْبَةِ إلى المُتَعاطينَ كافَّةً مع الشَّأْنِ الرِّياضِيّ، مِنْ لاعِبينَ وَمَسْؤولينَ وَإِعْلامِيّينَ وَجُمْهور. لِذا فَبِقَدْرِ ما تُعَدُّ العِنايَةُ بِكُرَةِ القَدَمِ وَدَعْمُها مُؤَشِّرًا حَضارِيًّا مُهِمًّا، فَإِنَّهُ لا يُمْكِنُ اسْتِكْمالُ دَلالاتِهِ وَبُلوغُ مَقاصِدِهِ مِنْ دونِ إِدْراجِهِ في مَشْروعٍ نَهْضَوِيٍّ شَامِلٍ يُعَدُّ الِازْدِهارُ الحَضارِيُّ وَالتَّنافُسُ الرِّياضِيُّ النَّزيهُ تَتْويجًا لَهُ وَعَلامَتَهُ المُمَيَّزَة.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن