أَجْمَلُ ما في المَلْعَب - الوَطَنِ هُوَ ذَلِكَ المَشْهَدُ المُهيبُ في المُدَرَّجاتِ لِلأَعْلامِ الوَطَنِيَّة، وَالقُمصانِ الهَوِيّاتِيَّة، وَالشِّعاراتِ وَالرُّموزِ الثَّقافِيَّةِ وَالأَيْقوناتِ البَصَرِيَّة، وَالأَصْواتِ المُتَعالِيَةِ لآلافِ الحَناجِرِ التي تَصْدَحُ بِصَوْتٍ واحِد، وَقُلوبٍ تَنْقَبِضُ وَتَنْفَرِجُ بِإيقاعٍ واحِد، حَيْثُ تَخْتَفي الفَوارِقُ الطَّبَقِيَّةُ وَالفِكْرِيَّة، وَالصِّراعاتُ السِّياسِيَّةُ وَالإيدْيولوجِيَّة، وَيُصْبِحُ الجَميعُ كيانًا واحِدًا وَراءَ فَريقٍ واحِدٍ وَرايَةٍ واحِدَة، في تَلاحُمٍ خَيالِيٍّ فَريدٍ مِن نَوْعِه، لا يَحْدُثُ إِلّا في المُدَرَّجاتِ وَلَيْسَ خارِجَها، في تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالذّاتِ تَتَجَلّى المُواطَنَةُ الحَقَّةُ في أَجَلِّ وَأَنْبَلِ صُوَرِها.
على المستطيل الأخضر لا يحقّ لأحد أن يسطو على حقّ الآخر
يَخْتَفي وَراءَ مَفْهومِ المُواطَنَةِ ثالوثٌ مُقَدَّسٌ يُجَسِّدُ شِعار: "الحُرِّيَّةُ وَالكَرامَةُ وَالعَدالَةُ الاجْتِماعِيَّة"، وَبَيْنَما تَنْجَحُ المُواطَنَةُ العَرَبِيَّةُ أَحْيانًا في المَلاعِب، فَإِنَّها في غالِبِ الأَحْيانِ تَفْشَلُ خارِجَها، بَل إِنَّها تُسْلَخُ وَتُجْلَدُ وَيُتَبَرَّأُ مِنْها حالَما تُطْوى أَحْداثُ المُونْديالِ وَسَرْدِيَّةُ "المَدينَة - العالَم"، وَالفارِقُ هُنا لَيْسَ جاذِبِيَّةَ اللّاعِبِينَ وَإيقاعاتِ المُبارَياتِ وَالتَّحَدِّياتِ التي يَشْهَدُها المُسْتَطيلُ الأَخْضَر، بِقَدْرِ ما يَعودُ لِرَمْزِيَّةِ الحَدَثِ وَفَضائِهِ وَمَعانيه، فَخِلالَ كُلِّ مُباراةٍ مِن مُبارَياتِ المُونْديال، تَخْضَعُ الحَياةُ لِتِسْعينَ دَقيقَةً مِن العَدالَةِ المُطْلَقَة، حَيْثُ يَقِفُ اللّاعِبونَ عَلى مِنَصَّةٍ واحِدَة، مُتَساوِينَ أَمامَ القانون، لا وِساطَة، وَلا مَحْسوبِيَّة، وَلا انْحِيازَ أَو زَبونِيَّة، وَالحُكّامُ داخِلَ المُسْتَطيلِ الأَخْضَرِ وَخارِجَهُ يُراقِبونَ وَيَتَرَصَّدون، وَالقَواعِدُ مُعْلَنَةٌ وَواضِحَة، في جَوٍّ مِنَ العَدالَةِ وَالمُساواةِ وَتَكافُؤِ الفُرَص، وَالكُرَةُ هُنا لا تَعْتَرِفُ بِأَصْلِ اللّاعِب، أَو انْتِمائِهِ أَو مَكانَتِهِ الاجْتِماعِيَّةِ أَو ثَرْوَتِه، بَل تَعْتَرِفُ فَقَط بِأَدائِهِ وَمَهارَتِهِ وَاسْتِماتَتِهِ في الدِّفاعِ عَنْ قَميصِ وَطَنِه، حَيْثُ تُرْفَعُ البِطاقاتُ الصَّفْراءُ وَالحَمراءُ في وَجْهِ كُلِّ لاعِبٍ مُخالِفٍ أَيًّا كانَ إِنْجازُهُ أَو اسْمُهُ أَو قيمَتُهُ الكُرَوِيَّة.
أَمّا الخُطوطُ المَرْسومَةُ عَلى المُسْتَطيلِ الأَخْضَرِ فَتَأْتي لِتَضَعَ الحُدودَ وَتُحَذِّرَ مِنَ التَّجاوُزات، فَلا يَحِقُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْطُوَ أَو يَقْفِزَ عَلى حَقِّ الآخَر، وَفي حالِ وَقَعَ تَنازُعٌ أَو سادَ شَكّ، تَأْتي غُرْفَةُ "الفار" (VAR) لِتُعيدَ الحَقَّ لِأَصْحابِهِ بِشَفافِيَّةٍ وَدِقَّةٍ مُتَناهِيَة، وَلَوْ كانَتْ أَعْيُنُ الحُكّامِ قاصِرَةً أَو شارِدَة، ثُمَّ يَأْتي دَوْرُ الشِّباكِ عَلى طَرَفَيْ المُسْتَطيلِ الأَخْضَر، لِيَحْتَفِيَ بِالانْتِصارات، وَيُثَمِّنَ المَجْهودات، فَحينَ تَهْتَزُّ إِحْدى الشِّباك، وَتَصْدَحُ صَفّارَةُ الحَكَم، وَتَعْلو هُتافاتُ الجَماهير، يُعْلِنُ الفَضاءُ بِأَكْمَلِهِ عَنْ وِلادَةِ انْتِصارٍ مُسْتَحَقٍّ لَيْسَ مِن حَقِّ أَحَدٍ أَنْ يُشَكِّكَ في شَرْعِيَّتِه.
نحتاج إلى مثل هذه المواطنة كي نصبح لاعبين بروح واحدة لفريق واحد
نَسْمَعُ مُنْذُ أَيّامٍ مَعَ اقْتِرابِ انْتِهاءِ فَعالِيّاتِ مُونْديالِ أَميركا 2026، عَنِ الفِرَقِ الكَبيرَة، وَالجَماهيرِ العَظيمَة، وَالإِنْجازاتِ السَّعيدَة، وَالدُّموعِ الحَزينَة، وَمَعَ كُلِّ انْتِصارٍ أَو هَزيمَةٍ تَشْتَدُّ فَرْحَةُ / حُزْنُ الجَماهيرِ وَتَعُمُّ هِسْتيرِيّا السَّعادَة/التَّعاسَةِ في المَدينَة – العالَم، كَما الوَطَنِ الأَصْل، وَكُلِّ مَكانٍ أُلْحِقَ بِهِ في أَرْجاءِ هذَا الكَوْكَب، ما يَجْعَلُنا كَمُتابِعينَ عَبْرَ الشّاشاتِ أَو جَماهيرَ في المُدَرَّجات، وَبِخاصَّةٍ في البُلْدانِ العَرَبِيَّةِ نَتَمَنّى لَوْ كانَ "الوَطَنُ مَلْعَبَ كُرَةِ قَدَم" تَحْرُسُهُ تِلْكَ الشِّباك، لَيْسَ كَسِجْنٍ أَو أَسْلاكٍ شائِكَةٍ تُرْبِكُ أَو تُخيفُ أَبْناءَ الوَطَن، بَل لِتَكونَ حِصْنًا مَنيعًا يَحْرُسُ أَحْلامَهُم، وَيَمْنَعُ سَرِقَةَ إِنْجازاتِهِم، وَيُؤَكِّدُ لَهُمْ في كُلِّ مَرَّةٍ أَنَّ كُلَّ جُهْدٍ مَبْذولٍ سَيَهُزُّ الشِّباكَ وَيُحَقِّقُ النَّصْرَ في النِّهايَة، وَلَنْ تُقْبَرَ الطُّموحاتُ وَالمَجْهودات، تَحْتَ أَنْقاضِ الفَسادِ وَالمَحْسوبِيَّةِ وَالزَّبونِيَّةِ أَوِ الصِّراعاتِ الفِئَوِيَّةِ وَالطّائِفِيَّة.
لو كان وطني ملعب كرة قدم لتعلّمنا كيف نجعل من تنوُّعنا ملحمة وطنية
كَمْ يَحْتاجُ الوَطَنُ إِلى مِثْلِ هذِهِ المُواطَنَة! حينَ تَمْتَدُّ تِسْعينَ دَقيقَة، كَيْ نُصْبِحَ لاعِبينَ بِروحٍ واحِدَةٍ لِفَريقٍ واحِد، نَسْعَدُ بِالنَّصْر، وَنَتَسانَدُ في الحُزْن، يَحْكُمُنا قانونٌ واحِد، يُعاقِبُ المُسيءَ وَيُكافِئُ المُجْتَهِد، حَيْثُ التَّنْبيهُ بِالبِطاقَةِ الصَّفْراءِ وَالطَّرْدُ بِالبِطاقَةِ الحَمراءِ بِانْتِظارِ كُلِّ فاسِدٍ أَو مُرْتَشٍ، وَكُلِّ مَن يُغَلِّبُ المَصالِحَ الخاصَّةَ وَالضَّيِّقَةَ عَلى حِسابِ مَصْلَحَةِ الوَطَن، وَحَيْثُ الفُرَصُ وَالتَّرْقِياتُ وَالنَّجاحاتُ تُوَزَّعُ بِالاسْتِحْقاقِ وَالجَدارَةِ لا بِالقَراباتِ وَالوَلاءات.
لَوْ كانَ وَطَني مَلْعَبَ كُرَةِ قَدَم، لَتَعَلَّمْنا كَيْفَ نَجْتَهِدُ بِشَرَف، وَكَيْفَ نَخْتَلِفُ بِرُقِيّ، وَكَيْفَ نَتَقَبَّلُ الهَزيمَةَ بِروحٍ رِياضِيَّةٍ لِنُحاوِلَ مِن جَديد، وَكَيْفَ نَجْعَلُ مِن تَنَوُّعِنا وَاخْتِلافِ آرائِنا وَخُطَطِنا وَزَوايا نَظَرِنا، مَلْحَمَةً وَطَنِيَّةً تَقودُنا نَحْوَ النَّصْر، بَدَلًا مِن أَنْ تَكونَ سَبَبًا في افْتِعالِ أَشْكالِ الصِّراعِ وَالتَّناحُرِ وَالإلْغاء.
(خاص عروبة 22)

