بعد مرورِ نحوِ 3 أسابيع فقط على توقيعِ مذكرةِ التفاهم، التي لم ترقَ إلى مستوى اتفاقِ سلامٍ شاملٍ، بين واشنطنَ وطهرانَ، تترنحُ المفاوضاتُ ويدخلُ الضغطُ العسكري مرحلةً جديدةً أشد تعقيدًا وصعوبة. ويطرحُ ذلك الكثيرَ من التساؤلاتِ حول ما سيحمله المستقبلُ من معطياتٍ وأحداث. فالآمالُ التي بُنِيَت مع إبرامِ التسويةِ ذهبت "أدراج الرياحِ"، بسبب التفسيراتِ الخاطئةِ للبنود، وغيابِ النوايا الحسنة، واستمرارِ الخلافاتِ عينها على القضايا والملفات التي يتمسّكُ بها كل طرفٍ ويرفضُ التنازلَ عنها. ويعكسُ هذا المشهد خليطًا من القلقِ والذعرِ ليس فقط في إيرانَ، التي يتخوّفُ مواطنيها من إمكانيةِ اتساعِ رقعةِ القصف ووصولهِ إلى العاصمة خلال الساعاتِ أو الأيام المقبلة، بل في المنطقةِ جمعاء. إذ استهدفت المسيّراتُ الإيرانيّةُ الدولَ الخليجيّةَ على مدارِ الأيامِ الماضية، فضلًا عما يُحكَى عن تحريضِهَا الحوثيين على إغلاقِ باب المندب، ما يشكلُ تهديدًا جديدًا لإمداداتِ الطاقة العالميّة.
فإيران لم تكتفِ بمحاولةِ وضعِ اليد على مضيقِ هُرمزَ والتمسك بفرضِ السيطرةِ عليه، بل تسعى إلى تَحمِيلِ العالمَ تبعاتِ الحرب الحاليّة، وتكبيدِهِ خسائرَ جسيمة. فالكشفُ عن تنسيقٍ بين نظامِهَا والحوثيين ليس جديدًا، ولا يخرجُ من دائرةِ التوقعات. لكنه يُطيحُ بمسارِ المباحثات ويُصَعِّبُ المهمةَ أمام الوسطاء، الذين يدعون باستمرارٍ إلى ضبطِ النفسِ ووقفِ تمدّدِ الصراعِ والعودةِ إلى طاولةِ المحادثات. وفي هذا السياقِ، نَقَلَت وكالةُ "رويترز" عن 3 مصادر أن طهرانَ طلبت من جماعةِ أنصار الله أن تكونَ على أهبةِ الاستعدادِ لإغلاق مسارِ النفط في البحرِ الأحمر، إذا ضربت الولاياتُ المتحدةُ البنيةَ التحتيةَ للطاقة الإيرانيّة. فيما أفادَ مصدرٌ مطلعٌ لصحيفة "تلغراف" بوجودِ مؤشراتٍ عديدةِ على وجودِ تنسيقٍ بين الحوثيينَ وحركة الشبابِ الصوماليّة، بهدفِ السيطرة الكاملةِ على مضيقِ بابِ المندب وإغلاقِهِ حين تُقَرِرُ إيرانُ ذلك. وبحسبِ الصحيفة عينها، ينقلُ الحوثيون تكنولوجيا الطائراتِ المُسيّرة إلى حركةِ الشباب، نيابةً عن النظامِ في طهرانَ، ما يضعهم في قلبِ التوتراتِ الحاليّة. وتنطوي هذه المعلوماتُ على خطورةٍ جسيمةٍ، لأنها تعكسُ العقليةَ الإيرانيّةَ الساعيةَ إلى توظيفِ أوراقِهَا التفاوضيّةِ الأكثرَ حساسيّةً، ولو كلّفَهَا ذلك حربًا طويلةَ الأمد، ومواصلة الاستنزاف من دون أيّ أفق. ففي ظلِّ تجدّدِ إغلاقِ مضيق هُرمزَ حاليًا، ستؤدي أيّ هجماتٍ حوثيّةٍ على السفن أو الموانئ في البحر الأحمر إلى تعطيلِ مسارَي تصدير النفط الرئيسيينِ في الشرق الأوسط في آنٍ واحد، بما يفتحُ جبهةً جديدةً في أزمةِ الطاقة، ويُوسِّعُ نطاقَ الصراعِ بين إيرانَ والولايات المتحدة.
ووجّهت القواتُ الأميركيّة، خلال الأيامِ الماضيةِ، ضرباتٍ مُعمقةً استهدفت مناطقَ الساحلِ الإيرانيّ. كما شنّت غاراتٍ على جزيرتي طنب الكبرى والصغرى، بهدفِ تجريدِ جميعِ الجزرِ المحيطةِ من القدرات البحرية. في حين حذّر كثيرٌ من المراقبينَ من أن الهجمات تقتربُ من العاصمةِ طهرانَ، بعدما وسعّت واشنطنُ نطاقَ عملياتها، مع تلويحِ ترامب بتوسيعِهَا أكثر لزيادةِ الضغوطِ الهادفةِ إلى التوصلِ إلى اتفاق. وأكدت المتحدثةُ باسمِ البيت الأبيض، كارولين ليفيت، أمس الخميس، أن قنوات الاتصال بين الولاياتِ المتحدة وإيرانَ لا تزال مفتوحةً، موضحةً أن طهرانَ "لا تزالُ حريصةً جدًا على التحدثِ مع واشنطنَ، وتعربُ عن رغبتِهَا في إبرامِ تسوية". وأرجعت المتحدثةُ ذلكَ إلى ما وصفته بالضرباتِ المدمرةِ التي تتعرضُ لها القدراتُ العسكريةُ والاقتصاديةُ الإيرانيّة، نتيجةَ إعادةَ فرضِ الحصارِ البحري والعقوباتِ المتجدّدة على النفط. وعلى الرغمِ من الكلامِ الديبلوماسيّ المنمق، إلا أن واشنطنَ تتهمُ طهرانَ بخرقِ مذكرةِ التفاهمِ والتملصِ من بنودِهَا، عبرَ "ابتكار" تفسيراتٍ مغلوطةٍ لما وردَ فيها. لكن "الطامةَ الكبرى" تبرزُ في تصريحاتِ نائبِ الرئيسِ الأميركيّ جيه دي فانس، التي تكشفُ عن وجودِ تباينٍ واضحٍ في مقاربةِ هذا الملف. فعلى عكسِ تصريحاتِ ليفيت عن التوافقِ والتنسيقِ الدائمِ، وفي ظلِّ تصعيدِ ترامب، متوعدًا بتجريدِ إيرانَ من كل بناها ومنشآتِهَا الحيوية، يرفضُ دي فانس اعتبارَ أن التفاوضَ مع الإيرانيينَ مستحيل. كما يتهمُ إسرائيل بالسعي إلى إفشالِ التوافقاتِ الجارية، مؤكدًا وجود "شخصياتٍ في الحكومةِ الإسرائيليّةِ تتلاعبً بالرأي العام الأميركيّ، وتحاولُ توجيهُ سياستِهَا الهادفةِ إلى مواصلةِ الحربِ إلى أجلٍ غير مسمى، بدلًا من التوصلِ إلى تسويةٍ أو حلولٍ دبلوماسيةٍ تضعُ حدًا للقتال".
هذا الاتهامُ الصريحُ والعلنيّ يحملُ الكثيرَ من الدلالاتِ في هذه المرحلةِ، التي يمكنُ وصفُهَا بـ"الدقيقة"، في ظلِّ التأكيدات أن رئيس الوزراءِ الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو أَجَّلَ زيارته إلى الولاياتِ المتحدة، التي كانت مُقرّرةً الأسبوع المقبل. وجاءَ ذلكَ نتيجةَ تأخيرِ جنازةِ السيناتور الأميركيّ الراحل ليندسي غراهام إلى نهايةِ الشهرِ الحالي، وعدم تحديدِ موعدٍ مع ترامب، خصوصًا أن نتنياهو كان يسعَى إلى عقدِ اجتماعٍ لبحثِ العديد من الملفاتِ العالقة، من إيرانَ إلى سوريا ولبنانَ، مع الحديثِ المتكرّرِ عن اختلافاتٍ في وجهاتِ النظر. فتلُّ أبيب لا تريدُ للقتالِ أن ينتهي، بل تأملُ في أن يبقَى مسارُ التفاوضِ "مُعلقًا" حتى إشعارٍ آخر، بينما تتلقى إيرانُ ضرباتٍ موجعةً لإيمانِهَا الراسخ بأن الصراعَ لم ينتهِ بعد، وأن "سطوةَ" نظامِ "الحرسِ الثوري" لا بدّ أن تتبدّدَ وتتقلّص. لكن، مع ذلك، فإن فاتورةَ الحربِ التي يَدَفَعُ باتجاهِهَا الأخير، لا تلقى توافقًا، بل هناك من يُحذّرُ من نتائجِهَا على المديين القريبِ والبعيدِ، خصوصًا أن دولَ الخليجِ العربيّ تبدو في صدارةِ المواجهةِ وعلى خطِ النار الأول. ومع التصاعدِ الكبيرِ في وتيرةِ الهجماتِ الإيرانيةِ، لا سيما على الكويت، الأكثرَ استهدافًا في الضرباتِ الحالية، سُجِّلَت إصاباتٌ في صفوفِ القواتِ المسلحة، فضلًا عن أضرارٍ ماديةٍ طالت المنشآت الحيوية في البلاد. ويُشار إلى أن الكويت والبحرين وقطر أعلنت، خلال الساعاتِ الماضية، أن دفاعاتها الجوية تتصدَّى لهجماتٍ بطائراتٍ مُسيّرةٍ "معاديةٍ" مصدرها إيران.
في غضونِ ذلكَ، تناولَت صحيفةُ "نيويورك تايمز" التطورات الجارية، معتبرةً أنها تشيرُ إلى أن واشنطنَ دخلت دائرةً جديدةً من "الحروبِ الأبدية"، مع عدمِ تحقيقِ أهدافِها المُعلنةِ، سواء إسقاط النظامِ الإيرانيّ أو إنهاء برنامجِهِ النوويّ. وأوضحَت أن إدارةَ ترامب وضعَت أهدافًا يَصعُبُ تحقيقُهَا إلا عبرَ مواجهةٍ طويلةٍ، خصوصًا أنها ترفضُ إرسالَ قواتٍ بريةٍ إلى إيرانَ، وتعتمدُ أساسًا على الضرباتِ الجويةِ والبحريةِ، ما يقلّلُ فرص تحقيقِ حسمٍ عسكريّ. في حين رأت مجلةُ "نيوزويك" أن استمرارَ الحربِ قد يخدمُ مصالحَ الحرسِ الثوري الإيرانيّ أكثر ممّا يخدمُ الولايات المتحدة، لأن الصراعَ الطويلَ يُعزّز موقعَ المؤسسةِ العسكريةِ داخل النظام، ويمنحُهَا مبرراتٍ إضافيةً لتشديدِ قبضتها الأمنيّة. ونَبَّهَت إلى أن مضيقَ هُرمزَ أصبحَ اليوم محورَ الأزمةِ الحقيقيّ، بعد أن فَرَضَت الحربُ واقعًا جديدًا يَصعُبُ التراجعُ عنه. وعليه، تُجمِعُ مقالاتٌ وتحليلاتٌ كثيرةٌ على أن كلفةَ القتالِ ستكونُ مرتفعةً، وأن التوصلَ إلى اتفاقٍ يُقدّمُهُ كلُّ طرفٍ إلى "جمهورِهِ" بوصفِهِ "انتصارًا" سيكونُ أفضل الممكن في الظروفِ الراهنة، وإلا لا يمكنُ لأحد التكهنَ بالتداعياتِ والمخاطرِ المحدقة. فتُسهِمُ تهديداتُ الحوثيين واستثمارُ طهران في سياسةِ "حربِ المضائق"، واستمرارِ الحربِ على الجبهةِ اللبنانيّة، في زيادةِ تعقيداتِ الأمور، خصوصًا أن إسرائيلَ تتمركزُ في قلبِ هذا المشهدِ المتفاقم. ففي للبنانَ، تسيرُ المفاوضاتُ "على نارٍ هادئةٍ" بسببِ التمييعِ الإسرائيليّ ومحاولةِ تضييعِ الوقت وعدمِ تحقيقِ أيِّ خرقٍ جديٍّ وملموس. بينما تصارعُ الدولةُ الزمنَ لوقفِ الاعتداءاتِ المتماديةِ، التي تشهدُ تصعيدًا يوميًا في مختلفِ القرى الجنوبيّة. أما "حزبُ الله" فيصرُّ على ربطِ المسارِ اللبنانيّ بإيران، معلنًا رفضَهُ المتكرّرِ لمسارِ المفاوضاتِ ولـ"اتفاقِ الإطار".
وفي هذا السياقِ، تتجهُ الأنظارُ نحو الجنوبِ والاجتماعِ العسكريِّ الافتراضيِّ الذي سيُعقدُ بين إسرائيلَ ولبنانَ بحضورِ الوسيطِ الأميركيّ، للبحثِ في آليةِ تنفيذِ المناطقِ التجريبيةِ المُتَفَقِ عليها، بعد جولةِ المباحثاتِ السادسةِ التي عُقِدَت في روما خلال الأسبوع الحالي. فعلى الرغم من عدمِ صدورِ بيانٍ توضيحيٍ حول ما توصّلَ إليه الطرفان، إلا أن جميع التسريباتِ تشي بقربِ التطبيقِ، مع استمرارِ تلّ أبيب في التمسّكِ ببقائِهَا بما تُسمِيه "المنطقة الأمنية". ومع اقترابِ الانتخاباتِ في إسرائيل، المُقررة في تشرين الأول/أكتوبر المقبل، لا يبدو نتنياهو في واردِ اتخاذِ أيِّ خطوةٍ جديةٍ نحو الانسحاب، خصوصًا في ظلِّ تراجعِ شعبيتِهِ وسعيِهِ إلى كسبِ "جمهوره" مجددًا. ومن هنا، فإن أيَّ خطوةٍ من هذا النوع قد يُنظرُ إليها بوصفِهَا "تنازلًا"، ما لن يقبلُهُ الأخيرُ مهما كان الثمن، حتى ولو كلّفَهُ ذلكَ تفاقمَ الخلافاتِ مع الإدارةِ الأميركيّة. فترامب يًكرّرُ في كلِّ تصريحٍ حديثَهُ عن إمكانيةِ تدخلِ الرئيسِ السوري أحمد الشرع لـ"تحجيمِ قدراتِ حزب الله"، على الرغمِ من تأكيدِ دمشق مرارًا رفضَه الانجرار إلى مواجهةٍ عسكريةٍ مفتوحةٍ. وأضافت أنها تسعَى إلى بناءِ علاقةٍ ندّيةٍ مع لبنانَ، بعيدًا عن تداعياتِ الماضي. وفي إطارٍ متّصلٍ، برزَ تحوّلٌ استراتيجيٌ حاسمٌ في دمشق، مع إعلانِ وزارةِ الداخليّةِ السوريةِ، أمسِ الخميس، إحباطَ تهريبِ شحنةِ أسلحةٍ نوعيّةٍ كانت في طريقِهَا إلى "حزبِ الله" عبرَ الحدودِ العراقيّة. وكما في جميع العملياتِ السابقةِ، نفى الحزبُ أيَّ علاقةٍ له بالشحنةِ وتَنَكّرَ لها، واصفًا إياها بـ"الرواياتِ المُختَلَقَةِ التي لا أساسَ لها من الصحة". في حين أعلنَ العراقُ عن تشكيلِ لجنةٍ عليا، واستدعَى عددًا من المسؤولينَ للوقوفِ على تفاصيلِ العملية.
ويأتي هذا الكشفُ على وقعِ زيارةِ رئيسِ الحكومةِ العراقيّةِ علي الزيدي الولايات المتحدة، واللقاءِ الذي عَقَدَهُ مع ترامب. إذ تعهّدَ، خلالَ اللقاء، بإيجادِ حلٍّ لمسألةِ السلاحِ وتحييدِ بلادِهِ عن الصراعاتِ الإقليميّة، معلنًا عن السعي إلى شراكاتٍ اقتصاديةٍ وتجاريةٍ واسعة. ويحاولُ الزيدي، من خلالِ تحركاتِهِ الأخيرة، إقناعَ واشنطنَ بأن بغدادَ مستعدةٌ لفتحِ صفحةٍ جديدةٍ وموثوقةٍ، لا تقومُ على الوجودِ العسكريِّ ومكافحةِ الإرهابِ فقط، إنما على الاستثمارِ والطاقةِ والإصلاحِ الماليّ والتجاريّ. وبرزَ ذلكَ عبرَ اللقاءاتِ التي عَقَدَهَا مع عددٍ من كبارِ مسؤولي الإدارةِ وكبارِ العسكريينَ في البنتاغون، فاجتمعَ مع رئيسِ لجنةِ الشؤونِ الخارجيةِ في مجلسِ النواب، الجمهوري برايان ماست، وأعضاء جمهوريينَ وديمقراطيينَ في اللجنة. وركزَت المحادثاتً على الإصلاحِ الاقتصاديِّ، وتعزيزِ سيطرةِ الدولة، وتطويرِ القطاعِ المصرفي، وتوفيرِ بيئةٍ أكثر أمنًا وشفافيةً للشركاتِ الأميركيّةِ الساعيةِ إلى الاستثمارِ في البلاد. لكن هذه المستجداتِ الإيجابيّةَ تبقَى محصورةً في إطارِ التطبيق، خصوصًا أن لطهران نفوذًا وازنًا في العراقِ، الذي تنظرُ إليه بوصفِهِ "حديقتَهَا" الخلفية، ولن تقبلَ بالتفريطِ بهذه الساحةِ بسهولة. ويضعُ هذا الأمرُ الزيدي أمامَ اختبارٍ صعبٍ فورَ عودته، لأن الحفاظَ على التوازناتِ من دون تغليبِ مصلحةِ بلدٍ على آخر يبدو "ضربًا من الجنون".
وتتزامنُ الملفاتُ الكثيرةُ والمفتوحةُ على مصراعَيهَا في المنطقةِ مع الأوضاعِ المُعَقَّدةِ في قطاعِ غزّة، مع فشلِ تطبيقِ اتفاقِ وقفِ النارِ وعدمِ التزامِ إسرائيل بأيٍّ من البنودِ المُتَوَافَق عليها. وقالت صحيفةُ "الغارديان" إن خطةَ ترامب، التي كانت تستهدفُ في بدايتِهَا إعادةَ إعمارِ غزّة وإنعاش بنيتهَا التحتية، تحوّلَت إلى مشروعٍ صغيرٍ يَتمثّلُ في إنشاءِ مخيمٍ مؤقتٍ قربَ مدينة رفح. ويستوعبُ هذا المخيمُ عشراتَ الآلافِ فقط، من أصلِ أكثرِ من مليوني فلسطيني نزحوا بسبب الحرب، على أن تكون إدارته فلسطينيّة وتحرسه قوةٌ أمنيةٌ دوليّةٌ محدودة. ووفقَ الصحيفة، فإن قواتِ الاحتلالِ تسيطرُ حاليًا بصورةٍ مباشرةٍ على أكثرَ من 60 في المئةِ من مساحةِ القطاع. بينما تؤكدُ إسرائيلُ أن استئنافَ الحربِ يبقَى واردًا ما لم توافقْ حركةُ "حماس" على نزعِ سلاحِهَا، بعدما حصرَت جميعَ بنودِ التوافقِ في بندٍ واحدٍ، ما أفرغَ الخطةَ من مضمونِهَا، خصوصًا ما يتعلقُ بدخولِ المساعداتِ الإنسانيّةِ وإعادةِ الإعمار. في الأثناءِ، كشفَت مصادرٌ من الفصائلِ الفلسطينيةِ عن كواليسِ جولةِ المفاوضاتِ المُنعَقِدةِ في العاصمةِ المصرية القاهرة، بين وفدِ الحركةِ بقيادةِ خليل الحية، والوسطاءِ، وممثلي مجلسِ السلام. وتسعى هذه الجولةُ إلى إيجادِ حلولٍ عمليةٍ والدفعِ نحو تنفيذِ اتفاقِ وقفِ النار، غداةَ التصعيد في العملياتِ الإسرائيليّةِ على مدارِ الأسابيع الماضية. في سياقٍ متصلٍ، أطلقت مجموعةٌ من المستوطنينَ اليهود المتطرفين، من بينهم ثلاثةُ وزراءَ وستةُ نوابٍ من حزبِ "الليكود"، حملةً علنيةً، تُطَالِبُ نتنياهو بتغييرِ الأمرِ الواقعِ في المسجدِ الأقصى، وفتحِهِ بشكلٍ "حرٍ أمام اليهود في جميعِ ساعاتِ النهار"، مقابلَ إغلاقه في وجهِ المسلمينَ والعرب، لـ"إجبارهِم على قبولِ حريةِ دخولِ اليهودِ وإقامةِ صلواتِهِم التلموديةِ فيه".
في الأحداثِ الأخرى، هاجمَ ترامبُ النظامَ الانتخابيَ في الولاياتِ المتحدة، معلنًا رفعَ السريةِ عن معلوماتٍ تكشفُ تدخلاتٍ صينيةً في ما وصفَهُ بأنه "أكبرُ عملية اختراقٍ وسرقةٍ لبياناتِ الانتخاباتِ في التاريخ" في عام 2020. إذ عَمِلَت منذُ منتصفِ عام 2018 على التأثيرِ في انتخاباتِ التجديدِ النصفي والانتخاباتِ الرئاسيّة لعام 2020، على حدِّ تعبيره. كما حدّدَ الليلةَ موعدًا لرفعِ السريةِ عن هذه "المعلومات الاستخباراتيّة الحاسمة" ونشرِهَا للعلن، مؤكدًا أن إدارتَهُ تسعَى إلى بناءِ "منظومةٍ انتخابيّةٍ آمنةٍ تجعلُ الغشَّ والتدخلَ فيها أمرًا مستحيلًا".
وكانت هذه الملفات والقضايا محور متابعة الصحف العربيّة الصادرة اليوم الجمعة، وفي الآتي أبرز ما جاء فيها:
كتبت صحيفة "الوطن" البحرينية أنه "ليست الاعتداءات الإيرانية الغاشمة والمتكررة على مملكة البحرين وشقيقاتها في دول الخليج العربي والمملكة الأردنية الهاشمية، وما صاحبها من تهديد لحرية الملاحة في مضيق هُرمز، سوى فصل جديد من سلوك قديم لنظام لم يتصالح يومًا مع منطق الدولة، ولا مع قواعد الجوار، ولا مع التزاماته أمام القانون الدولي. إنها نتيجة متوقعة لعقلية تمارس منطق العصابة حين تُصدّر أزماتها إلى الخارج، وتحول أمن المنطقة إلى ساحة ضغط، وتتعامل مع الاتفاقات والتعهدات بوصفها فرصًا للمناورة لا التزامًا واجب الاحترام". وأكدت أن "المشكلة لا تقف عند حدود الاعتداءات، على جسامتها، وما تمثله من استهداف للأعيان المدنية والمنشآت الحيوية وتهديد لأمن المواطنين والمقيمين وسلامة الملاحة، وإنما تمتد إلى ما هو أعمق: غياب الثقة في أي تعهد يصدر عن هذا النظام. فقيمة الاتفاق تُقاس بما يحمله من التزامات قابلة للتنفيذ وضمانات ملزمة؛ فأي تسوية تفتقر إلى ذلك، لا تفتح باب السلام بقدر ما تعيد إنتاج الخطر بعبارات دبلوماسية مراوغة".
أما صحيفة "الجريدة" الكويتية، فرأت أن "إيران تريد أن تحارب أميركا بالطريقة الآمنة: تهاجمها في التصريحات، وتنتقم منها في أراضي الآخرين. لم تأتِ أميركا بكل هذه الأساطيل إلّا وهي متأكدة أن إيران لن تجرؤ على خدش أساطيلها. إيران تهدد الأسطول الأميركي، ثم تقصف الميناء المجاور! ترسم حاملة الطائرات في الملصقات وتحرقها على الورق، ثم تترك الحاملة الحقيقية بسلام!". وقالت إن "هذا المشهد يفسّر أحد أمرين، إمّا أن أغلب فصائل الحرس الثوري مخترقة، وتأخذ أوامرها من الخارج لتوريط الخليج وإدخاله في الحرب، وهذا بالضبط ما فعلته إسرائيل، التي تعمّدت أن تغتال جميع قيادات الصف الأول المؤهلين للتفاوض، والذين كانوا يملكون شيئاً من الدبلوماسية، وتركتنا نواجه مصيرنا مع مجموعة من الرعاع المسلحين الذين لا يُؤمَن جانبهم ولا صديق لهم. وإما أن إيران قد ابتكرت نظرية جديدة في "الحقد" سمّتها: عليَّ وعلى جيراني!".
بدورها، أشارت صحيفة "عكاظ" السعودية إلى أنه "في منطقة تكاد لا تهدأ فيها الأزمات، وتتشابك فيها المصالح الإقليمية والدولية، أصبحت القدرة على صناعة التوازنات السياسية أكثر أهمية من امتلاك عناصر القوة التقليدية وحدها، فالشرق الأوسط لم يعد ساحة للصراعات العسكرية فحسب، بل تحوّل إلى ميدان تتنافس فيه الدول على بناء النفوذ عبر الاقتصاد والدبلوماسية والشراكات الاستراتيجية، وفي خضم هذه التحوّلات، برزت السعودية بوصفها أحد أهم الأطراف القادرة على ترسيخ معادلات التوازن والاستقرار، مستندة إلى ثقلها الديني والسياسي والاقتصادي، وإلى رؤية استراتيجية تنظر إلى أمن المنطقة باعتباره مسؤولية جماعية ومصلحة مشتركة". وأوضحت أنه "في ظلّ المتغيّرات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، يبدو أن الدور السعودي مرشح لمزيد من الحضور والتأثير، فالمملكة لا تكتفي بالتفاعل مع الأحداث، بل تسعى إلى المساهمة في صياغة مستقبل المنطقة عبر رؤية تقوم على التنمية والاستقرار والتعاون، وهذا النهج يجعلها أحد أهم صنّاع التوازنات في الشرق الأوسط، ويمنحها مكانة تتجاوز حدود الجغرافيا إلى التأثير في رسم ملامح المرحلة المقبلة".
(رصد "عروبة 22")
(رصد "عروبة 22")

