وجد الأردن نفسه مؤخرًا في قلب هذه المفارقة بعدما أعلن اعتراض ثمانية صواريخ دخلت مجاله الجوّي. فالدولة التي يدعوها النظام إلى الانضمام إلى جبهة إسلامية موحّدة اضطرّت إلى حماية أجوائها وسكانها من تداعيات هجوم لم تخترْه. ولم تعد المواجهة بذلك محصورةً في أطرافها، بل امتدّت أخطارها إلى دولة طُلب منها تحمّل نتائج قرار اتُخذ خارج حدودها.
ينبغي أن تبدأ وحدة المسلمين باحترام سيادتهم
تكشف الواقعة خللًا أعمق في مفهوم التضامن الذي يطرحه النظام، إذ يُفترض بدول المنطقة أن تصطفّ خلف أولويّاته الأمنية، من دون أن تتمتّع بالحقّ عينه في تحديد مصالحها وحدود انخراطها في الصراع. غير أن مسؤولية أي دولة تبدأ بحماية مواطنيها وأراضيها، لا بتوفير ممرّات لمقذوفات دولة أخرى مهما كانت الشعارات المُستخدمة لتبريرها. وإذا كانت وحدة المسلمين تعني شيئًا عمليًّا، فينبغي أن تبدأ باحترام سيادتهم والامتناع عن جرّهم إلى مواجهات لا يريدونها.
ولا تقف المفارقة عند الأردن. فدول الخليج التي يخصّها النظام بدعوات التضامن تنظر إلى سياساته من خلال ما تسبّبه الصواريخ والمُسيّرات والتهديدات البحرية من قلق أمني واضطراب اقتصادي. وأي تصعيد في الخليج ينعكس على الملاحة وكلفة التأمين وتدفّق الطاقة والاستثمار، ولا سيما في مضيق هرمز، الذي تمرّ عبره عادةً إمدادات نفطية تُعادل نحو خُمس الاستهلاك العالمي. إنّ تحويله إلى ورقة ضغط لا يهدّد خصوم إيران وحدهم، بل مصالح الدول المجاورة وشعوبها أيضًا.
تتّضح حصيلة "محور المقاومة" أكثر عند النّظر إلى الدول التي توسّع فيها نفوذه. ماذا حلّ باستقرار هذه الدول التي تحوّلت إلى مجتمعات مدمّرة تكافح عبثًا لإعادة البناء والحياة الطبيعية؟.
النظام الإيراني شوّه صورة الإسلام وخلّف الدمار حيثما امتدّ نفوذه
في لبنان، لم تؤدِّ قوة "حزب الله" العسكرية والسياسية إلى قيام دولة أكثر قدرة وسيادة، بل كرّست ازدواجية السلطة وحدّت من استقلال المؤسّسات الوطنية وجرّت البلاد إلى حروب مُدمّرة.
وفي سوريا، ساندت إيران حكومة بشار الأسد طوال سنوات الحرب، لكنّ بقاء حليفها ترافق مع تدمير المدن وتهجير الملايين وخلق مجتمع مُثقل بأعباء إعادة الإعمار.
وفي العراق، ساعد صعود الجماعات المسلّحة المرتبطة بإيران على تكوين مراكز قوة موازية للمؤسّسات، وعقَّد مساعي إخضاع السلاح لحكومة مدنية مسؤولة.
أمّا في اليمن، فحوّلت هجمات الحوثيين على السفن التجارية ممرًّا بحريًا حيويًا إلى ساحة أخرى للصراع، بينما ظلّ اليمنيون في حاجة إلى الأمن وإعادة بناء ما دمّرته الحرب.
لا يعني ذلك أنّ إيران تتحمّل وحدها مسؤولية أزمات هذه الدول. فقد أسهمت عوامل داخلية وتدخّلات إقليمية ودولية متعدّدة في إنتاجها. لكن تعدّد المسؤوليّات لا يعفي المحور من مساءلة حصيلته. فما بُني لم يكن منظومة من الدول القادرة، بل شبكة من الجماعات المسلحة التي اتّسع نفوذها كلّما ضعفت المؤسّسات التي تعمل داخلها.
أثبتت التجربة أن "محور المقاومة" يُجيد بناء الجماعات المسلّحة أكثر ممّا يسهم في بناء الدول، كما تكشف خطورة استخدام الإسلام غطاءً لمشروعات القوّة. فالنظام الإيراني شوّه صورة الإسلام حين استدعى الدّين لتسويغ العنف، وخلّف الدمار حيثما امتدّ نفوذه، فيما دفع مسلمون ثمن صراعات رُفعت فوقها رايات الدفاع عن الإسلام. فالدفاع عن المسلمين لا يُقاس بعدد الصواريخ أو باتساع نفوذ الجماعات المسلحة، بل بما يوفره لهم من أمن وكرامة وفرص للحياة. كما أنّ مقاومة الهيمنة الخارجية لا تكتسب صدقيةً إذا اقترنت بإضعاف سيادة الدول من الداخل، ولا يكون التضامن سليمًا إذا احتفظ طرف واحد بحقّ تحديد العدو واختيار المعركة وتوزيع أكلافها.
السيادة لا تتحقق بتعدّد الجيوش داخل الدولة والكرامة لا تُصان حين يصبح المواطن وقودًا لمعارك لا يملك قرارها
إن الوحدة التي تحتاجها المنطقة ليست اصطفافًا خلف مشروع دولة واحدة، بل علاقة تقوم على احترام الحدود، وإخضاع السلاح للمؤسّسات الوطنية، وحماية المصالح المشتركة من الحسابات الإيديولوجية والعسكرية. وعندما يدعو النظام الإيراني دول المنطقة إلى التضامن ضدّ "العدو الحقيقي"، يحقّ لشعوبها أن تسأل من عرّض أمنها وسيادتها للخطر، وأن تقيس مشروع "المقاومة" بما تركه في حياتها لا بما وعدها به.
الاستقرار والسيادة لا يتحقّقان بتعدّد الجيوش داخل الدولة، والكرامة لا تُصان حين يصبح المواطن وقودًا لمعارك لا يملك قرارها. بعد سنوات من الحروب بالوكالة، هل بنى "محور المقاومة" الاستقرار، أم ترك مجتمعات المنطقة تواجه الدمار، ثم طالبها بأن ترى عدوّها الحقيقي في مكان آخر؟!.
(خاص عروبة 22)

