لا بدّ من الإقرار بأنّ الثورة الرقمية، في سياق عربيّ لم يُحسم فيه سؤال الحداثة، أوقعت العرب في معضلة وجوديّة مزدوجة أبهمت أفق وجودهم في مستقبل لا يستقيم إلا لمن يقدر على خوض غمار المنافسة في الابتكار والتجديد.
الثورة الرقمية سيف على رقبة الإنسانية يتربّص بقطع رؤوس الدول التي لم تستوعب إلزامية تملّكها وضرورة إنتاجها
لقد كانت شروط التقدّم في الأمس القريب تقوم على قاعدة بناء مجتمع أساسه العقل والمعرفة والمواطنة، وذلك وفقًا لمنظور الحداثة وشروطها لما ينبغي أن تكون عليه الحياة. غير أنّ عدم اكتمال بناء مشروع الحداثة العربيّة، وهذه معضلة أخرى، كان بمثابة عائق إبستمولوجي في إنجاح مهام الثورة الرقمية، لأنّ استكمالها شرط في استكمال المشروع الرقمي. وحيث إنّ الثورة الرقمية قد أصبحت سيفًا على رقبة الإنسانيّة يتربّص بقطع رؤوس بعض الدّول والمجتمعات التي لم تستوعب إلزاميّة الوعي بِتَمَلُّكِها وضرورة إنتاجها، لم يبقَ أمام العرب إلًا ممارسة الهدم، بالمعنى الإبستيمي، للهياكل الاجتماعيّة والسياسيّة والفكريّة التّقليديّة لمجتمعاتهم ودولهم بهدف بناء ذاتيّ داخليّ فيه الكثير من الجرأة تجاوبًا مع عالم متحوّل تغيّرت فيه شروط التّنميّة والتقدّم.
إنّ ما يُصَعِّب المأموريّة لدى العرب أنّ مقدّمات الهدم الإيجابيّ ظلّت لحدّ الآن معطّلة، ليس لأنّهم دخلوا الحداثة على نحو متناقض يتأرجح بين نزعة التلفيق وبين الأصالة والمعاصرة، وليس لأنّهم ما زالوا يتلكّؤون في محطّاتها الأوّليّة ويكتفون باستيراد آليّاتها المؤسّساتيّة، وإنّما لأنّهم لم يُفلحوا في إبداع بنية ثقافيّة ومعرفيّة تمنح لهيكل المجتمع الأسباب الضّروريّة للانطلاق وتفرض على الدّولة الانسجام المشروط مع وعي المجتمع وتقدّمه.
أمام هذه العوائق التي لم يتم تجاوزها، يطرأ تحدّي الثورة الرقمية ليُعمّق أسباب الأزمة والعجز العربيّين. ذلك أنّ العرب لم يستكملوا تشييد صرح الحداثة الصّناعيّة والسّياسيّة واقتصاد المعرفة، فكيف بالأحرى أن يتأتّى لهم الانخراط في تنافسيّة إنتاج الذّكاء الاصطناعيّ والاقتصاد الخوارزميّ؟.
العرب إذن أمام أزمة مزدوجة: عدم استكمال تملّك الحداثة، والعجز عن استيعاب الثورة الرّقميّة. وكلا الأمريْن يعودان إلى فشل الانتقال من استهلاك المعرفة والتّقنيّة إلى إنتاجها وبناء شروط تجديدها. وعليه، لا تكمن الأزمة في المسألة التقنيّة والعمل على استعمالها، وإنّما هي نتيجة معرفيّة وتاريخيّة ظلّت لمدّة طويلة تتردّى في حسابات سياسيّة وتوازنات خارجيّة تخدم مصلحة الغرب.
الاستثمار في التكنولوجيا لا يعني إنتاجها
قد يقول قائل دحضًا لما أوردناه هنا، إنّ ما يحدث في علاقة الخليج بالثورة الرّقميّة يُقدّم دليلًا على قوة الاستثمار في البنية التحتيّة والذّكاء الاصطناعيّ، بحجّة أنّ الإمارات اجتهدت في تطوير نماذج لغويّة مثل "فالْكون"، وبَلوَرَت مؤسّسات بحثيّة في الموضوع. لكن الذي يغيب عن أصحاب هذه الدّعاوى أنّ الاستثمار في التكنولوجيا لا يعني إنتاجها، وأنّ امتلاك مراكز البيانات والخدمات الرّقميّة لا يعني حيازة المنظومة على رأسمال معرفيّ وفكريّ يتمّ بواسطته إنتاج تكنولوجيا الذّكاء الاصطناعيّ. هذا ما وقع مع الحداثة العربيّة التي لم تتجاوز امتلاك ما تمّ إنتاجه من طرف الآخر في عجز تام لمجتمعاتها عن إنتاجها ونقدها.
وعليه، فإنّ العرب، اليوم، يُعيدون من خلال تعاملهم مع الذّكاء الاصطناعي إنتاج أزمة الحداثة عينها؛ غير أنّها هذه المرّة تدخل في إشكاليّة أكثر خطورة وتعقيدًا لأنّها لا تتّصل بما ينجزه العقل الحديث، وإنّما بابتكار العقل ذاته مصدر هذه الإنجازات!.
(خاص عروبة 22)

