ترجمات

الثَقافة.. بوصفها أداةً للتمايُز!

تعريب: منعم دائخة – ليبيا

المشاركة

في ما يلي ترجمة لمقالٍ حرَّرته إستير بينياس دومينغو (Esther Peñas Domingo)، وهي صحفيّة وشاعرة وكاتبة إسبانيّة، نشرت عددًا من الدواوين الشعريّة والحوارات والروايات، تعمل أستاذة في الكتابة الإبداعيّة في المركز الثقافي "باكو رابال"، وقد نُشر المقال على مِنصّة "إِتيقا" (Etica) الإِسْبانِيَّة.

الثَقافة.. بوصفها أداةً للتمايُز!

شتّان بين قراءة مارسيل بروست (Marcel Proust) وتصفّح أعمال ميغان ماكسويل (Megan Maxwell)، وبين الاستماع إلى بيوتر تشايكوفسكي (Piotr Ilitch Tchaïkovski) والإصغاء إلى باد باني (Bad Bunny)، أو التأمّل في لوحات ريميديوس فارو (Remedios Varo) داخل المتاحف ومعاينة جداريّات بانكسي (Banksy) في الفضاءات الحضريّة. يكمن الفارق الجوهري هنا في "الذوق"، وهو العنصر الذي يصنع التمايز بين الخيارات والأفراد. غير أنّ السؤال الذي يطرح نفسه: هل الذوق اختيارٌ حرّ ومستقلٌ كما نتوهّم؟ هذا ما تناوله عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (Pierre Bourdieu) بالتحليل والدراسة في إحدى أهم الأطروحات الفكريّة البارزة في القرن العشرين.

تُعدّ أعمال أوبرالية مثل ريغوليتو (Rigoletto) أو توراندوت (Turandot) بما يرافقها من عروض مسرحيّة ضخمة وفاخرة (كالهياكل العملاقة التي تبرز من قلب المياه، واستخدام الألعاب الناريّة، واعتلاء أكثر من 200 فنانٍ خشبة المسرح في وقتٍ واحدٍ)، نموذجًا صارخًا في مواجهة جولة "شاكيرا" العالمية "النساء لا يبكين" بما تتضمنّه من ثماني قاعات عرض تشكّل مجتمعةً مدينةً مؤقتةً كاملة للاحتفاء بالثقافة اللّاتينيّة.

الذين يمتلكون قدرًا أكبر من "رأس المال الثقافي" هم الذين يُحدّدون ما يُعدّ ذوقًا رفيعًا داخل المجتمع

الذّوق، ذلك التعبير الحر لكل فرد، الذي يُكيّف فيه حياته وفق الإمكانات الجماليّة المُتاحة له. إنّه طريقته في فهم الثقافة. وتعدّ المتاحف النموذج الأمثل لمعبد الذّوق الرفيع في الفنون. غير أنّ كلّ معبد تحكمه فئة من القائمين على شعائره، ممّن يحثّون العامة على أن يعرفوا ما الذي يمكن الاستمتاع به، وما الذي لا ينبغي الاستمتاع به؛ إنّهم سادة اللعبة الذين تحدّث عنهم هيرمان هيسّه (Hermann Hesse) في رواية "لعبة الكريّات الزجاجية".

لكن، إلى أيّ مدى تُعدّ الذّائقة حرّة؟ لقد بحث عالم الاجتماع بيار بورديو (1930–2002) في هذه الظاهرة التي تبدو عصيّةً على أي تحليل، فأفضى بحثه إلى أحد أهم المؤلّفات السوسيولوجيّة في القرن الماضي، "التمييز: النقد الاجتماعي للحكم الذّوقي".

صحيح أنّ دراسته تنحصر في فرنسا، لكن لا يقلّ عن ذلك صحة أنّ نتائجها قابلة للتأمّل والتطبيق، على الأقل، خارج حدود البلد الفرنسي. وبحسب بورديو، فإنّ أولئك الذين يمتلكون قدرًا أكبر من "رأس المال الثقافي" ــ وهو مرتبطٌ ارتباطًا وثيقًا بالمستوى الاجتماعي والاقتصادي ــ هم الذين يُحدّدون ما يُعدّ ذوقًا رفيعًا داخل المجتمع. أمّا الذين يمتلكون قدرًا أقلّ من "رأس المال الثقافي"، فيقبلون هذا الذوق بوصفه مشروعًا، ويعدّون الفصل بين الثقافة الكلاسيكية والثقافة الشعبية ــ أي بين الثقافة الرفيعة والثقافة الدنيا ــ أمرًا "طبيعيًّا".

ويُميّز بورديو بين ثلاثة أنماط من الذوق: الذوق النّخبوي، والذوق المتوسط، والذوق الشعبي.

أمّا الذوق النّخبوي ــ ويسميه بعضهم الذوق البورجوازي ــ فيتمثّل، بوصفه نموذجًا معياريًّا، في جمهور المتاحف؛ إذ يتطلّب الاستمتاع بالأعمال الفنيّة القدرة على الانفصال مؤَقتًا عن الحياة اليوميّة، وامتلاك استعداد جمالي ــ يمكن أن نُعبّر عنه بالانفتاح الذهني تجاه ما نتأمّله ــ فضلًا عن كفاءة فنيّة تمكّن المرء، مثلًا، من التمييز بين ما إذا كان المشهد المرسوم ينتمي إلى الانطباعيّة أو ما قبل الرافائيليّة أو التكعيبيّة أو الواقعيّة المفرطة.

"عنف رمزي" يُمارسه الذوق النخبوي على الطبقات الأقل حظوة

إنّ قراءة مارتن هايدغر، وتذوّق الفروق الدقيقة في تعدّد الأصوات الموسيقية عند باخ، واكتشاف درجات النكهة والقوام والكثافة في النبيذ، كلّها أمورٌ تتطلّب الممارسة والاعتياد، وقدرًا من الحساسيّة، ومعرفة بالشفرات الثقافيّة التي تجعل هذا التذوّق ممكنًا، وهكذا يستجيب الذوق النّخبوي لنوعٍ من أرستوقراطيّة الروح، أرستوقراطيّة تقوم على تربية وتعليم ثقافيين ملائمين.

يتشكّل الذّوق المتوسط (أو "الثقافة الجماهيريّة"، المفهوم الذي صاغته مدرسة فرانكفورت) عبر الصناعة الثقافيّة من جهة (مثل شاكيرا)، وعبر ممارسات فنيّة أُسبغ عليها الطابع الديموقراطي كالتصوير الفوتوغرافي من جهة أخرى. ويتحاشى الذّوق المتوسط الخلافات والجدالات، ويلجأ إلى القوالب النمطيّة بغية تحقيق أقصى ربحيّة وتوسيع القاعدة الجماهيريّة. ويستخدم بورديو استعارة صارمة لوصف ذلك؛ فمقابل المتحف هناك المركز التجاري الكبير، "المعرض الفنّي للفقراء". فكل شيء يعرض تقريبًا بديل أو مستنسخ، على غرار الأفلام المستوحاة من الكتب الكبرى أو الأعمال المسرحيّة، مثل "الأوديسة" مؤخرًا.

يتسم الذوق الشعبي بالطابع البراغماتي (العملي) والوظيفي؛ إذ يقع مفهوم "الفن لأجل الفن" خارج نطاق إدراكه، ولا مجال فيه للتعقيد أو الترف الجمالي. كما يغيب عنه التصوّر ــ والإمكانيّة الاقتصاديّة أيضًا ــ المتمثّل في جعل كلّ مقتنى خيارًا جماليًّا أو تعبيرًا عن الذوق الشخصي. إنّ الذوق الشعبي وليد الحاجة والضرورة: فالملبس بسيطٌ ومُريحٌ، والأثاث متينٌ، والغذاء ذو نكهة قوية، والرقص يمارس في مظانّه ومناسباته.

ومن خلال هذه التصنيفات الثلاثة للذوق، يسعى بورديو إلى الإحاطة بمفهوم الـ"هابيتوس" (Habitus)، أي العملية التي يحاول الفرد من خلالها تحقيق نوع من الانسجام بين البنى الموضوعية والبنى الذاتيَة. ويحاول عالم الاجتماع الفرنسي أن يمدَ جسرًا بين اتجاه البنى الاجتماعية بوصفها محددة للسلوك، أي الاتجاه الموضوعي لدى إِميل دوركهايم (Émile Durkheim) وكلود ليفي-شتراوس (Claude Lévi-Strauss) وكارل ماركس، وَبين الاتجاه الذاتي لدى إدموند هوسرل (Edmund Husserl) وألفرد شوتس (Alfred Schütz) وهارولد غارفينكل (Harold Garfinkel).

كذلك، يحذر بورديو من "العنف الرمزي" الذي يمارسه الذوق النخبوي على الطبقات الأقل حظوة، إذ يحرمها من القدرة على صياغة عالمها الخاص. فالاختيارات الجمالية تؤسس بدورها تخومًا تكاد تكون مستحيلة العبور بين الطبقات. فالذوق والتمييز لا يعكسان رأس مال ثقافيًا فحسب، وإنما يُعبِّران أيضًا عن رأس مال اجتماعي واقتصادي.

الذّوق شكل من أشكال السلطة الرمزية

إنّ مَن يقومون على الطقوس وهم مَن أشرنا إليهم بادئ الأمر بـ"سَدَنة اللعبة"، فإنّهم بحسب بورديو "يدينون بملذّاتهم الأنقى لنسيان الشروط المادية التي أنتجتهم على تلك الشاكلة". وبكلمات أخرى، فإنّ عجز الفرد عن التلذّذ بتأليف موسيقي لـ"جون كايج" (John Cage) أو تذوقه، لا يرجع إلى نقص فطري في ذائقته، إنّما يرتدّ أساسًا إلى حرمانه من الوصول إلى التنشئة والتعليم اللّازمين (ومن ثم إلى القدرة الاقتصاديّة التي كانت كفيلةً بإتاحتهما)؛ أي إنّه يفتقر إلى "رأس المال الثقافي".

وعليه، فإنّ الذّوق شكل من أشكال السّلطة الرمزية. أخبرني ماذا تقرأ، وما الذي تستمع إليه، ودعني أرى كيف تلبس وتأكل، وسأستطيع أن أستدلّ على الطبقة الاجتماعيّة التي تنتمي إليها، مع الأخذ بطبيعة الحال بالاستثناءات التي يقتضيها كل تعميم.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن