في فلسفة العقل، انقسم المفكّرون إلى مثاليّين وماديّين. يرى المثاليّون الوعي نتاجًا فوق المادة أو ما يُسمى بـ"الروح". فهو ظاهرةٌ بشريّةٌ فرديّةٌ تنبثقُ نتيجةَ عوامل خارجة عن الطبيعة، موجودة خارجَ الزمانِ والمكان. فالوعي جوهرٌ وقوّةٌ مُطلقة، يوجدُ مستقلًّا تمامًا عن المادة، وهذه مُسَلَّمةٌ في الفلسفة المثاليّة. أما "الماديّون"، فيرَوْنَ الوعيَ نتاجًا للمادة كنشاط للعقل البشريّ، ولا يمكن أن يكون خارج المادة (الدماغ وما في حكمه من مادة جسديّة).
كلُّ ما يتّصلُ بالوعيِ من إدراكٍ وتصوّرٍ وتفكيرٍ وذاكرة، وأيِّ نشاط نفسيّ هو نتيجة لعمَلِ العقلِ بالتعاون مع الحواس؛ وهناك علاقةٌ وثيقةٌ بين التفكيرِ واللغة، والعقل هو العضو المالك لِلُّغة، أما الوعي فهو صفةٌ عامّةٌ للمادة. وبهذا المنظور، فالوعي أرقى نتاجٍ للمادة وأحد وظائفها، وأعلى شكلٍ لتجلّيها، ويشكّل وظيفةَ العقل والجهاز العصبي للإنسان.
الوعي هو تركيبة معقّدة من الإحساس بالمعنى وبلوغ المعرفة
يُلاحظ أنَّ المنظورَيْن المثاليِّ والماديِّ يشتركان في أنَّ الوعيَ البشريَّ هو حالة تيقّظ أو صحو أعلى، ينبثق من المادة ويظلّ متعاليًا عليها. فهو تمثّلٌ حيٌّ للشعورِ بالوجود، والإحساسِ بالأنا الفرديّة. كما أنّه إدراكٌ للعالَم المحيطِ بالإنسان. في حين أنّه أيضًا إدراكٌ داخليٌّ للذّات (الغامضة)، يتمظهر للإنسان من خلال تفاعلٍ مُنظّمٍ مع الطبيعة والمجتمع الذي ينبثق فيه. بذا، فالوعي هو تركيبةٌ معقّدةٌ من الإحساس بالمعنى وبلوغ المعرفة، ويظهرُ ذلك عبرَ التعبير باللغة والحركات والسلوك الناجم عن التفاعل وفق قواعد مشتركة مع الآخرين في المجتمع.
في إطار التجارب العلميّة في تطوير وعيٍ آليٍّ يُضاهي الوعيَ البشري الطبيعي، التزم الباحثون أساسًا بما قدّمته فلسفةُ العقل في هذا الشّأن، واتّجه البحثُ في محاولاتٍ للتنظير العلميِّ الدقيق في المادة الجسديّة التي ينبثق منها الوعي، وهي تحديدًا "الدماغ" والنظام العصبيّ المرتبط به في جسم الإنسان، إلى جانب مساهمات العلوم الإدراكية الأخرى وما يرتبط بها من مباحث المعرفة والمعلومات واللغة الطبيعية والسلوك.
لذلك، ظهرت نظرياتٌ تفسّرُ الوعي بما يمكن نمذجتُهُ ماديًّا ومحاكاتُهُ في أنظمة حاسوبية. من أهمِّها ثلاثُ نظريات:
- نظرية المعلومات المتكاملة: طوّرها عالم الأعصاب جوليو تونوني عام 2004. تتلخّص فكرتها الأساسية في أن الوعي يظهر عندما تصبح المعلومات داخل النظام (الدماغ) متكاملةً بدرجة عالية، ويُقاس ذلك بمؤشر "فاي"؛ وارتبطت تجاربها بقياس مستويات الوعي في الدماغ أثناء النوم أو التخدير، ومحاولة تطبيقها على الشبكات العصبية الاصطناعية. لكن المشكلة أن حساب المؤشر في الأنظمة الكبيرة شبه مستحيل حاليًّا. وبحسب رأي عدد من المختصّين سنة 2023، فإنّ "الأفكار الأساسية لنظرية المعلومات المتكاملة تفتقر إلى الدعم التجريبي، وهي ميتافيزيقية وليست علميةً"؛ وانتهوا إلى أن "المزاعم الأساسية لنظرية المعلومات المتكاملة، غير علمية" (نيتشر ساينس 10/03/2025).
- نظرية مساحة العمل العالمية: وهي إطار تركيبي ونظري إدراكي لفهم الوعي، قدّمه عالم الإدراك "بيرنارد بارس" عام 1988؛ وطوّره لاحقًا "ستانيسلاس ديهاين". ترى أن الوعي هو عملية "بثّ عالمي" (global) للمعلومات داخل الدماغ. أي أنّ المعلومة تصبح واعيةً عندما تتاح لجميع أجزاء النظام المعرفيّ. وقد أثّرت هذه النظرية كثيرًا في تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي المعرفيّة. لكن انتقدها عدد من الباحثين، مثل "جيه دبليو دالتون" و"أفشالوم إليتزور" عام 1997، و"سوزان بلاكمور" عام 2005، بأنّ هذه النظرية لم تقدّم شرحًا للوظيفة الإدراكية للوعي، وفشلت في معالجة المشكلة الأعمق لطبيعته (ما هو الوعي؟)، وكيف يمكن لأي عملية ذهنية أن تكون واعية (المشكلة الصعبة للوعي).
نظريات محاكاة الوعي البشري حفّزت الشركات التقنية والمراكز البحثية لإطلاق مشاريع متقدّمة
- نظرية المعالجة التنبؤية: يرتبط تطويرها بأعمال عالم الأعصاب "كارل فريستون"، وفكرتها أن الدماغ يعمل كآلةٍ تتنبّأ باستمرار في العالم وتصحّح أخطاء التنبّؤ. وبعض الباحثين يرون أنّ الوعي قد يظهر من هذه العملية التنبّؤية، حيث تفترض النظرية أنّ الدماغ يقوم باستمرار بتوليد وتحديث "نموذج ذهني" للبيئة؛ يُستخدم لتوقّع إشارات المدخلات من الحواسّ، لتُقارن بالإشارات الفعلية القادمة من تلك الحواس (Helmholtz, 2022). لكنّه تبيّن بالتجربة أنّ ربط "استجابات الفعل المرتبطة بالحدث" بأخطاء التنبّؤ بشكل فريد، أمرٌ صعب، وأنّ مصادر استجابات النشاط العصبي الإجمالي متداخلة، وتتأثّر بعمليات معرفية عدة. كما أنّ التمييز بين إشارات خطأ التنبّؤ الحقيقيّة وبين التأثيرات المعرفية أو الإدراكية يتطلّب تصميمًا تجريبيًّا دقيقًا، وتحليلات قائمةً على النماذج.
لم تصل النظريات المذكورة وغيرها في محاكاة الوعي البشري إلى تحقيق غاياتها، لكنّها حفّزت الشركات التقنية والمراكز البحثية المهتمة لإطلاق مشاريع متقدّمة، والتوجّه خصوصًا إلى التطوير الاجتماعي لوعي الآلة.
(خاص عروبة 22)

