بَذَلَ رُشْدي راشِد جُهودَهُ في بِلادِ الهِجْرَةِ في فَرَنْسا التي أَصْبَحَتْ مَوْطِنَه، وَالتي وَصَلَ إِلَيْها في سِنِّ العِشْرين، فَأَكْمَلَ دِراسَتَهُ في فَلْسَفَةِ العُلوم، وَثابَرَ على البَحْثِ خِلالَ عَمَلِهِ كَأُسْتاذٍ في جامِعَةِ باريس، بِالإِضافَةِ إِلى جامِعَةِ هومْبولْت في أَلْمانْيا. وَهُوَ صاحِبُ الرَّأْيِ بِأَنَّ الحَداثَةَ الأوروبِّيَّةَ لَيْسَتْ فَريدَةً في التّاريخ، فَهُناكَ حَداثات، مِنْ بَيْنِها الحَداثَةُ العَرَبِيَّةُ التي كانَتْ عُلومُها وَأَفْكارُها أَساسًا في نَهْضَةِ أوروبّا.
تحالُف العلماء مع الدول العسكرية أدى إلى تراجع الإبداع الفكري
لَيْسَ رُشْدي راشِد وَحيدًا في اشْتِغالِهِ على العُلومِ عِنْدَ العَرَب، فَقَدْ أَوْلى جورْج صَليبا، الأُسْتاذُ في جامِعَةِ كولومْبِيا، اهْتِمامَهُ لِعِلْمِ الفَلَكِ وَتاريخِهِ عِنْدَ المُسْلِمين. وَلَهُ العَديدُ مِنَ المُؤَلَّفات، مِنْ بَيْنِها: العُلومُ الإِسْلامِيَّةُ وَقِيامُ النَّهْضَةِ الأوروبِّيَّة، الذي يَشْرَحُ فيهِ عَلاقَةَ النَّهْضَةِ الأَدَبِيَّةِ وَتَأْسيسِها على العُلومِ الإِسْلامِيَّة، وَقَدْ خَصَّصَ دِراسَةً لِلْفَلَكِ لِلتَّدْليلِ على الصِّلَةِ بَيْنَ فَلَكِ كوبِرْنيك وَالعِلْمِ الإِسْلامِيّ، وَأَنَّ العُلومَ الإِسْلامِيَّةَ وَالاكْتِشافاتِ اسْتَمَرَّتْ في القَرْنَيْنِ الثّالِثَ عَشَرَ وَالرّابِعَ عَشَر، وَلَمْ تَتَوَقَّفْ قَبْلَ ذَلِكَ كَما هُوَ الرَّأْيُ الشّائِع. وَلَكِنَّنا نَعْلَمُ أَيْضًا أَنَّ تَشْجيعَ العُلومِ قَدْ تَراجَعَ مِنْ جانِبِ الحُكّام، وَأَنَّ مَوْجاتِ التَّعَصُّبِ المُحافِظَةِ كانَتْ بِالمِرْصادِ لِلْعِلْم، وَمِنْ ذَلِكَ رُضوخُ السُّلْطانِ العُثْمانِيِّ مُرادَ الثّالِثِ إِلى تَدْميرِ "مَرْصَدِ إِستامبول" عامَ 1577م، بِناءً على رَأْيِ الفُقَهاء.
وَفي الوَقْتِ الذي كانَتِ العُلومُ تَتَراجَعُ في الفَضاءِ الإِسْلامِيّ، كانَتِ العُلومُ في أوروبّا تُحَقِّقُ قَفَزاتٍ أَحْرَزَتْ معها تَقَدُّمًا كَبيرًا، خُصوصًا أَنَّ الأَبْحاثَ العِلْمِيَّةَ التي ارْتَبَطَتْ بِنُمُوِّ الرَّأْسِمالِيَّةِ كانَتْ تُمَوَّل، كَما كانَتِ الجامِعاتُ تَتَلَقّى دَعْمًا، مِنْ "رَجُلِ المال"، طالَما أَنَّ الاكْتِشافاتِ تُؤَدّي إِلى تَقَدُّمِ التِّقْنِيّاتِ وَالصِّناعَة.
في تَفْسيرِهِ لِتَراجُعِ العِلْم، يَعودُ الباحِثُ وَالأَكاديمِيُّ التُّرْكِيُّ أَحْمَد كورو، الأُسْتاذُ في جامِعَةِ سانْ دِييغو، إِلى القَرْنِ الحادي عَشَر، حينَ بَدَأَ تَحالُفُ العُلَماءِ مع الدُّوَلِ العَسْكَرِيَّةِ بِتَهْميشِ المُثَقَّفين، الأَمْرُ الذي أَدّى إِلى تَراجُعِ الإِبْداعِ الفِكْرِيّ. هَذا التَّحالُفُ حَوَّلَ العُلَماءَ إِلى مُوَظَّفينَ حُكومِيّينَ مِنْ خِلالِ المَدارِسِ التي تُديرُها الدَّوْلَة، وَعَسْكَرَةِ الاقْتِصادِ مِنْ خِلالِ نِظامِ الإِقْطاعِ في حِيازَةِ الأَراضي وَالزِّراعَةِ الضَّرائِبِيَّة، وَأَيْضًا تَهْميشِ الفَلاسِفَةِ وَالتُّجّار (أَحْمَدُ كورو، الإِسْلامُ وَالسُّلْطَوِيَّةُ وَالتَّأَخُّر. الشَّبَكَةُ العَرَبِيَّةُ لِلْأَبْحاثِ وَالنَّشْر).
المستشرقون افتتنوا بالحضارة العربية - الإسلامية
وَالسُّؤالُ الذي يُطْرَحُ في هَذا السِّياق: لِماذا لَمْ يَسْتَعِدِ العَرَبُ المُحَدِّثونَ في نَهْضَتِهِمْ في القَرْنِ التّاسِعِ عَشَرَ إِحْياءَ العُلومِ الرِّياضِيَّةِ وَالفَلَكِيَّةِ وَالهَنْدَسِيَّةِ وَالطِّبِّيَّة، وَالعَمَلَ على تَطْويرِها، عِلْمًا بِأَنَّ بُطْرُس البُسْتانِيّ، في خُطْبَةِ "في آدابِ العَرَبِ" عامَ 1859، ذَكَرَ: "جَوْدَةَ العَقْلِ العَرَبِيِّ وَحُسْنَ اسْتِعْدادِهِ لِتَحْصيلِ العُلوم، وَلا سِيَّما ثَلاثَةَ أَنْواعٍ مِنْها، وَهِيَ العُلومُ الرِّياضِيَّةُ وَالعُلومُ الطَّبيعِيَّةُ وَالعُلومُ اللُّغَوِيَّة". وَلِماذا انْصَبَّ اهْتِمامُهُمْ على العُلومِ اللُّغَوِيَّةِ وَالأَدَبِيَّة، وَأَهْمَلوا العُلومَ الطَّبيعِيَّةَ وَالرِّياضِيَّة، عِلْمًا بِأَنَّ هؤُلاءِ النَّهْضَوِيّينَ قَدِ اكْتَشَفوا تاريخَ العَرَبِ وَالمُسْلِمينَ مِنْ خِلالِ المُسْتَشْرِقينَ الذين افْتُتِنوا بِالحَضارَةِ العَرَبِيَّةِ - الإِسْلامِيَّة.
لَيْسَ مِنَ السَّهْلِ الإِجابَةُ عَنْ هَذا التَّساؤُل، وَلَكِنْ بِالإِمْكانِ اقْتِراحُ بَعْضِ الأَجْوِبَة:
- مع بِدايَةِ اكْتِشافِ تَقَدُّمِ أوروبّا، لَمْ يُفَكِّرِ السَّلاطينُ العُثْمانِيّون، وَأَبْرَزُهُمْ أَحْمَد الثّالِث، في بِدايَةِ القَرْنِ الثَّامِنِ عَشَر، وُصولًا إِلى سَليم الثّالِثِ في نِهايَتِه، بِغَيْرِ الِاسْتِعانَةِ بِالخُبَراءِ الأوروبِّيّين، وَاعْتِمادِ النُّظُمِ وَالعُلومِ الأوروبِّيَّةِ لِتَطْويرِ الأَسْلِحَةِ وَالصِّناعَة، في وَقْتٍ كانَ التَّقَدُّمُ الأوروبِّيُّ العِلْمِيُّ وَالتِّقْنِيُّ قَدْ قَطَعَ أَشْواطًا بَعيدَةً، وَأَصْبَحَ كَالنَّهْرِ الجارِفِ على حَدِّ تَعْبيرِ أَحَدِ النَّهْضَوِيّينَ الكِبارِ خَيْرِ الدّينِ التّونِسِيِّ الذي قالَ: "لا بُدَّ مِنَ السَّيْرِ في مَجْراهُ وَإِلَّا الغَرَق".
- انْصَرَفَتِ الطَّاقاتُ الفِكْرِيَّةُ نَحْوَ إِحْياءِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وَآدابِها، اسْتِجابَةً لِلْأَسْئِلَةِ التي أَحاطَتْ بِمَوْضوعِ الهُوِيَّة، وَانْبِثاقِ العُروبَةِ التي كانَتْ أَدَبِيَّة، وَتَحَوَّلَتْ لاحِقًا إِلى سِياسِيَّةٍ مع التَّيّاراتِ الإيدْيولوجِيَّةِ القَوْمِيَّة.
الإنفاق في البلدان العربية على البحث العلمي في أدنى درجاته
وَمع صُعودِ القَوْمِيَّةِ العَرَبِيَّةِ وَشِعاراتِها، لَمْ يَجِدِ المَسْؤولونَ سِوى تَعْريبِ العُلومِ الغَرْبِيَّةِ لِلتَّدْريسِ في مَراحِلِ التَّعْليم، وُصولًا إِلى التَّعْليمِ الجامِعِيّ. وَكانَتْ دَوافِعُ هَذا التَّعْريبِ لِلْعُلومِ إيدْيولوجِيَّة، وَلَيْسَتْ عَمَلِيَّةً أَوْ عِلْمِيَّة. وَفي الوَقْتِ الذي كانَ الِاعْتِقادُ بِأَنَّ تَعْريبَ العُلومِ المُتَطَوِّرَةِ في الغَرْبِ هُوَ الطَّريقُ إِلى اسْتيعابِها بِلُغَةِ الأُمّ، ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ كافِيًا لِتَطْويرِ البَحْثِ العِلْمِيّ، الذي يَحْتاجُ إِلى تَمْويل، وَخُصوصًا الابْتِكاراتِ وَتَطْويرِها، عَبْرَ دَعْمِ البَحْثِ العِلْمِيِّ مادِّيًّا، وَتَوْفيرِ الظُّروفِ المُلائِمَةِ لِنُمُوِّ البَحْثِ وَتَطْويرِه. وَهَذا ما لَمْ تَفْعَلْهُ أَيُّ حُكومَة.. فَما زالَ الإِنْفاقُ في البُلْدانِ العَرَبِيَّةِ على البَحْثِ العِلْمِيِّ في أَدْنى دَرَجاتِه!.
(خاص "عروبة 22")

