الحرب... وحسابات الرجل الثاني

ترامب مستقبلاً نتنياهو بحضور نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس بالبيت الأبيض يوم 4 شباط 2025 (رويترز)

بدت تصريحات نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، خلال حواره المطول مع جو روغان، أشهر مقدم بودكاست في أميركا، وكأنها زلزال بقوة عشر درجات على مقياس ريختر، وقد أحدثت فالقاً سياسياً امتد من واشنطن إلى تل أبيب. المقابلة، التي تجاوزت ثلاث ساعات، وصفها كثير من المحللين بأنها وثيقة سياسية جديدة، تكشف جانباً من التحولات العميقة داخل الإدارة الأميركية، وتعيد طرح السؤال الذي ظل مؤجلاً لعقود: هل بدأت المصالح الأميركية والإسرائيلية تتباعد؟

منذ اللحظات الأولى، حرص فانس على تقديم نفسه ممثلاً لمدرسة "أميركا أولاً"، وهي المدرسة التي ترى أن أي تحالف خارجي، مهما بلغت أهميته، يخضع في النهاية لمعيار واحد، هو المصلحة القومية الأميركية. وحمل حديثه رسائل واضحة إلى الداخل الأميركي، كما بدا موجهاً إلى انتخابات الرئاسة عام 2028. ويستحضر فانس تجربة الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون في أكثر من مناسبة، ويرى أنه الأقرب إليه من حيث الرؤية السياسية وإدارة الصراعات الدولية، في إشارة إلى أن الولايات المتحدة تقترب من مرحلة تعيد ترتيب أولوياتها الخارجية على أسس مختلفة، عن تلك التي سادت خلال العقود الماضية.

وجاء الجزء الأكثر إثارة عندما انتقل إلى الحديث عن الشرق الأوسط، فقال إن بعض المسؤولين داخل الحكومة الإسرائيلية سعوا إلى التأثير في الرأي العام الأميركي، من أجل إفشال مسار وقف الحرب في الشرق الأوسط، وإن واجب الإدارة الأميركية يتمثل في اتخاذ القرار الذي يخدم مصالح الولايات المتحدة، حتى إذا تعارض مع رغبات أقرب الحلفاء، مؤكداً أن السياسة الأميركية تصنع في واشنطن، وأن الرئيس الأميركي يقسم على حماية مصالح بلاده قبل أي اعتبار آخر.

وقال فانس بوضوح إن الولايات المتحدة ترتبط بمصالح استراتيجية واقتصادية واسعة مع دول الخليج، وإن هذه المصالح تمثل ركناً رئيسياً في سياستها الخارجية، وإن أمن الطاقة، واستقرار أسواق النفط، وحماية خطوط الملاحة الدولية، وتعزيز الشراكات الاقتصادية والاستثمارية، تمثل أهدافاً أميركية ثابتة؛ في إشارة واضحة إلى أن رؤية واشنطن للمنطقة أصبحت أكثر اتساعاً من حصرها في العلاقة مع إسرائيل وحدها، وأن العلاقات مع الدول العربية الخليجية أصبحت جزءاً أساسياً من معادلة الأمن العالمي.

ومن وجهة نظر فانس، فإن الولايات المتحدة غير معنية بخوض حروب مفتوحة تستنزف قدراتها، مع تجنب الانزلاق إلى صراع طويل يفرض على الأميركيين أعباء بشرية واقتصادية جديدة، معتبراً أن استخدام القوة يظل الخيار الأخير، وأن نجاح الدبلوماسية، متى حققت المصالح الأميركية، يحقق نتائج أفضل من الحروب الممتدة.

وفي الشأن الداخلي، اعترف فانس بأن الإدارة الأميركية أخطأت في إدارة ملف وثائق جيفري إبستين، وأن طريقة التعامل مع القضية أضرت بثقة الرأي العام، مؤكداً أن الشفافية تمثل أحد أهم عناصر النظام الديمقراطي الأميركي، وأن الإدارة مطالبة بعرض الحقائق كاملة متى سمح القانون بذلك، لأن استعادة ثقة المواطنين تبدأ بالمصارحة الكاملة.

كما أثارت ملاحظاته بشأن إبستين اهتماماً واسعاً، بعد أن تحدث عن اعتقاده بوجود علاقات مع مؤسسات أمنية واستخباراتية، مقدماً ذلك بوصفه رأياً شخصياً يحتاج إلى ما يثبته، وهو ما فتح باباً واسعاً للنقاش داخل الولايات المتحدة، وأعاد إلى الواجهة أسئلة قديمة حول طبيعة العلاقة بين المال والسياسة والأجهزة الأمنية.

وتكتسب هذه التصريحات أهميتها من مضمونها وتوقيتها في آن واحد، فالرجل يشغل منصب نائب الرئيس، ويعد أحد أبرز الوجوه الجمهورية المرشحة لقيادة الحزب خلال السنوات المقبلة، وهو ما يمنح كلماته وزناً سياسياً يتجاوز حدود مقابلة إعلامية، وقد أحدثت المقابلة ارتدادات واسعة داخل الأوساط السياسية والإعلامية، لأن كثيراً من المسلمات التي حكمت الخطاب الأميركي تجاه الشرق الأوسط أصبحت موضع مراجعة علنية، ولأن الحديث صدر عن المسؤول الثاني في الدولة، وليس عن محلل سياسي، أو أكاديمي، أو عضو في الكونغرس.

وامتدت ارتدادات هذه التصريحات إلى عواصم العالم، لأنها أعادت فتح النقاش حول مستقبل التحالفات الدولية، وحدود المونة الإسرائيلية في القرار الأميركي، وإمكان تشكل توازنات جديدة في الشرق الأوسط، إذا استمر الاتجاه الأميركي نحو تقديم المصلحة القومية على اعتبارات التحالف التقليدية.

الحقيقة أن العالم العربي مدعو إلى قراءة هذه التحولات بعين المصالح. فتصريحات جيه دي فانس لا تعني انقلاباً على إسرائيل، ولا تعني تغيراً فورياً في السياسة الأميركية، وإنما تعكس اتجاهاً متنامياً يدعو إلى إعادة تعريف مفهوم التحالفات التقليدية، وربطها بالمصلحة الأميركية المباشرة. وإذا استمر هذا الاتجاه، فإن المنطقة قد تكون أمام فرصة لإعادة صياغة علاقاتها مع واشنطن على أساس المصالح المتبادلة، ورؤية أكثر توازناً، وقدرة أكبر على توظيف التحولات الدولية في خدمة القضايا العربية، بدلاً من الاكتفاء بمتابعة ما يصنعه الآخرون.

(الشرق الأوسط)

يتم التصفح الآن