بصمات

مصر والصين.. وحركة التاريخ!

في عمله الأثير "ظاهريّات الروح" يقيم الفيلسوف الألماني جورج هيغل صلةً جوهريةً بين "الرّوح الذّاتي"، أي الفكرة وهي في حالة نقية خالصة، لم تزل في علاقة ماهوية مع نفسها، لم تشتبك بالواقع بعد، وبين "الرّوح الموضوعي"، أي الواقع كمكانٍ ممتدّ، والتاريخ كحقب متوالية، يحدث فيهما التأثير والتأثّر. هذه الصلة يشرف عليها "الرّوح المطلق" الذي يتعرف إلى نفسه عبر صيرورة التاريخ في الفن أولًا بصورة حسية، ثم في الدين ثانيًا بطريقة تأويلية، ثم في الفلسفة ثالثًا بطريقة مجردة.

مصر والصين.. وحركة التاريخ!

ظنّي أن جمال حمدان هو أبرز من صاغ الرّوح "الذاتي" لمصر، وأنّ جمال عبد الناصر هو أعظم من جسّد روحها "الموضوعي"، فيما تبقى مصر نفسها بمثابة الروح "المطلق".

قدّم لنا حمدان في إنجيله "شخصية مصر"، الفكرة الأكثر نقاءً عنها، أي عن ذلك المثال الذي وُلد من رحم الجغرافيا والتاريخ. كما قدّم الصياغة الأكثر شفافية للعلاقة بين موقعها المركزي الثّابت في الجغرافيا العالمية، وموضعها الذي تقلَّب كثيرًا على سطح التاريخ، بين سبق سياسي وهيمنة استراتيجية وتقدم حضاري في عصور باكرة، وبين تراجع سياسي وتبعية استراتيجية وتخلّف حضاري في العصور اللاحقة. أمّا ناصر فقدّم التجسيد الأكثر فاعليةً لمصر الحديثة، على قاعدة ثورة وطنية اتّسمت بالجذريّة في محاربة الاستعمار والإقطاع، والصدق في حصار الظلم الاجتماعي والتفاوت الطبقي، والطموح إلى الاستقلال الوطني والتحرّر القومي.

الولايات المتحدة تضغط على مصر عبر مؤسسات التمويل الدولية كي تبقيها في ظلّها

قبل سبعة عقود ونيّف اتخذت مصر الناصرية قرارًا جريئًا بعقد صفقة سلاح كبيرة مع الاتحاد السوفياتي عبر جمهورية تشيكوسلوفاكيا، أثارت قلقًا كبيرًا لدى إسرائيل من توجّهات "جمهورية يوليو"، ولدى أميركا من نوايا قادتها الجدد، وهو قلق سرعان ما تأكّد عندما واجهت مصر سياسة الأحلاف الغربية وعلى رأسها الحلف المركزي وحلف بغداد، اللذان استهدفا تقسيم المنطقة ورهنها بالصراع الإيديولوجي وما انطوى عليه من حرب باردة، وحروب بالوكالة. وبدلًا من ذلك، اندمجت مصر في كتلة عدم الانحياز، وأصبح جمال عبد الناصر أحد أبرز زعمائها منذ مؤتمر باندونغ عام 1955، الذي اعترفت خلاله مصر بالصين الشيوعية آنذاك كوريث تاريخي للأمّة الصينية العريقة، أجدر بالجلوس على مقعدها الدائم في مجلس الأمن في الهيئة الأممية الكبرى.

في العام التالي وضمن ملابسات معقّدة قامت مصر بتأميم قناة السويس، للاستفادة من عوائدها في تمويل مشروع السدّ، فواجهت عدوانًا ثلاثيًّا، هُزمت فيه عسكريًّا لكنّها انتصرت سياسيًا، بدعم أميركي أجبر بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على الانسحاب من سيناء، بغضّ النظر عن الجدل حول ما إذا كان ذلك الدعم جاء استجابةً اضطراريةً منها للإنذار الرّوسي شديد اللهجة، أو كان توظيفًا نفعيًّا له في ما وافق طموح أميركا لإخراج بريطانيا من قلب النظام العالمي، ووراثة عرشها في قلب المنطقة العربية، خصوصًا وقد صار بعض دولها الناشئة خزّانًا للثروة النفطية البازغة، وبعضها الآخر أقرب إلى قوس يحيط بخصر الاتحاد السوفياتي، القطب الإيديولوجي المناوئ لها على الهيمنة العالمية.

بعد اختبارات متعدّدة، وفي ظلّ ملابسات معقّدة، تأكد لأميركا أن جمال عبد الناصر، بما يمتلكه من كاريزما فطرية، وروح وطنية وثّابة، وحرص على قيادة حركة التحرّر القومي، لن يكون ذلك التابع الذي تصوروه. كما تأكّد لناصر أنّ أميركا لن تتحرّك خارج مظلة مشروع الهيمنة الغربي، فتحرّك الرجل بمصر نحو الاتحاد السوفياتي كشريك يسند سياسة مصر المستقلّة، ما تبدّى إسهامًا فعّالًا في الموجة الأولى من ريح الشرق التي استهدفت الاستقلال عن الصراع الإيديولوجي الكبير، والنأي بالذّات عن الحرب الباردة المشتعلة، والبحث عن مسالك للتنمية تقلّل من معدّلات الفقر في جنوب العالم.

نتوقّع أن تفقد مصر الرهان الصيني عليها من دون أن تكسب الرهان الأميركي

اليوم، نجد أنفسنا أمام موجة ثانية، أقوى، من ريح الشرق، تهبّ أساسًا من الصين، تطمح إلى انتزاع الهيمنة من الغرب، والشراكة في قيادة عالم متعدّد الأقطاب. لكن يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع مصر أن تتحرّر من الهيمنة الأميركية، وأن تفتح أبوابها، والمنطقة من خلفها، للتقنية والسلاح الصينيّيْن، وأن تسهم في حفز حركة التاريخ مثلما فعلت سلفًا مع الاتحاد السوفياتي؟.

البادي لنا أن النّخبة الحاكمة في مصر أقلّ خيالًا وشجاعةً، وأن مصر نفسها أقلّ رشاقةً عمّا كانت قبل سبعين عامًا، كاهلها مثقل بتحدّيات اقتصادية كبيرة وأزمة ديون هائلة تتيح للولايات المتحدة فرصة الضغط عليها عبر مؤسّسات التمويل الدولية، كي تبقيها في ظلّها، سوقًا خالصةً لها، مغلقةً أمام التقنية والسلاح الصينيين، ومن ثم نتوقّع أن تتردّد مصر في حسم موقفها بالسير على طريق الحرير الصيني، وأن تسعى إلى التوفيق بينه وطريق الشوك الأميركي، وأن تفقد الرهان الصيني عليها من دون أن تكسب الرهان الأميركي، الذي تقف دونه العقبة الإسرائيلية الكأداء.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن