صحافة

"المشهد اليوم"...حرب المضائق تستعرّ والسعودية تنشط لخفض الاحتقان!العراق يعلن إعادة فتح تدريجية لمنافذه البرية مع إيران.. وكاتس يهدّد باستمرار السيطرة على "علي الطاهر"


صورة أرشيفية لحاملة طائرات أميركية وسرب من المقاتلات في منطقة الخليج (أ.ف.ب)

تتسارعُ وتيرة التطورات العسكرية على الجبهة اليمنيّة، التي باتت اليوم محور الصراع الدائر ضمن الحرب الأوسع على إيران، خصوصًا أن نتائج ما يحدث في الميدان، وتحديدًا في جبهتي محافظتي لحج ومأرب، ستشكّل نقطة تحوّل بارزة في المواجهة بين القوات الشرعيّة والحوثيين، الذين يخوضون معركة "كسر عظم"، في وقت تسعى فيه الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي إلى إعادة ترتيب أوراقهما، وتنظيم صفوفهما، واستعادة زمام المبادرة بعد الخسارة التي مُنيَا بها في الساحل الغربي، حيث، وفق المعطيات المتداولة، قُتل 500 من أفراد القوات وأُصيب 1500 آخرون بين 9 آب/أغسطس و10 أيلول/سبتمبر. وبغضّ النظر عن الأسباب التي أفضت إلى هذه النتائج "القاسية"، فإن الأمور اليوم تتجه أكثر نحو الحزم والحسم، في ظلّ الاتهامات الموجّهة إلى "الحرس الثوري" وحلفائه بإسناد الهجوم الحوثي وتقديم الدعم اللازم له من أجل خلق توترات جديدة، بالتزامن مع تضييق الخناق أكثر فأكثر على النظام الإيراني.

و"تتنفّس" طهران من خلال رؤية أن تكاليف الحرب تتمدّد، وأن الأزمة الحادّة التي تعيشها تستطيع "تصديرها" إلى دولٍ أخرى، وتحديدًا إلى جوارها، الذي وجد نفسه في مواجهة المُسيّرات والصواريخ التي تستهدف منشآته الحيوية والمدنية، في إطار سيناريو استهداف القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة. وتبدو "حجج" إيران أقرب إلى الوهم والسراب، لاسيّما أنها سعت إلى "الاستثمار" في الميليشيات والأذرع التي تدعمها وتموّلها طوال السنوات الماضية لخلق القلاقل والاضطرابات. ومن هنا، تتوجّه الأنظار إلى التحشيدات العسكرية وخريطة موازين القوى في اليمن، فيما لا يجب أن يغيب الهمّ الإنساني، مع إعلان "المنظمة الدولية للهجرة" نزوح أكثر من 82 ألف شخص من ريف تعز ومناطق الساحل الغربي، ووصول أكثر من ألفي شخص إلى شمال جيبوتي. بدورها، كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال"، نقلًا عن مصادر مطّلعة، معلومات تشير إلى أن الحوثيين استرقوا السمع إلى المكالمات بين قادة خصومهم، ما أتاح لهم الاطلاع على خططهم التفصيلية، وبالتالي مكّنهم ذلك من إحداث الفوضى والارتباك في ساحة المعركة. إلا أن المعضلة الكبرى تكمن في أن الحوثيين لا يواجهون حاليًا جيشًا واحدًا متجانسًا، بل معسكرًا يضم قوات حكومية وتشكيلات محلية وقوى سياسية وعسكرية نشأت في ظروف مختلفة، وتنتشر بين جبهات متعدّدة، ولها أجندات متباينة، وهو ما يسهّل على الحوثيين، المعروفين بامتلاكهم التمويل والتدريب، إحداث خروقات جوهرية، مع بقاء مضيق باب المندب في عين الخطر.

وأمس جددت المملكة العربية السعودية مواقفها المبدئية، إذ أكد وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان في كلمة خلال أعمال قمة "بريكس 2026" أهمية الحفاظ على حرية الملاحة وسلامة السفن التجارية في مضيق هُرمز وسائر الممرات البحرية، مشددًا على أن أي اضطراب فيها ستمتد آثاره إلى الأسواق العالميّة وسلاسل الإمداد والنمو الاقتصادي. كما أكد أن أمن الخليج العربي لا يمكن أن يستقر من دون احترام سيادة دوله واستقلالها، والامتناع عن التدخل في شؤونها، والالتزام بمبادئ حسن الجوار، وتسوية الخلافات بالوسائل السلمية. وتنشطُ الرياض في سبيل حماية استقرارها وتقوية علاقاتها وتحصين أمنها، ولكنها تجد نفسها في مواجهة مخاطر داهمة، تحاول حلّها عبر الدعوة لتعزيز الحوار والديبلوماسيّة وخفض مستوى الاحتقان، وهو تمامًا ما كان محور المكالمة التي تلقاها ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي الأمير محمد بن سلمان من رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف، والتي جرى خلالها بحث تطورات الأحداث والجهود المبذولة على عدة مستويات من أجل وقف تمدّد التصعيد. وإذ أعرب الأخير عن إدانة بلاده للاعتداءات التي تتعرّض لها السعودية من قبل ميليشيا الحوثي، أشاد بموقف الرياض في ضبط النفس ودعم جهود الحكومة العراقيّة لمنع استخدام أراضيها للاعتداء على المملكة ودول الجوار. هذا وكان "تحالف مكة" الذي يضم السعودية وباكستان وتركيا، والذي سبق وتم الإعلان عنه، تحت المجهر لمعرفة الخطوات التي ستتخذها اسلام آباد وأنقرة في دعم الرياض، ولكن يبدو أن "التريث" سيد الموقف مع استمرار التعويل على المساعي المبذولة لتقريب وجهات النظر وإمكانية إحداث خرق ما في جدار الأزمة المتفاقمة بين واشنطن وطهران.

تزامنًا، واصلت الدوحة جهودها حيث أجرى رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، أمس الأحد، سلسلة اتصالات شملت وزراء خارجية سلطنة عُمان والكويت والسعودية والنمسا، تناولت المستجدات وسبل دعم التهدئة وتعزيز الاستقرار الإقليمي. ولكن الأمور تبدو معقدة أكثر من اللازم وهو ما يحول دون القدرة على تحقيق ولو تقدم طفيف. ويبرز ذلك بقوة مع إعلان سلطنة عُمان تأجيل الاجتماع الإقليمي الذي كان من المقرر عقده، اليوم، في مدينة صلالة بمشاركة إيران ودول مجلس التعاون الخليجي والعراق، لبحث ملف مضيق هُرمز. وكان هذا الاجتماع سيُشكل في حال إنعقاده أهمية استثنائية، إذ يأتي في خضم أزمة ممتدة يشهدها المضيق منذ اندلاع الحرب على إيران في شباط/فبراير 2026، فضلًا عن كونه أول لقاء من هذا المستوى بين دول الخليج وطهران. ولكن تأجيله يحمل أكثر من دلالة على ان الظروف الخاصة بهذا الشريان الاقتصادي الاستراتيجي "لم تنضج بعد" بإنتظار تسويات شاملة. في حين تنظرُ الإدارة الاميركيّة بتحفظ إلى الترتيبات المطروحة، لأنها لا تشارك بصورة مباشرة في صياغتها، ولأنها قد تمنح إيران صلاحيات أوسع في إدارة الملاحة أو توفر لها موردًا ماليًا إضافيًا من خلال فرض رسوم على السفن العابرة، وهو ما ترفضه واشنطن جملة وتفصيلًا مع اختيارها طريق العقوبات وتشديد الحصار البحري على السفن والموانىء الإيرانيّة سعيًا لدفع طهران لتقديم تنازلات أوسع. ولكن المسار المتشدّد تقابله سياسة النفس الطويل ومحاولة نظام "ولايه الفقيه" تدوير الزوايا بظل الخلافات التي يُحكى عنها بين من يريدون للديبلوماسيّة أن تسلك مسارها وتخفف حجم القيود وبين المتشددين الذين يرفضون تقديم أي عروض تسوية في الوقت الراهن. في سيّاق متصل، كشف تحقيق لصحيفة "نيويورك تايمز" أن الهجمات على السفن في مضيق هُرمز نفذتها مجموعة متشددة في إيران من دون تفويض القيادة العليا. وبحسب التحقيق نفسه، فإن الهجمات التي وقعت في أوائل تموز/ يوليو الماضي لم تكن جزءًا من قرار رسمي متفق عليه داخل مؤسسات الحكم الإيرانيّة، لكنها أدت عمليًا إلى نسف التفاهمات التي كانت واشنطن وطهران تعملان عليها، وإعادة الصراع إلى مسار التصعيد العسكري.

من جانبه، يحاول الرئيس الإيرانيّ مسعود بزشكيان "مسك العصا من المنتصف"، مع تشديده في تصريحاته الأخيرة على صمود الشعب الإيرانيّ ورفضه سياسات القوة والترهيب، معلنًا أن بلاده لن تستسلم. كما تساءل عن مبررات استهداف البنية التحتية المدنية والموارد الغذائية وسبل عيش المواطنين، قائلًا "ما الدوافع وراء حرمان الشعوب من الحصول على الماء والغذاء والدواء؟". يأتي هذا في الوقت الذي أفادت فيه السلطات الإيرانيّة بمقتل شخص في ضربة استهدفت سفينة تجارية أمس الأحد في مضيق هُرمز، بينما تحدثت عدة وسائل إعلاميّة عن انفجارات عدة خلال الليل في محيط جزيرة قشم الاستراتيجيّة. وتظهرُ أحدث بيانات تتبع حركة الناقلات أن تأثير الحصار الأميركي لا يقتصر على حركة السفن، بل يمتدّ بصورة مباشرة إلى صادرات النفط الإيرانيّة، إذ قالت مؤسسة "تانكر تراكرز" إن مراجعة حركة الناقلات على مدى 60 يومًا حتى 12 أيلول/  سبتمبر أظهرت عدم عبور أي شحنة جديدة من النفط الخام الإيراني خط الحصار في المنطقة الفاصلة بين بحر عُمان وبحر العرب. في المقابل، واصلت ناقلات تحمل نفطًا من العراق والكويت والسعودية وقطر والإمارات وسلطنة عُمان عبور المنطقة، بمتوسط بلغ نحو 7.85 مليون برميل يوميًا خلال الفترة نفسها. وتخلق هذه الأزمة تداعيات أعمق فيما "يغرّد" الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مكان آخر، حيث أشار في آخر تصريحاته إلى أن الولايات المتحدة قد تبقى في إيران و"تحتفظ بالنفط"، في تشبيه بمسعى واشنطن للسيطرة على خُمس احتياطيات فنزويلا الهائلة من النفط. وأضاف أنه لن يبرم إلا الاتفاق "المناسب"، مكررًا أن إيران "تتصل باستمرار" لإجراء محادثات سلام، وهو تأكيد سبق أن نفته طهران واضعة إياه في إطار الضغوط النفسيّة. وكلام الأخير لا يمكن وضعه إلا في إطار المواقف "التي لا تُسمن من جوع"، لأنها لا تقدّم أي حلول عمليّة لهذه الأزمة التي باتت أصداؤها وتردّداتها إقليميّة، مع دخول لاعبين جدد وتورّط ساحات مختلفة.

إلى ذلك، قررت السلطات العراقيّة إعادة فتح تدريجي للمنافذ البرية الثلاثة مع إيران، بعد أن كانت أغلقتها على خلفية الاعتداء بطائرات مسيّرة استهدفت خط أنابيب للنفط في المملكة العربية السعودية، وثبوت تورط فصائل موالية لطهران بهذا الهجوم. وتسعى بغداد لممارسة أقصى الحيطة والحذر ورفض توتير علاقاتها بدول الجوار، خاصة انها تخوض معارك داخليّة لا تقل خطورة مع اقتراب موعد حصر السلاح الذي يواجه أزمة محتدمة مع رفض عدة قوى وميليشيات هذا المسار ووضع بعضها شروطًا تعجيزية. وزار كبار القادة الإيرانيين العراق خلال الفترة الماضية من أجل "اختبار" نفوذهم في ساحة تشهد على ضغوط أميركيّة أيضًا لتقليص دور طهران وتحجيمه تمامًا كما يحصل على الساحة اللبنانيّة التي تعيش مصيرًا مشابهًا بعدما ورط "حزب الله" البلاد في حرب الثأر لمقتل المرشد الإيراني علي خامنئي بعد معركة إسناد غزّة. ويستغل الاحتلال الأوضاع للاستمرار في انتهاكاته واعتداءاته بينما حسم وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس الجدل مع إعلانه، بكلّ فجاجة، أن القوات العسكرية "لن تنسحب من المنطقة الأمنيّة إلى حين نزع سلاح "حزب الله" في جميع أنحاء لبنان"، لافتًا إلى أن مرتفعات علي الطاهر تُعّد "جزء من الخطّ الأصفر ومن المنطقة الأمنيّة لإسرائيل في لبنان"، ومهدّدًا بأنّ "كلّ من يقترب من هذه التلال سيُقضى عليه". في موازاة ذلك، يبدو أن التصعيد سيكون سيد الموقف خاصة أن مساعي إعادة خطوط مفاوضات روما يعتريها الكثير من العقبات وهو ما أسهم في تأجيلها إلى شهر تشرين الاول/ أكتوبر المقبل، دون ان نغفل أن تل أبيب اليوم بشخص رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو تتحضر للإنتخابات المزمع إجراؤها أواخر الشهر المقبل والتي يريدها الأخير أن تعزز مسيرته السياسيّة وتدعم حظوظه.

في إطار ذات صلة، وجد "حزب الله" في التطورات العسكرية الأخيرة مادة إضافيّة للهجوم على خيار الدولة في المفاوضات المباشرة. وقال عضو كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب حسن عزّ الدين إنّ التفجير الإسرائيلي في علي الطاهر يأتي في سياق "سياسة الأرض المحروقة"، بل يتجاوزها، بحسب تعبيره، إلى "سياسة الترميد وتحويل القرى إلى رماد". وإذ اعتبر أنّ خيار المفاوضات المباشرة "أصبح لا فائدة منه"، حمّل السلطة مسؤوليّة استمرار العدوان لأن "موافقتها على "اتفاق الإطار" أسهم في شرعنة الوجود الإسرائيلي"، وفق وجهة نظره. ويكيلّ الحزب التهم للسلطة في محاولة لتحريف الأنظار عمن تسبب للبنان وشعبه وقراه بهذه الخسائر الجسيمة خدمة للنفوذ الإيراني ومصالحه. ولا ينفصل هذا المشهد المتأزم عن الخلاف المتصاعد بشأن مستقبل قوات "اليونيفيل" العاملة في الجنوب. فلبنان وفرنسا يدفعان نحو تمديد وجود القوّة الدوليّة بعد نهاية العام، خشية أن يؤدّي رحيلها إلى فراغ أمنيّ إضافي، فيما تعارض إسرائيل تمديد مهمّتها، وتريد ربط أي صيغة أمنيّة بديلة بنتائج المفاوضات المباشرة مع لبنان. أمّا المحاولات لتشكيل قوّة متعدّدة الجنسيّات بديلة، فلم تصل بعد إلى صيغة قابلة للتنفيذ، بسبب الخلاف على التفويض والحصانة والدول المستعدّة للمشاركة. ولهذه الأسباب، فإن الأسابيع الفاصلة عن اجتماعات روما ستكون حافلة بالتطورات والمستجدات دون توقعات بإمكانية خفض سقف العمليات الاسرائيليّة والتدمير الممنهج للبلدات الجنوبيّة، في وقت تبقى مدينة النبطية في قلب الاختبار، خاصة بعد الزيارة غير المعلنة التي قام بها رئيس الجمهورية جوزاف عون يوم السبت للتأكيد على خيار الدولة والشرعية والمؤسسات الأمنية.

ومن لبنان إلى سوريا التي استقبلت وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في زيارة تستمر على مدار يومين. وأكد الأخير من دمشق أن سياسات إسرائيل تشكّل عائقاً لتطوير سوريا وجهود مكافحة الإرهاب، ملمحًا إلى أن الزيارة المرتقبة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى سوريا باتت "قريبة جداً" وأن الدولة السورية تبذل مساعي جادة لفتح صفحة جديدة من العلاقات مع دول العالم. من جهته، أوضح وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني أن بلاده متمسكة باتفاقية فض الاشتباك مع تل أبيب، جازمًا أن علاقاتها مع أنقرة لا تتأثر بالاعتداءات الإسرائيليّة. وتسير "سوريا الجديدة" وسط حقلًا من الألغام مع وجود العديد من الملفات الداخلية التي تسعى لإيجاد حلول لها، وأبرزها الهمّ اليومي المعيشي. وأمس شهدت مناطق عدة في سوريا احتجاجات شعبية وقطع طرق، رفضًا لقرار رفع أسعار المحروقات الذي دخل حيّز التنفيذ. وانتقلت التظاهرات من الحسكة ودير الزور والرقة إلى حلب وإدلب، مع إضرابات جزئية في قطاع النقل وقطع طرق بالإطارات المشتعلة ومنع مرور صهاريج النفط في بعض المحاور.

أما في الأحداث الأخرى، فقد ازدادت في ليبيا المخاوف السياسيّة والأمنيّة عقب تقارير أوكرانية أفادت باستخدام قاعدة عسكرية في مدينة مصراتة (غرب البلاد) موقعًا لإنزال ضربات ضد سفن مرتبطة بـ"أسطول الظل" الروسي، وسط تحذيرات مراقبين من إقحام البلاد في أتون الصراع المحتدم بين موسكو وكييف، والذي يبدو أنه بات يخرج عن قواعد الاشتباك السابقة.

تطورات الإقليم والمنطقة تناولتها الصحف العربيّة الصادرة اليوم، وإليكم موجزٌ بأهم تحليلاتها وعناوينها:

رأت صحيفة "الرياض" السعودية أنه "في لحظة مفصلية من تاريخ المنطقة، يجد مشروعا "الحوثيين" في اليمن و"الفصائل المسلحة" في العراق نفسيهما محاصرين بجملة من المتغيرات المتلاحقة التي تتجاوز بكثير ما واجهاه في أي مرحلة سابقة. ولم يعد السؤال يدور حول قدرة هذه الميليشيات المرتبطة عضويًا بمشروع إقليمي مأزوم على الصمود، بل حول التوقيت الذي ستنكشف فيه هشاشة بنيتها الظرفية تحت وطأة ضغوط متشابكة، محلية وإقليمية ودولية، تعمل في آنٍ واحد على تقويض أسس وجودها". وقالت "رغم استمرار الحرس الثوري الإيراني في تقديم الدعم لتوجيه العمليات الحوثية وتحركات الفصائل العراقية الموالية، إلا أن حجم هذا الدعم ونوعيته سيتغيّران جوهريًا. والأهم من تقلص التمويل والتسليح، هو النقص المؤثر للكوادر المتقدمة من الحرس الثوري وخبراء "حزب الله" اللبناني، الذين يديرون هذه المعادلة ميدانيًا، ما سيترك هذه الجماعات في فراغ تخطيطي وعملياتي مكشوف"، على حدّ تعبيرها.

صحيفة "الغد" الأردنية، من جانبها، نبهت إلى أن "ما تقوم به إيران حاليًا يمكن قراءته باعتباره محاولة لكسر الحصار الاقتصادي من خلال إعادة استهداف سوق الطاقة ورفع كلفة أي سياسة دولية تستهدفها. فالمواجهة العسكرية المباشرة لا تبدو الخيار الأكثر فاعلية لطهران في هذه المرحلة، بقدر ما يبدو استخدام الفوضى في الممرات البحرية ومنشآت الطاقة والأسواق الدولية وسيلة أقل كلفة وأكثر قدرة على إرباك الخصوم"، موضحة إلى أنه "من هنا تبرز أهمية الجبهتين اليمنية والعراقية. فالجبهات التي توجد فيها إسرائيل تبدو بالنسبة لإيران أكثر حساسية وقابلية لإنتاج رد مباشر، ولذلك تتجنب طهران، إلى حد كبير، تحويلها إلى ساحات مواجهة مفتوحة. في المقابل، تبدو جبهتا العراق واليمن أكثر ملاءمة لاستراتيجية رفع الكلفة من دون الانزلاق إلى حرب مباشرة". وأضافت "ولهذا، لم يعد كافيًا التعامل مع العراق واليمن باعتبارهما ملفين منفصلين عن الأمن الإقليمي والدولي. فترك هذه الساحات في حالة فراغ أو تعطيل لا يعني اختفاء الخطر، بل قد يمنح إيران مساحة أكبر لاستخدامها عندما ترى أن الظروف أصبحت مناسبة".

ولم تختلف صحيفة "القدس العربي" مع هذه القراءات، إذ رأت أن "دوائر تأثير حرب إيران السلبية اتسعت بشكل لم تحتسب له أميركا؛ ولا بلدان الخليج التي تعرّضت لآثار قاسية على اقتصاداتها وتزلزلت قناعاتها حول الاعتماد على الحماية الأميركية؛ ولا دول آسيا التي وجدت نفسها في خطر توقّف وصول نفط وغاز الشرق الأوسط إليها؛ ولا أوروبا، التي تعرّضت، بدورها، لتضعضع رواسخ سياسية وعسكرية، ما دفع مسؤولين أوروبيين عديدين للحديث عن تفكك فعلي للناتو"، مشيرة إلى أنه " مع الحرب الإيرانية، وبعد أن أصبح مضيق هُرمز مكانُا خطرُا للملاحة العالمية، انضاف باب المندب، فجأة إلى المعادلة، مع تعزيز الحوثيين لسيطرتهم على الساحل الغربي لليمن، وهو ما عزّز مخاوف الملاحة والطاقة والأسواق العالمية وزاد أسعار النفط والغاز، وصارت القوات الأمريكية والأوروبية بحاجة إلى حماية قواعد، وسفن، وممرات بحرية، وحلفاء مفترضين". وتساءلت "هذه بالضبط هي اللحظة التي تبدأ فيها الحروب بالتحول من سؤال: من سينتصر؟ إلى سؤال آخر: من يستطيع أن يتحمل أكثر؟".

(رصد "عروبة 22")

يتم التصفح الآن