بصمات

المواطنة اللامتكافئة!

لا تتحقّق حقوق المواطنة بالنّصوص وإنّما بالممارسة. فالممارسة المواطنية، بأبعادها المختلفة: الاقتصادية/الاجتماعية والسياسية/المدنية والثقافية، وحدها، هي التي من شأنها تفعيل النّصوص، وسدّ الفجوة بين النص والواقع وبالتالي جعل الحقوق - بدرجةٍ أو أخرى - حقيقة. ولكن إذا ما أتيحت الفرصة أمام المواطن لتجسيد المبادئ الدستورية الحقوقية المواطنيّة على أرض الواقع، هل ستتحقّق العدالة والمساواة بين المواطنين؟.

المواطنة اللامتكافئة!

واقع الحال ستظلّ التفاوتات الحياتية قائمة - بصورة أو أخرى في السياقات المتقدّمة والصاعدة والمتعثّرة على السواء - طالما بقي التمييز الطبقي قائمًا، والتوزيع غير العادل للعوائد المادية والمعنوية حاضرًا، وغياب تكافؤ الفرص بين المواطنين سائدًا، وإهمال تأمين الضمانات الاجتماعية للكثرة المواطنية دائمًا، واتّباع سياسات عامة تحصد ثمارها القلّة الثرية والنّافذة وتدفع تكلفتها الكثرة المواطنية. في هكذا سياق، تصبح المواطنة "امتيازًا، لا حقًّا"، يحصل عليه لا مَن يناضل من أجلها، بل مَن يكون قريبًا من مراكز القوة، والسلطة، والنفوذ، والثروة، والمكانة. في المقابل، يُحرم منها مَن يكون بعيدًا عن تلك المراكز.

هناك فرق كبير بين الحقوق وبين المغانم والامتيازات

نعم، المواطنة، من حيث النصّ الدستوري تؤكّد على المساواة وتكافؤ الفرص والعدالة، إلّا أنّ فاعليّتها وحيويّتها ومدى قدرة نضال المواطنين على اكتسابها على المستوى المجتمعي تكون مرهونةً، ليس فقط، بالموقع الطبقي للمواطن، بل بموقع كلّ مواطن داخل كل طبقة.

بلغة أخرى، يُمارس المواطنون نضالاتهم المواطنية المتعدّدة من مواقع طبقية متفاوتة، تمنحهم قدرات مختلفة على الحركة داخله وعلى حصد الكثير من المغانم والعديد من الامتيازات. وغني عن البيان أن هناك فرقًا كبيرًا بين الحقوق وبين المغانم/الامتيازات.

في المقابل، كلّما ابتعد موقع المواطن، في المتوسط، عن مراكز القوة والثروة والمكانة والسلطة والنفوذ، تراجعت حركيته المواطنيّة واتّسعت احتمالات وقوعه في أطراف المواطنة؛ ومن هنا ينشأ ما يمكن أن نطلق عليه "اللّاتكافؤ المواطنيّ" أو "المواطنة اللّامتكافئة" (وهو مفهوم نستعيره من منظّري مدرسة التبعية، خاصّة العالم الجليل العالمي سمير أمين، الذي تتضمّن منظومته المفهوميّة من ضمن ما تتضمّن: التطوّر اللامتكافئ في المركز والأطراف).

ونقصد بـ"اللّاتكافؤ المواطني أو المواطنة اللامتكافئة" ما يلي:

التفاوت البنيوي في الحركية المواطنية للأفراد، الناشئ بالأساس عن تفاوت مواقعهم في البناء الطبقي، ومدى قربهم وبعدهم من مراكز السلطة والثروة والقوة والمكانة والنفوذ، ونوعية عضويتهم في شتّى التراتبيّات الاجتماعية الأخرى، وهو التفاوت الذي يؤثر على نوعية ودرجة وكفاءة وفاعلية وحيوية المواطنة، على الرغم من وحدة المركز القانوني للمواطنين.

بهذا المعنى لا تعود المواطنة مجرّد عضوية قانونية متساوية، بل تصبح مجالًا اجتماعيًا طبقيًا - داخل كل طبقة وبين الطبقات - لممارسة عسف القوة والتربّح من الثروة وتغوّل السلطة، وتعالي المكانة، وبسط النفوذ... لاقتناص المواطنة بدلًا من اكتسابها.

المواطنة اللامتكافئة هي الحالة التي يصبح فيها اختلاف الموارد والمواقع الاجتماعية حائلًا لممارسة المواطنة ذاتها

وعليه، لا يعود سؤال المواطنة يتعلّق بكيفية ضمان تفعيل النصوص الحقوقية وفتح المجال العام لحيوية مواطنية متكافئة بغضّ النظر عن الاختلاف الطبقي، وما يترتّب عليه من تميّز ثروي وسلطوي ونفوذي، وإنّما إلى مكانة الفرد وما يترتّب عليه من امتلاك مصادر القوة المختلفة. ومن ثمّ فإنّ المواطنة اللامتكافئة ليست مجرّد نتيجة لوجود مواطنين يمتلكون موارد مختلفة؛ وإنما هي الحالة التي يُصبح فيها اختلاف الموارد والمواقع الاجتماعية حائلًا لممارسة المواطنة ذاتها، ومن ثم اكتساب منافعها.

يُسهم مفهوم "المواطنة اللامتكافئة" في رصد التجلّيات المختلفة من القدرة على تشغيل المواطنة: المواطنون النّافذون الواقعون في قلب مراكز القوة والقادرون على الانتفاع بالمواطنة قسرًا، والمواطنون المهمّشون (الفقراء والمنبوذون/البريكاريّات) الذين لا يقدرون على ممارسة المواطنة ومن ثم يُحرمون منها، وبين أولئك وهؤلاء المواطنون القريبون من مراكز القوة والبعيدون عنها حيث تتفاوت درجة حيويتهم وحركيتهم المواطنية.

المساواة المواطنية تكتمل بتأمين "تكافؤ" فعلي ومادي ومؤسسي للمواطنين

تقوم أطروحة المواطنة اللامتكافئة، في جوهرها، على رفض الاكتفاء بالمساواة القانونية باعتبارها وصفًا كافيًا للمواطنة. فالمواطن ليس، حسب أحد الباحثين، حاملًا مجرّدًا للحقوق، وإنّما فاعل اجتماعي. وبغضّ النظر عن موقعه الطبقي، فإنّ من حقّه الانخراط في المجال العام، والوصول إلى مؤسّسات الدولة، والمطالبة بالحقوق، والحصول على الحماية، والتأثير والتمثيل، وتحويل موارده إلى قوة مواطنية.

وبعد، إنّ مواجهة المواطنة اللامتكافئة لا تكون بإضافة نصوص حقوقيّة جديدة بقدر ما تكون بإزالة الإعاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تجعل القدرة على ممارسة الحقوق متفاوتة بين المواطنين. فالمساواة المواطنية لا تكتمل بمجرّد النص عليها في الدساتير، وإنّما بتأمين "تكافؤ" فعلي ومادي ومؤسسي للمواطنين يُعظّم قدراتهم الذّاتية دونما الحاجة إلى دعم من مراكز القوة والسلطة والنفوذ والمكانة والثروة، ومن هنا تصبح العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والضمانات الاجتماعية، إلى جانب توسيع المجال العام، شروطًا لتصحيح التفاوتات ومنع الإقصاءات وتصويب الاختلالات. ما يضمن الانتقال من مواطنة تُقتنص بحكم الموقع الطبقي والقرب والبعد من مراكز القوّة المتنوعة إلى مواطنة تُكتسب وتُمارس بوصفها حقًا مشتركًا؛ أي من المواطنة النصية إلى المواطنة الفعلية.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن