يعكس إعلان المبادرة من القاهرة أن مصر ليست مجرد الدولة التي تمر عبرها قناة السويس، أهم ممر بحري في العالم، بل هي فاعل مركزي لا يمكن تجاوزه، عبر إدارة علاقات متوازنة مع الصين والولايات المتحدة والقوى الإقليمية الرئيسية.
المُلاحظ هنا أنّ اختيار رئيس الصين مصر لإعلان مبادرته تزامن مع اعتبار موسكو رأي مصر مهمًّا في شؤون المنطقة، بينما يدرك صانع القرار المصري حقيقة هذا الإطراء ويضعه في إطار الموازنات الاستراتيجية التي تتخذها القاهرة، التي تبقى على الرغم من وضعها الاقتصادي قادرةً على التأثير في محيطها الإقليمي.
من وجهة نظر بكين، فإنّ مصر تستطيع أن تصبح جسرها الديبلوماسي الطبيعي. فالقاهرة قوة عربية وأفريقية ومتوسطية في الوقت عينه وعضو في "بريكس"، ما قد يمكّنها من استضافة حوار أمني إقليمي منتظم، وإنشاء مركز إنذار مبكر، وتشكيل مسار يجمع المسؤولين الحكوميين والخبراء ومراكز الفكر.
وفقًا لتفسير كوري، فمصر ليست مجرّد دولة عربية أخرى، وإنّما دولة بوّابة بين آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا، وتجمع بين موقع قناة السويس، والعلاقات العسكرية مع واشنطن، والشراكة الاقتصادية المتنامية مع بكين وموسكو.

وهكذا فإنّ الصين تتعامل مع مصر باعتبارها دولة بوّابة في منطقة الشرق الأوسط، وأنّ نموذجها الذي يجمع المناطق الصناعية والتكنولوجيا والتمويل يجري توسيعه من أفريقيا إلى مصر.
الصين هنا وبالأساس تطرح نفسها كشريك في بناء نظام إقليمي جديد بشروطها، وتختار القاهرة لأنّها الدولة الأكثر توازنًا وتأثيرًا وقدرة على تحويل المبادرة إلى واقع.
هذه الفكرة مدعومة مباشرة بالوثيقة الصينية الرسمية لمبادرة الأمن العالمي، التي تنصّ على أن الصين تريد تعزيز "آلية أمن إقليمية جماعية" في الشرق الأوسط، وعلى أنّ دول المنطقة يجب أن تكون صاحبة الدور الرئيسي فيها.
يعود هذا المفهوم الصيني إلى ما قبل مبادرة الأمن العالمي ذاتها، فقد طرح شي المفهوم عينه في إطار منتدى التعاون الصيني - العربي، ثم تطوّر لاحقًا إلى مقترح أكثر وضوحًا لإقامة إطار للحوار الأمني الإقليمي.
وتُعيد مبادرة بكين التساؤل الأهم: هل الصين تريد فعلًا أن تحلّ محل أميركا؟ فعلى الرغم من تصاعد انخراط الصين الأمني والديبلوماسي في الشرق الأوسط، لا تسعى بكين إلى استبدال الولايات المتحدة، كما أنّ حلفاء واشنطن في المنطقة، ومن بينهم مصر والسعودية والإمارات وتركيا، لا يبحثون عن بديل صيني كامل لواشنطن.
ومع ذلك تمثّل المبادرة الصينية نوعًا من الموازنة في مواجهة الهيمنة الأميركية، لأنّها تقدم مفهومًا صينيًا للأمن يقوم على "الأمن غير القابل للتجزئة" وعدم التدخل، وتدفع باتجاه رؤية تتمحور حول الصين للأمن الإقليمي.
الصين لا تبني حلفًا عسكريًا
هذه المبادرة لا تتبنّى صراحةً نظام دفاع جماعي، بل تعمل عبر ترتيبات مرنة تشمل التدريب الأمني، ونقل السلاح، والتعاون الاستخباراتي، والأمن الرقمي، والعلاقات الثنائية، ما يعني أيضًا وبالضرورة، أنّ بكين لا تعرض على العرب حلفًا عسكريًا صينيًا، وإنّما شبكة من الشراكات الأمنية والسياسية والاقتصادية، في مقابل زيادة قدرة الصين على التأثير في قواعد الأمن الإقليمي.

من هذه الزاوية تمثّل المبادرة بداية تموضع صيني طويل الأمد، لكن تحويلها إلى نظام أمني فعلي يحتاج إلى شيء لا تملكه بكين حتى الآن، وهو استعداد الدول العربيّة للتخلّي جزئيًّا عن مظلّة الأمن الأميركية وقبول الصين كطرف رئيسي في إدارة أمن المنطقة.
وتبدو القاهرة مكانًا مناسبًا لعرض الرؤية الصينية، لأنّها ليست جزءًا من محور أمني واحد، بل ترتبط في الوقت عينه بعلاقات عسكرية واستراتيجية عميقة مع واشنطن وشراكة متنامية مع بكين، ولها علاقات مع قوى إقليمية وعربية مهمة.
تغيير قواعد اللعبة
وقرأ محلّلون اتفاق مكة باعتباره انعكاسًا لتحوّل بعض دول المنطقة من الاعتماد على الولايات المتحدة إلى السعي وراء قدر أكبر من "الاستقلالية الاستراتيجية" وبناء أمن إقليمي متعدّد الأقطاب.
ولهذا، تُدرك القاهرة أكثر من غيرها أنّ الصين لا تريد تحمّل عبء حماية المنطقة، ولا تستطيع حاليًا أن تحلّ محلّ الولايات المتحدة، وإنّما تسعى لتغيير النظام الأمني الذي هيمنت عليه واشنطن وإدخال نفسها كطرف مركزي فيه.
في كل الأحوال، تسعى بكين لتقليص النفوذ الأميركي في ظلّ الحرب على إيران، لكنّها لا تملك حاليًا القدرة أو الرغبة في استبدال الولايات المتحدة كمساهم رئيسي في الأمن الإقليمي، وربّما يتفق هذا مع نظرة القاهرة إلى المسألة.
(خاص عروبة 22)

