اقتصاد ومال

الطبقة الوسطى العربية: هل أخفقت في أداء دورها التاريخي؟

 لطالما شكّلت الطبقة الوسطى العربية رمزًا للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، وعاملًا مُحتملًا للتحوّل والتغيير، إلّا أنّها وجدت نفسها، ولا سيما منذ بداية الألفيّة الجديدة، في مواجهة صدمات متداخلة أعاقت قدرتها على الحفاظ على مستوى معيشي لائق. وقد أدّى ذلك إلى تآكل حادّ في أوضاعها، ما فاقم أوجه التفاوت القائمة في المنطقة العربية، التي تُعدّ أصلًا من بين الأكثر تفاوتًا على مستوى العالَم[2].

الطبقة الوسطى العربية: هل أخفقت في أداء دورها التاريخي؟

كما يتضح من الجدول أدناه، تُظهر البيانات المُتاحة أنّ الطبقة الوسطى، التي تشكّل 60% من السكّان، تحصل على أقل من 60% من الدخل، وأنّ حصتها تتراجع مع مرور الوقت، ولا سيما في لبنان[3].


من بين العوامل التي أدّت إلى انكماش الطبقة الوسطى: أزمة كلفة المعيشة، والصراعات، والاضطرابات السياسية، وضعف الحوكمة، وخصخصة خدمات التعليم والرعاية الصحية، وضعف أنظمة الحماية الاجتماعية والتقاعد، إضافةً إلى ما نجم عن ذلك من ارتفاع في العمالة غير النظامية وغير الآمنة.

تدهور أوضاع الطبقة الوسطى العربية مستمر من دون هوادة

وبطبيعة الحال، تمثّلت إحدى النتائج الرئيسيّة لتدهور أوضاع الطبقة الوسطى في الدور القيادي الذي لعبته في الانتفاضات العربية عام 2011 في دول عدة، وفي التحالفات التي شكّلتها مع الفئات الفقيرة لدفع عجلة التغيير السياسي. وبناءً على ذلك، تمّ حشد أبناء الطبقة الوسطى والطبقات العاملة في احتجاجات شعبية عارمة، مُطالبين بالكرامة، وفرص عمل أفضل، وتوزيع أكثر عدالة للموارد، وإنهاء الفساد، وإرساء حكم أكثر ديموقراطية.

لكنّنا جميعًا نعلم أنّ الانتفاضات العربية اضمحلّت، إمّا لأن الدولة السلطوية العربية أثبتت أنّها أقوى من اللازم، أو لأنّ الجماهير العربية كانت غير منظّمة وغير ناضجة وعمومًا محافظة. والأهم من ذلك، وبغضّ النظر عن ذلك الفشل، أنّ تدهور أوضاع الطبقة الوسطى العربية مستمر، إلى حدّ كبير من دون هوادة.

وفي الواقع، من المرجّح أن تتفاقم هذه العملية لسببيْن:

أولًا - يدفع النمو الآن عبر موارد وخدمات كثيفة رأس المال، إذ توظّف عددًا أقل من العمال وأفراد الطبقة الوسطى. ويشير الاقتصاديون إلى ذلك باسم "تراجع التصنيع المبكر"، أي أن البلدان تفقد وظائف التصنيع قبل بلوغ مستوى الدخل الذي فقدت عنده الاقتصادات المتقدّمة تلك الوظائف. والنتيجة هي أنه، على الرغم من استمرار النمو، فإنّه يستوعب قدرًا أقل من العمالة والوظائف الجيدة، ويترك طبقة وسطى كبيرة بما يكفي لتكوين تطلّعات، لكنّها غير آمنة بما يكفي لتشعر بالاستقرار. وليس ذلك فحسب، بل إنّه يؤدي أيضًا إلى طبقة وسطى تمتلك مؤهّلات تتجاوز فرص العمل المتاحة. وعندما تشعر الطبقة الوسطى بعدم الأمان، تُصبح الحكومات أكثر حذرًا إزاء السياسات التي تفرض تكاليف واضحة، لكنّها ضرورية. وللأسف، نتيجة لذلك، يصبح الإصلاح أصعب ما يكون في الوقت الذي تشتدّ فيه الحاجة إليه!.

ثانيًا - وضعت الثورة الرقمية، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، العمال الذين يؤدّون مهام روتينية ويدوية، وحتّى بعض الحاصلين على شهادات جامعيّة، في وضع شديد الهشاشة، في ظلّ الاتجاهات الكامنة وراء الاستقطاب الوظيفي.

ضرورة التحوّل الهيكلي نحو قطاع خاص منتج وتكنولوجي قادر على توليد وظائف ذات قيمة مضافة عالية

وعلى هذا النحو، سيؤثّر الاستخدام المتزايد للأتمتة سلبًا في عدد كبير من المهن المختلفة التي تشغلها الطبقة الوسطى، إذ تُظهر المهارات الأكثر طلبًا لدى الطبقة الوسطى ميلًا نحو الاقتصاد الرقمي وأنشطته غير التقليدية.

وعلى الرغم من أن الطبقة الوسطى العربية تتمتّع بتراكم أفضل لرأس المال البشري مقارنةً ببقية الطبقات الاجتماعية، فإنّ أداءها في تراكم الثروة والموارد أقل، ما يجعل قدرتها على القيام باستثمارات ريادية مستقلة أضعف، ولا سيما لدى الطبقة الوسطى الدنيا، الأكثر عرضةً للعمل غير النظامي وظروف العمل غير المستقرّة.

ماذا ينبغي فعله؟ على صعيد السياسات العامّة بنطاقها الواسع والمختصر، نقترح ما يلي:

1 - بناء نموذج اقتصادي جديد يشجّع على إحياء الطبقة الوسطى، من خلال تحوّل هيكلي نحو قطاع خاص منتج وتكنولوجي قادر على توليد وظائف ذات قيمة مضافة عالية.

2 - تعزيز الإنفاق الاجتماعي العام لمعالجة الفجوات في المهارات والقدرات، من خلال إعطاء الأولويّة للإنفاق الاجتماعي العام الذي يوفّر خدمات تعليم وصحة عالية الجودة.

إذا لم تُجدَّد الطبقة الوسطى العربية وتُطوَّر اقتصاديًا فإنها ستفشل في أداء دورها السياسي التاريخي

وبالطبع، فإنّ جميع هذه السياسات معروفة ومقبولة في الأدبيّات، لكن ربما ما ينبغي التأكيد عليه أكثر هو أنها تشترط، قبل كل شيء، وجود أنظمة مؤسّسية فاعلة وخاضعة للمساءلة حتى تُنفّذ بنجاح.

قد يكون تحقيق ما سبق موضع جدل، لكن ما لا جدال فيه هو أنّه إذا لم تُجدَّد الطبقة الوسطى العربية وتُطوَّر اقتصاديًا، فإنّها ستفشل في أداء دورها السياسي التاريخي المتمثّل في كونها القابلة المولّدة والحاضنة الحقيقية للديموقراطية في العالم العربي.

 

 


[1] تُعرّف بأنها حصص الخُميسات الثاني والثالث والرابع (أي الـ 20% الثانية والثالثة والرابعة) من توزيع الدخل.

[2] لمزيد من التوسّع حول بعض القضايا المطروحة في هذا المقال، يُراجع: "الطبقة الوسطى في الدول العربية"، الإسكوا، 2023؛ و"لماذا تبدو التنمية أكثر صعوبة؟"، مجلّة التمويل والتنمية، أيلول/سبتمبر 2026.

[3] للمقارنة، بلغت حصة الـ 20% الخامسة (الأعلى) للدول بعد عام 2020 كالآتي: مصر 38.6%، الأردن 42.4%، لبنان 42.3%، العراق 38.9%، المغرب 47%، والإمارات 34.8%.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن