تقدير موقف

الشرق الأوسط الجديد: "خريطة" تحتاج إلى دروس التاريخ!

اعتمدت الأمم المتحدة مطلع سبتمبر/أيلول الحالي، خريطة عالمية جديدة بديلة عن "إسقاط مركاتور" الذي بقي هو المرجعية الجغرافية للعالم منذ 1569. وواضح أنّ الأمر لا يتعلّق بتصحيح مغالطات وحسب، تهمّ مساحة تواجد الشعوب والأمم فوق الكرة الأرضية، بقدر ما يهمّ الاعتراف بوجود هيمنة تاريخية بصريّة، على خطوط الطول والعرض، أدّت إلى إثراء شعوب وإفقار أخرى.

الشرق الأوسط الجديد:

معلومٌ أنّه على مدى قرون مضت، ساهمت خريطة الرسام الهولندي جيراردوس مركاتور (Gerardus Mercator) في نسج اعتقادٍ وهمي، يجعل محور الكرة الأرضيّة شمالًا، من روسيا إلى أميركا مرورًا بشمال أوروبّا. وقد ترسّخ هذا الاعتقاد في عقول النّخبة الحاكمة والمثقفة، وعموم الشعوب الأوروبيّة عقودًا طويلة، ما زالت حاضرة في بعض الخطابات السياسيّة والإعلاميّة. وتحوّلت مع الزمن إلى سرديّة ونرجسيّة تؤمن بالتفوّق العرقي للإنسان الأبيض والحضارة المسيحيّة.

أشكال جديدة من الهيمنة والاستغلال والاستحواذ على الثروات

وكان الهدف من تلك الخرائط التي اعتمدها المستكشفون الأوائل، مساعدة البحارة والمغامرين على الإبحار في محيطات بعيدة، باتّباع خطوط طول ثابتة، والوصول إلى مناطق قاصية من العالم القديم، داخل مساحة إجماليّة للكرة الأرضيّة تزيد قليلًا عن 510 ملايين كلم مربع، منها 71 في المئة بحار ومحيطات. وباسم هذا التقدّم العلمي، تمّ السطو على خيرات الشعوب ومقوّماتها، إضافة إلى الانخراط في تغيير ثقافتها ومعتقداتها وعاداتها، وارتبط هذا التاريخ الاستعماري القديم والحديث، بحروبٍ ومآسٍ إنسانيّة، ما زالت تداعياتها متواصلة إلى اليوم، بأشكال جديدة من الهيمنة والاستغلال والاستحواذ على الثروات، من منظور اقتصادي وجيوسياسي.

الاستعمار القديم والثورة العالمية

لعبت بريطانيا وفرنسا وقبلها هولندا وإيطاليا والبرتغال وإسبانيا أدوارًا في هذا المجال، وذلك على الرغم من أنّ مساحة القارة العجوز لا تتجاوز 10.8 ملايين كلم مربع، منها 40 في المئة تقع في روسيا وراء جبال الأورال.

وتمتلك دول الاتحاد الأوروبي حاليًّا قرابة 18 في المئة من الثروة العالمية المقدّرة بـ126 تريليون دولار، على الرغم من أنّ مساحتها لا تتجاوز 4.2 ملايين كلم مربع موزّعة بين 27 دولة، أي أقلّ من مساحة اتحاد المغرب العربي البالغة 6.04 ملايين كلم مربع، والذي يهمّ تجمّع خمس دول، ويُقدّر ناتجها الإجمالي بـ662 مليار دولار.

وفي الخريطة السّابقة ظهرت جزيرة غرينلاند بحجم القارة السمراء نفسها، مع أنّها تصغرها بـ 14 مرة، إذ تُقدّر مساحة أفريقيا بـ 30.41 مليون كلم مربع. في المقابل، يتراوح النّاتج الإجمالي لدول جنوب الصحراء ما بين 2 و2.5 تريليون دولار فقط، أي أقلّ من اقتصاد إيطاليا.

الشرق الأوسط الجديد.. التاريخ والجغرافيا

يتواجد العالم العربي فوق مساحة تُقدر بنحو 15 مليون كلم مربع، وهي الثانية بعد روسيا الفيدرالية البالغة مساحتها 17 مليون كلم مربع، وقبل كندا (9.9 ملايين) والولايات المتحدة (9.8 ملايين).

بينما ينقسم الوطن العربي إلى خمس مجموعات إقليمية هي: الشّام الكبرى والعراق، الجزيرة العربيّة واليمن، مصر وبلاد النّيل، ودول المغرب العربي. وممر عبور حيوي للطاقة والتجارة البحرية وسط العالم منذ التاريخ البعيد. يجمع بين المحيط الهندي والمحيط الأطلسي، ومن شط العرب ومضيق هرمز، وباب المندب إلى مضيق جبل طارق، مرورًا بالبحر الأحمر وقناة السويس والبحر الأبيض المتوسط، ويُطلق عليه تاريخيًّا "الشرق الأوسط عالم المعابر".

تريد واشنطن دفع بعض العرب إلى الاختيار بين "العدو القريب" و"العدو البعيد" وهما وجهان لعملة واحدة

يعتبر صندوق النقد الدولي أنّ "منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لها مساحة تزيد عن 15 مليون كيلومتر مربع، وتحتوي على حوالي 6 في المئة من سكّان العالم، بما يُعادل عدد سكان الاتحاد الأوروبي"، ما يجعلها منطقة إقليميّة ذات تواصل جغرافي ولغوي وحضاري متجانس. وهي نقطة استراتيجيّة مهمّة، لكنّها ليست كافية لوجود أطراف أخرى فاعلة على الأرض والمضائق البحرية، لها خلاف تاريخي مع هذه الحضارة نفسها. في السنوات الأخيرة، وسّع البنك الدولي مساحة المنطقة، وأطلق عليها "ميناب" (Menap) مع ضمّ أفغانستان وباكستان.

ومنذ سقوط نظام بشار الأسد واشتعال الحرب الإيرانيّة ــ الأميركيّة الإسرائيليّة وإغلاق مضيق هرمز، ظهرت تركيا كدولة جديدة ــ قديمة في شطرنج الشرق الأوسط، على الأقلّ في الملف السّوري ومواجهة المشروع الإيراني. ولم تعارض الولايات المتحدة توسيع فضاء الشرق الأوسط الجديد بضمّ أنقرة للمساعدة على إخراج سوريا من أزمتها الأمنية، في مسعى لتهدئة منطقة الشّام وإطلاق برامج إعادة الإعمار، بعد الانتهاء من معالجة ملف "حزب الله" في لبنان.

احتلال إيران الجزر الإماراتية مهّد لها السيطرة على مضيق هرمز

ويتبيّن من توسيع الشرق الأوسط الجديد الذي أصبح يضم الجانب العربي والفارسي والتركي واليهودي وفي الخلفيّة الهنود المسلمون (باكستان)، أنّ مصالح الأطراف غدت متناقضة أميركيًّا. فعلى سبيل المثال، تريد واشنطن تليين الموقف العربي، والقبول بإسرائيل كقوة عسكريّة وتكنولوجيّة، ودفع بعض العرب إلى الاختيار بين "العدو القريب" و"العدو البعيد" أي إيران للمساعدة، وهما وجهان لعملة واحدة تاريخيّة منذ نحو ثمانية عقود.

لقد قامت إيران باحتلال جزر الطنب الكبرى أبو موسى والطنب الصغرى وهي أراضٍ عربيّة مقتطعة من دولة الإمارات، مهّدت فيما بعد لطهران السيطرة على مضيق هرمز واستعماله في المفاوضات مع الطرف الأميركي، وقطع الإمدادات ومنع تصدير النفط العربي. كما تبيّن أنّ قوة جغرافية البحار أقوى من أيّ سلاح آخر. وبدورها تسعى تل أبيب إلى التواجد قرب خطوط المواصلات الجديدة، على طريق الشّام، بين الجزيرة العربيّة وتركيا العثمانيّة، أي بين غرب آسيا وجنوب شرق أوروبا، والحضور في مشاريع إعادة الإعمار. كما دعت قوى أوروبيّة إلى فتح المجال وإشراك قبرص اليونانيّة، لمحاصرة أهداف تركيا.

العرب حلقة مهدّدة في علاقة أميركا بإيران وإسرائيل وتركيا

في كل المعادلات، يبقى العرب حلقةً مُهدّدةً بالضعف، في علاقة أميركا بإيران وإسرائيل وتركيا، قد يجدون أنفسهم داخل فضاء متعدّد لم تعد المرجعية العربيّة هي السائدة، كما كان قبل عقود، عندما ارتبط تعريف الشرق الأوسط بـ "العالم العربي"، وهي التسمية البريطانية القديمة. لكن الولايات المتحدة قد يكون لها رأيٌ مختلفٌ في ترتيب المصالح بين الشريك التجاري، والحليف الاستراتيجي، والصديق السياسي.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن