حرب عالمية واحدة في ثلاث جبهات

جنود من سلاح المدفعية للدفاع الجوي في الجيش الأميركي يُشغّلون منظومة "باتريوت" في الشرق الأوسط (الجيش الأميركي)

جبهتان مشتعلتان في أوكرانيا وإيران، وأخرى ساخنة في تايوان، تتشابه وتتشابك معا في غمار حرب عالمية منخفضة التصعيد حتى الآن، ففي الجبهات الثلاث توجد الولايات المتحدة على رأس حلف الناتو وحلفاء آسيا، وفي المقابل يوجد حلف غير معلن يضم الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية. التشابك بين الجبهات الثلاث تجسد في الدعم المتبادل بين أعضاء كل تكتل، ففي الحرب الأوكرانية قدمت إيران لروسيا طائرات "شاهد" المسيرة بكميات كبيرة، كان لها تأثيرها الواضح على الوضع الميداني، إلى جانب كميات من الصواريخ الباليستية وفرط الصوتية، وأدخلت روسيا تحسينات على طائرات "شاهد" الإيرانية، واستفادت إيران بالتطوير الروسي، وعندما اندلعت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران ظهر الدعم الروسي لإيران في الميدان بالمسيرات المطورة، والتحسن في دقة الصواريخ الباليستية فرط الصوتية الإيرانية، بما يؤكد التعاون العسكري المتبادل.

أما الدور الصيني في الحرب الأوكرانية فتجسد في الدعم الاقتصادي والتكنولوجي لروسيا، وساهم في تماسكها الاقتصادي عندما تعرضت روسيا لسيل من العقوبات الإقتصادية، التي كان يمكن أن تسبب أزمة اقتصادية عنيفة في روسيا، راهنت عليها دول حلف الناتو في إلحاق الهزيمة بروسيا، وأمدت الصين روسيا بالمكونات الضرورية للإنتاج العسكري، خاصة الطائرات المسيرة، والتي أصبحت فرعا مستقلا في القوات المسلحة الروسية مؤخرا. أما دور كوريا الشمالية في الحرب الأوكرانية فكان الأكثر علانية، وأمدت كوريا الشمالية روسيا بذخائر المدفعية وكميات من الصواريخ، وأرسلت كتائب مسلحة بعتادها إلى جبهة كورسك، وسقط منها ضحايا.

وعلى الجبهة الإيرانية قدمت الصين وروسيا تقنيات رصد الأهداف والتشويش الإلكتروني، وانتقلت إيران من الاعتماد على نظام الملاحة وتحديد المواقع الأمريكي "جى بي إس" إلى نظام الملاحة الصيني "بيدو"، مما جنبها مخاطر قطع الاتصال أو التشويش في حال اعتمادها على النظام الأمريكي في أثناء الحرب، وكذلك زودت شركة صينية إيران بصور مباشرة للمواقع العسكرية الأمريكية، مما ساعدها في توجيه ضربات دقيقة وسريعة للقواعد الأمريكية، ورصد أي تحركات هجومية في وقت مبكر. وهناك تقارير أمريكية وأوروبية عن تقديم الصين وكوريا الشمالية وروسيا مكونات صواريخ وأسلحة إلى إيران، وجرى رصد طائرات شحن وسفن من الدول الثلاث إلى إيران.

أما تعاون حلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة فمعلن، وتتشارك الدول الأعضاء بشكل واضح في الحرب الأوكرانية، وتقدم السلاح والدعم اللوجيستي والاقتصادي لأوكرانيا، بما فيها تحديد المواقع الروسية، وتوجيه المسيرات والصواريخ، ويوجد خبراء من دول الحلف على الأراضي الأوكرانية، وتؤكد روسيا وجود مجموعات مقاتلة من دول الناتو. ولم يكن الوجود الأوروبي واضحا في الحرب الأمريكية على إيران بنفس قدر الجبهة الأوكرانية، ربما لأن قدرات أوروبا قد جرى استنفاذها في دعم أوكرانيا، وليس لديها فائض قوة يمكن تقديمها على الجبهة الأوكرانية، خاصة مع تقلص إسهام الولايات المتحدة في الحرب الأوكرانية.

اللافت أن أوكرانيا كانت حريصة على الظهور على الجبهة الإيرانية، سواء بإرسال مدربين في التصدى للطائرات المسيرة الإيرانية لعدد من دول الخليج، وما أعلنت عنه القوات المسلحة العراقية عن ضبط خلايا مخابراتية أوكرانية، وكذلك حادث استهداف أوكرانيا لسفينة شحن إيرانية فى بحر قزوين. تأثير الترابط بين جبهتي أوكرانيا وإيران ظهر جليا عند نضوب صواريخ باترويت لدى الولايات المتحدة، فأوقفت تزويد أوكرانيا بها، لأن الأولوية لقواتها المنتشرة في منطقة الخليج وإسرائيل، لتتساقط الصواريخ الروسية على العاصمة الأوكرانية كييف ومصانع الأسلحة والبنية التحتية العسكرية دون أن تتمكن أوكرانيا من التصدى لها، ولم تطلق سوى صاروخ واحد في هجومين متتاليين بعشرات الصواريخ الباليستية ومئات الدرونات، مما يشكل تهديدا لقدرة أوكرانيا على الصمود أمام روسيا، وإذا ما استمرت أزمة الصواريخ الاعتراضية في الجبهة الأوكرانية فإنها تعجل بانهيار الدفاعات الأوكرانية، وهزيمة جديدة للتحالف الغربي الذي سيتأثر حتما بنتائج الحرب على الجبهتين الأوكرانية والإيرانية معا.

أما الجبهة الثالثة في تايوان فقد ظهرت فيها اليابان بإعلان أنها ستتدخل عسكريا إذا هاجمت الصين تايوان، لترتفع حرارة جبهة ثالثة قابلة للاشتعال بقوة، وتعلن الصين عن غضبها بتصريحات مستهجنة ومناورات عسكرية، وتطلق كوريا الشمالية صواريخ تحذيرية. وكانت الولايات المتحدة قد دفعت اليابان لزيادة إنفاقها وصناعاتها العسكرية، لتصبح داعما للقوات الأمريكية في جنوب شرق آسيا، مثلما فعلت مع ألمانيا، لتعود الدولتان إلى سباق التسلح بعد غياب دام نحو 80 عاما.

(الأهرام المصرية)

يتم التصفح الآن