المُثير للانتباه عندي أمورٌ ثلاثة: أوّلها كثافة تداول هذه الألفاظ في الخطاب العربي في الشبكة العنكبوتيّة، وكثافة التداول، في عُرف العلوم الاجتماعية (السياسيّة والاجتماعيّة والسيكولوجيّة)، يحمل على التساؤل ما إذا كان الأمر يتعلّق بظاهرة فعليّة حقًا، تجتمع فيها شروط الظاهرة ومن ثم فهي تستوجب الدراسة والفهم، أم إنّ المسألة ترجع في نهاية الأمر الى توهّم أو، بالأحرى، إلى توهيم ذلك.
"اليد الخفيّة" في الشبكة العنكبوتية تُسلم المبحرين إلى تصديق أكاذيب لا يقبلها عقل سليم ولا يقرّها منطق سوي
قد يحملنا الفكر النقدي إلى الافتراض بأنّ خلف ما يبدو كما لو كان ظاهرة اجتماعيّة تتعلّق بسلوك مستعملي الشبكة، تدبيرًا وتخطيطًا من قبل جهة "عنكبوتيّة" لا تُعلن عن نفسها لأسباب هي الأعلم بها. وبالتالي فإنّ غزارة حضور الألفاظ المشار إليها في الفضاء الأزرق لا تنتهض، بالضرورة، دليلًا قطعيًّا على حضورٍ فعليٍّ في عالم الواقع وبرهان على أثرٍ قويٍ لها في العقول وفي النفوس، فليست بالتالي "ظاهرة" وليس ينبغي أن تعتبر كذلك.
لا نزال، كل يوم، نتعلّم أنّ الشبكة العنكبوتيّة، مؤيَّدة بإمكانات الذكاء الاصطناعي، تستطيع الكثير ممّا كان، إلى زمن غير بعيد، يدخل في حكم المستحيل. تملك "اليد الخفيّة" في الشبكة أن توقع المبحرين في الوهم وتُسلمهم إلى أكاذيب وإلى تصديق أكاذيب لا يقبلها عقل سليم ولا يقرّها منطق سويّ. والسؤال الذي يفرض نفسه هو: هل الأمر في غزارة وكثافة حضور ما ألمحنا إليه من ألفاظٍ يتعلّق حقًا بما يصحّ اعتباره "ظاهرة" في المعنى العلمي الدقيق للكلمة، أم إنّ في المسألة افتعالًا وتدبيرًا خفيًّا؟.
لِمَ الحرص على نقل جدل تاريخي قديم كان يدور في أجواء "الخاصة" إلى فضاء "المجال العام"؟
وثاني الأمور الثلاثة، أنّ الشأن في المفاهيم والقضايا المُشار إليها لا يتعلق، في ذاته، بأسئلة وانشغالات جديدة على العقل الإسلامي (الوحي والعقل والنبوّة ودلالة الأميّة في نعت نبيّ الإسلام بالأميّة) فتلك انشغالات وهموم قديمة كانت، في الأغلب الأعم، تتصل دومًا بدواعي سياسيّة حينًا وأخرى مذهبيّة، حينًا آخر. هي إذن تتصل بماضٍ ولّى وغَبر، وهذا من جهة أولى، وهي من جهة ثانيّة، تتعلّق بما انشغل به في حينه متكلمون وفقهاء ومفكرون في الإسلام وبالتالي فئات قليلة ظلّت دومًا منحصرةً في دائرة "الخاصّة". كانت كذلك لأنّ الخوض في تلك الموضوعات يستوجب التوافر على عدّة فكرية ليس للعامة منها شيء.
والسؤال الذي يفرض نفسه، في هذا الصدد، هو التالي: لِمَ الحرص في زمننا الحاضر، من قبل جهات ما، على نقل جدل تاريخي قديم (كان يدور في أجواء "الخاصة") إلى فضاء "المجال العام"، والحال أنّ هموم زماننا هذا وانشغالات أهله مغايرة (بفعل عوامل شتّى) لهموم العصور الماضية وانشغالات أهلها والزمان غير الزمان؟
وأمّا الأمر الثالث والأخير، فذو طبيعة لا يملك النظر المجرّد المحض أن يفصل فيها، إذ إنّ هذا الأمر يستدعي تدخّل أو حضور عامل بعيد عن العقل، لأنّه مغاير له ــ من طبيعة غير طبيعته ــ هو الإيمان والتصديق القلبي أو النفسي. تلك هي قضايا الاعتقاد الدّيني والموضوعات الدّينية جملة، صفوة القول فيها إنّها قضايا تتعلق بالإيمان والتصديق القلبيين فلا مجال فيها لعقلٍ ولا لتعقّل.
أسئلة تستوجب إعمال العقل النقدي ومراجعة معنى الإيمان
والسؤال الذي يفرض نفسه كذلك هو التالي: إذا كان التسليم بأنّ محمّدًا ابن عبد الله، صلوات الله وسلامه عليه، رسول الله وخاتم الأنبياء والمرسلين، وكان من مقتضيات الدّين الإسلامي الإيمان بوجود المعجزة والوحي والنبوّة (وهذه كلها قضايا تستدعي الإيمان لا إعمال العقل ضرورة) وهذا من جانب أول، وإذا كان من مقتضيات الدّين وشروط الإيمان تصديق الرسول واعتبار السنة النبويّة مُكمّلًا ضروريًّا للقرآن الكريم وشرحًا له وتوضيحًا عمليًّا لأحكامه، وتلك وظيفة الرسول، كما يُحدّدها القرآن، وتلك دلالة الوحي عند المؤمن فالرسول "لا ينطق عن الهوى"، وكان المبدأ القرآني أنّه لا إكراه في الدّين وأنّ "مَن شاء فليؤمن ومَن شاء فليكفر"، هذا من جهةٍ ثانية، وإذا كان القرآن، في قولٍ صريحٍ لا يحتمل لُبسًا ولا يقتضي تأويلًا يقول في الحديث عن رسوله محمد: "وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك" (العنكبوت، الآية 48)، دعك من آيات أخرى من جنس الآية المذكورة، وهذا من جهة ثالثة.. فلِمَ إذن جنوح المؤمن إلى طلب معنًى بعيدٍ والحال أنّ القاعدة تفيد بأنّ "الكتاب العزيز يُحمل على ظاهره، لا يُصرف عن ظاهره إلّا بحُجّة"؟.
أسئلة تستوجب، من حيث بناؤها، إعمال العقل النقدي ومراجعة معنى الإيمان ذاته وتستدعي، من حيث زمانها، تساؤلات تتصل بالشجاعة ووضوح القصد.
(خاص عروبة 22)

