"الطوفان" وما تلاه من حروبٍ كبرى في الإقليم فاقم مأزق الدولة العربية من حيث تجذّر عمقه البنيوي ومن حيث اتساع النطاق الجغرافي. المأزق تعمّق هيكليًا ليصبح ما يُطلق عليه خبراء العلوم السياسية في مبحث الأزمات "الإنهاك المتعدّد الأبعاد" ("أزمة متعددة" - Polycrisis) واتّسع نطاقه الجغرافي ليشمل العالم العربي كلّه تقريبًا ليمتدّ حتى إلى ما كانت تعتبر مساحات آمنة منه، مثل دول الرفاه ودول الأطراف البعيدة نسبيًا.
انكشف سراب الاعتماد على الغير في توفير الحماية وتآكلت قدرة الحكم العربي على حماية حدود بلاده
فلم تعد الدولة العربية تُعاني فقط من إخفاقها في إنجاز المهام التاريخية التي طرحها الربيع العربي في إقامة الحكم الرشيد والديموقراطية واستقلال القضاء وحرية التعبير. بل إنّها بعد التحوّلات الجيوسياسية التّكتونية تكالبت عليها تحدّيات وتهديدات وجودية:
- انكشاف السيادة: انكشفت هشاشة "أسطورة" السيادة للدولة الوطنية العربية مع تطاير شرر الحرب في معظم الإقليم إذ تحوّلت أجواء أراضي ومياه العديد من الدول العربية عمليًا إلى ساحات مستباحة للمواجهة بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران وحلفائها من جهة أخرى، وصارت دول مجلس التعاون في الجزيرة العربية والهلال الخصيب ملعبًا مفتوحًا للصواريخ والمُسيّرات المتبادلة تقف أمامه حكوماتها موقف المتفرّج مستقبل الأهداف. لم ينكشف هنا فشل الترتيبات الأمنية والصفقات التسليحية ولم ينكشف سراب الاعتماد على الغير في توفير الحماية، ولكن تآكل أيضًا مصدر من مصادر قليلة كانت باقية في جعبة شرعية الحكم العربي وهو قدرته على حماية حدود بلاده خاصةً مع اقتران ذلك العجز بتزايد في وزن بعض الجماعات خارج إطار الدولة وقيام بعضها بأدوار تفوق دور الدولة عينها.
- الانكشاف أو التهديد الجيوسياسي لم يأتِ وحده فقد حمل معه تهديدًا جيو-اقتصاديًا للدولة الوطنية العربية في صورة صدمات متتابعة عمّقت من جراح الدول المترنّحة اقتصاديًا وخلقت تحديًا هيكليًا غير مسبوق للدول العربية الريعيّة صاحبة نموذج الاستقرار والرفاه في العقود الستّة الأخيرة. ولأن المصائب لا تأتي فرادى فقد جاءت الحرب ومعها الصراع على الممرّات البحرية ونقاط الاختناق الحاسمة من هرمز إلى باب المندب، ففقدت العديد من الدول موارد عبور سيادية وموارد نقد أجنبي. اضطربت سلاسل الإمداد وانهارت -مع الإغلاق الجزئي للمضائق- معظم صادرات النفط والغاز لدى الدول العربية البترولية والتي باتت منذ نصف قرن القوة المحرّكة للاقتصاد العربي كلّه سواء في تدفّقات الاستثمار أو الطلب على العمالة أو نمو التجارة والاستهلاك.
بدلًا من بناء مشروع أمن جماعي عربي اتجهت الدولة العربية إلى سياسات جانبية أو سياسات الهرب إلى الأمام
بينما بدأت دول الخليج في السحب من احتياطيّاتها وصناديقها السيادية، بل والاقتراض من الخارج وتعثّرت خطط التنمية الطموحة، زاد التضخّم وارتفع الدين العام وفوائده الباهظة في الدول التي تعاني مثل الأردن ومصر وسوريا ولبنان... إلخ. الأخطر أنّ ذلك اقترن لدى الجميع بارتفاع تكلفة الإنفاق العسكري والأمني على حساب الإنفاق الاجتماعي ما يخلق ضغوطًا مخيفةً على الفقراء والطبقة الوسطى، وارتفعت معدلات عجز الدولة الوطنية عن إيقاف عجلة الإفقار والتدحرج الاجتماعي إلى أسفل، وارتفعت معها مؤشرات تراجع الرّضا العام عن الدولة الوطنية وتزايد مؤشّرات السخط والانفجار الشعبي.
توجد سيناريوات رئيسيّة مطروحة إذا ظلّت الفجوة الواسعة القائمة بين هيكل الدولة العربية ومستوى كفاءة النّخب الحاكمة وأنانيّة خياراتها وبين حجم وخطورة التهديدات الجيوستراتيجية التي طرحها عليها زلزال وتوابع ما بعد "7 أكتوبر" نختار منها ثلاثة ماثلة للعيان:
- سيناريو تفكيك وتركيب بعض دول المنطقة: لا تواجه الدولة العربية عواقب الافتقار المتزايد للشرعية الداخلية ولا العجز عن احتكار القوة في الداخل أو العجز عن حماية السيادة والحدود ولديها بعض من رفاهية الوقت، بل تواجهها وهي مُحاطة بمشروعات دولية أو إقليمية تستهدف إعادة رسم الحدود العربية والانقلاب على خطوط "سايكس – بيكو" بخطوط جديدة تزيل دولًا عربية قائمة وتنشئ أخرى. أو تفتّت دولًا موحدةً لـ "دويلات". يوجد المشروع الأميركي - الإسرائيلي - الإبراهيمي لشرق أوسط جديد وهناك المشروع التركي والمشروع الإيراني، وتواجه الدولة الوطنية العربية هذه المشاريع منفردةً، بل وغالبًا بأجندات متعارضة مع بعضها البعض. وبدلًا من بناء مشروع أمن جماعي عربي، اتجهت الدولة العربية إمّا إلى السياسات الجانبية أو سياسات الهرب إلى الأمام عبر تبنّي استراتيجيات تحوط قطرية لا تسمن ولا تغني أو عبر الاندماج في تحالفات مرنة عبر إقليمية غير متكافئة وربما غير فاعلة.
يتوقع خبراء تزايدًا في عدد الدول العربية "الفاشلة"
- سيناريو الدولة الفاشلة أو المتفكّكة هو احتمال كبير فإذا استمرّت سياسات المواجهة الفردية وحماية النظام وليس الوطن، يتوقع خبراء تزايدًا في عدد الدول العربية "الفاشلة" التي يُقدرها البعض حاليًا بخمس أو ستّ دول.
- سيناريو التنازلات الاستراتيجية: قد تؤدّي مؤشرات السخط الشعبي مع ارتفاع معدلات الفقر والغلاء مصحوبةً بانسداد سياسي وقبضة أمنية خانقة في بعض النظم العربية إلى قبول قرارات سياسة خارجية أو اقتصادية كانت رفضتها من قبل. الانحناء سيتمّ فقط لإنقاذ الاقتصاد والنظام السياسي المترنّح الذي يشعر بأنّه من دون عمليات إنقاذ مالي أو أمني خارجي قد يتعرّض استقراره ووجوده إلى ما لا يُحمد عقباه!.
(خاص عروبة 22)

