تقف التحدّيات عينها وراء صدور مجموعة من المؤلفات التي تُبشّر بـ"ما بعد الديموقراطيّة" (Post-democracy) وهو عنوان أحد أعمال عالم الاجتماع السياسي البريطاني كولين كراوتش، أو كتاب "من مرحلة ما بعد الديموقراطيّة إلى مرحلة الديموقراطيّة الجديدة" (From Post-democracy to Neo-Democracy) لكلاوس فون بايمه، ضمن أعمال أخرى، ويهمّنا هنا التوقف عند أحدثها في تاريخ الإصدار، خاصّةً أنّه لم يُترجم بعد إلى اللغة العربيّة، والحديث عن كتاب "خيبات الأمل من الديموقراطيّة" (Les désillusions de la démocratie) لدومينيك شنابر (Dominique Schnapper)، وهي باحثة وأستاذة في علم الاجتماع، تتمحور أعمالها البحثية حول القضايا الاجتماعية والتاريخية، كما كانت عضوة سابقة في المجلس الدستوري الفرنسي من عام 2001 إلى عام 2010.
هل ستنجو الديموقراطية من الانتقادات التي تُوجّه باسم الديموقراطية "المتطرّفة"؟
ترى الكاتبة أنّ الديموقراطيّات مُهدّدة في وجودها في الحروب القائمة اليوم، وكثرة الصراعات بين القوى العظمى، ما يفرض على الديموقراطيّات الأوروبيّة تحدّيات داخليّة أهمها الدفاع عن نفسها، انطلاقًا من أرضيّة نظريّة تندرج في سياق "التمركز الأوروبي على الذّات"، مفادها أنّ الديموقراطيّة الغربيّة تواجه تحدّيات خارجية (الصين، روسيا، "الجنوب العالمي"... إلخ) موازاةً مع قلاقلها الداخليّة، من قبيل النقد الرّاديكالي والتيارات اليمينيّة المتطرّفة، وهي الممارسات التي تصنّفها المؤلفة بأنّها ديموقراطيّة متطرّفة في الطموح إلى تفكيك المؤسّسات، التي لديها بالتأكيد عيوبها، من أجل الوصول إلى مساواة جذرية، مشدّدة على أنّه كلّما تقلّصت الفجوات، كلّما بدت الفجوات المتبقيّة غير محتملة.
وأخذًا بعين الاعتبار أنّ الديموقراطية تبقى منظومةً سياسيّةً مثاليّةً لم تكتمل أبدًا في التوفيق بين التنوّع والمساواة، فإنّ حالات عدم الرضا ستظلّ بالضرورة موجودة، مدعومةً بمطالبات مسموعة جدًا، حتى عندما تزداد إعادة التوزيع والتدخّل الحكومي، لتخلص إلى أنّ الإنسان الدّيموقراطي المعاصر لم يعد يقبل بنواقص الديموقراطيّة، بما يقتضي الاشتغال الجماعي على سؤالٍ مؤرق: هل ستنجو الديموقراطيّة من الانتقادات التي تُوجّه باسم الديموقراطية "المتطرّفة"؟.

تضيف المؤلفة أنّ ميزة النقد الداخلي للديموقراطيّة كونه قديمًا قِدم الديموقراطيّة عينها، كما لا تستند شرعيتها إلى التقاليد، ولا إلى الطبيعة، ولا إلى مرجعيّة متسامية، بل إلى ممارسات أعضائها، لأنّهم يحكمون حتمًا على الديموقراطيّة، باسم قيمها الخاصّة، بأنّها ليست ديموقراطيّة بما فيه الكفاية أو ديموقراطيّة أكثر ممّا ينبغي، معتبرة أنّ المثل الأعلى للمواطنين الأحرار والمتساوين الذين يتعاملون بعقلانيّة مع الشؤون المشتركة لا يمكن تحقيقه بالكامل، والحال أنّ التطلّع إلى الحريّة والمساواة مُعرّض باستمرار لخطر التشويه بسبب رفض الحدود والسيطرة، ولهذا تخشى المؤلفة أن تكون الديموقراطيّات مهدّدة بالتفكّك في كلتا الحالتيْن، وهذا السؤال المقلق بشأن أوجه القصور والتجاوزات المحتملة للديموقراطيّة المتطرّفة لا يعود إلى القرن الحادي والعشرين، ولكنه في عالم اليوم حاد بشكل خاص.
ليس هذا وحسب، فقد أوردت دومينيك شنابِر مجموعة مؤشرات حول تفكّك المنظومة الديموقراطيّة من الداخل في الساحة الفرنسيّة، ضمن أمثلة أخرى تهم الدول الأوروبيّة، من قبيل الكراهيّة التي يتم التعبير عنها تجاه رئيس الجمهوريّة، وتفكّك الحزب الجمهوري المحافظ، والاتفاق الانتخابي لليسار الذي يُهيمن عليه سياسي يدافع عن النزعة الطائفيّة، واحتمال وصول اليمين المتطرّف إلى السلطة.
التشكيك في الديموقراطية ظاهرة عاينّاها في الساحة العربية بعد أحداث "الفتن السياسية" مطلع 2011
بخصوص ما اصطلحت عليه المؤلفة بـ"ديموقراطيّة العناية الإلهيّة"، فتقصد بها ديموقراطيّة زاد فيها تدخّل الدولة لضمان الرفاهيّة الماديّة والفكريّة وحتى المعنويّة للأفراد باسم مفهوم العدالة الاجتماعيّة القائم على المثل الأعلى للمساواة، لولا أنّ "الدولة الاجتماعيّة" أو دولة الرفاهية هي أساس الديموقراطية الاجتماعيّة، ثم إنّ حامي المنظومة وموزعها هنا، هو بالضرورة جزءٌ من المَثَل الأعلى الديموقراطيّ. ولكن إذا أصبحت مفرطة، فإنّها تخاطر بتحويل المواطن، مدفوعًا برغبته في الحرية واهتمامه بالجماعة، إلى منتج بسيط ومستفيد من هذه "العناية الإلهية".
تطالب المؤلفة أيضًا بأهمية احترام المبادئ الديموقراطيّة والمجسّدة على الخصوص في الحريّة والمساواة بين جميع المواطنين، بغضّ النظر عن أصولهم التاريخيّة ومعتقداتهم وظروفهم الاجتماعيّة؛ الالتزام بالامتثال لقواعد المؤسّسات التي، وفقًا لهذه المبادئ، تنظّم بشكل ملموس العلاقات بين الأفراد والجماعات، مضيفةً أنّه من المشروع والمرغوب فيه انتقاد الطرق التي تعمل بها هذه المؤسّسات - وهذا بُعدٌ من أبعاد الحرية السياسيّة - ولكن إذا تمّ التشكيك في المؤسّسات الديموقراطيّة على هذا النحو، لمجرّد أنّها مؤسّسات، فإنّنا نُشكّك في الديموقراطيّة عينها، وهذه ظاهرة عاينّاها كذلك في الساحة العربيّة، خاصّة بعد أحداث "الفِتن السياسيّة" التي اندلعت في مطلع 2011!.
(خاص عروبة 22)

