فلسطين... القضية والبوصلة

"عيد المساخر" وتوظيفه في المشروع الصهيوني!

يحتلّ عيد المساخر "بوريم" مكانةً خاصةً في الذاكرة اليهودية، إذ يرتبط، وفقًا لسفر إِسْتير، بقصة نجاة اليهود في الإمبراطورية الفارسية من مؤامرة كان يقودها هامان لإبادتهم، بعدما تدخّلت إِسْتير اليهودية - زوجة الملك - ومردخاي - ابن عم الملكة إِسْتير وراعيها - وتمكّن اليهود من قلب مسار الأحداث لصالحهم.

يُحتفل بالعيد في الرابع عشر من شهر آذار، وفي بعض المدن، ومنها القدس تاريخيًّا، في الخامس عشر منه. ويتميّز بقراءة سفر إِسْتير، وتبادل الهدايا، ويرتبط بعض مظاهر الاحتفال بالاستهزاء بهامان وإحداث الضجيج عند ذكر اسمه أثناء قراءة سفر إِسْتير، كما ارتبطت تقاليد "بوريم" تاريخيًا بأشكال مختلفة من التنكّر والشرب والاحتفال الشعبي.

من الذاكرة الدينية إلى الذاكرة القومية

ظهر التحوّل الأبرز مع صعود القومية اليهودية والحركة الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حين أعادت الحركة تقديم عدد من الرموز والتقاليد اليهودية ضمن مشروع قومي حديث، فأخذ بعض المناسبات الدينية دلالات جديدة ترتبط ببناء الجماعة وتعزيز شعورها بالانتماء وربط هذا الانتماء بفلسطين العربية وأرضها. واكتسب "بوريم" أهميةً خاصةً لطبيعته الاحتفالية، فتحوّلت ذكراه التاريخية إلى مناسبة عامة حاضرة في المجتمع اليهودي في فلسطين، خاصة في تل أبيب خلال عشرينيّات وثلاثينيّات القرن العشرين، حين أصبحت احتفالاته من أبرز المناسبات الجماهيرية وأسهمت في ترسيخ المدينة مركزًا رمزيًا للمجتمع اليهودي الناشئ وهويةً جماعيةً ذات مضمون قومي، ارتبطت تدريجيًا بالمشروع الصهيوني الساعي إلى إقامة وطن قومي يهودي على أرض فلسطين.

ربط اضطهاد اليهود في أوروبا بقيام إسرائيل

ومع هذا التحوّل، دخل "بوريم" ضمن عملية أوسع لإعادة صياغة الرّموز والطقوس اليهودية داخل الثقافة السياسية والاجتماعية التي تشكّلت مع المشروع الصهيوني، وأصبح بعض هذه الرموز قابلًا للتوظيف في ترسيخ الارتباط بالأرض وتوفير غطاء رمزي للمشروع القومي الذي انتهى إلى إقامة إسرائيل وتهجير أعداد كبيرة من الفلسطينيين والسيطرة على أجزاء واسعة من أرض فلسطين العربية، وهو ما يربطه بعض الباحثين بمفهوم "الدين المدني" الصهيوني.

"بوريم" والصهيونية: إعادة إنتاج صورة "الجماعة المحاصرة"

تقوم إحدى أبرز آليّات التوظيف السياسي لسردية "بوريم" على ثنائيّة "نحن" و"الآخر"، حيث تتحوّل قصة الجماعة اليهودية المهدّدة ثم انتصارها على خصمها إلى نموذج قابل لإعادة التفسير في الخطاب القومي الحديث. وقد أتاح ذلك ربط اضطهاد اليهود في أوروبا بقيام إسرائيل ضمن تصوّر يرى التهديدات التاريخية حلقات متصلة، ثم إسقاط رموز الرواية القديمة على خصوم معاصرين، فيظهر "هامان" في صورة جديدة داخل الصراع السياسي والعسكري.

دخل "بوريم" ضمن عملية بناء الهوية القومية للمجتمع اليهودي في فلسطين

وبهذا يمكن أن تتحوّل الذّاكرة الدّينية إلى أداة رمزية لإعادة تقديم الصراع على فلسطين ضمن ثنائيّة الضحية والعدو، ودعم سرديّة تمنح المشروع الصهيوني مبرراتٍ تاريخية ورمزية في مواجهة خصومه والسيطرة على الأرض.

من "أرض الآباء" إلى شرعنة المشروع السياسي

تزداد أهمية هذا التوظيف عندما تنتقل الرواية من مسألة الهوية إلى مسألة الأرض، فقد عملت الصهيونية منذ نشأتها على الجمع بين القوميّة الحديثة وبين موروث ديني وتاريخي يربط اليهود بفلسطين، وهي علاقة أثارت نقاشًا واسعًا داخل الفكر اليهودي الحديث وتباينت المواقف منها بين الجماعات اليهودية المختلفة.

وفي هذا الإطار، أمكن للرمز الديني أن يدخل في عملية تحويل الارتباط التاريخي والديني بفلسطين إلى مطالبة سياسية وإقليمية، فعندما تُقرأ قصص الكتاب المقدّس ضمن ذاكرة قومية وتُربط بفكرة "الوطن التاريخي"، ينتقل الخطاب من استحضار الماضي إلى بناء تصوّر سياسي للحاضر والمستقبل. وهنا يظهر فارق مهم بين الإيمان الديني اليهودي بالارتباط بأرض فلسطين والقدس، وهو اعتقاد قديم تعدّدت تفسيراته عبر التاريخ، وبين تحويل هذا الارتباط إلى برنامج قومي سياسي يسعى إلى إقامة دولة يهودية والسيطرة على إقليم محدد، وهو تطوّر حديث ارتبط بنشأة الصهيونية.

ويساعد الحفاظ على هذا التمييز في فهم العلاقة بين الدين والقومية والصهيونية بعيدًا عن التصوّر الذي يجعل الانتقال من الموروث الديني إلى المشروع الصهيوني مسارًا حتميًّا، إذ تكشف التجربة التاريخية عن علاقةٍ أكثر تعقيدًا تداخلت فيها المعتقدات الدينية مع التحولات القومية والسياسية الحديثة.

"بوريم" والمجال العام في فلسطين الانتدابية

تكشف احتفالات "بوريم" في تل أبيب خلال فترة الانتداب البريطاني عن دور الطقوس العامّة في تشكيل الهوية القومية، فقد تحوّلت الاحتفالات بين عامَيْ 1920 و1935 إلى مناسبة جماهيرية واسعة حملت دلالات قومية وأسهمت في ترسيخ مكانة تل أبيب مركزًا رمزيًا للمجتمع اليهودي الناشئ في فلسطين.

المشروع الصهيوني أدخل ممارسات دينية يهودية ضمن الإطار القومي

وأظهر ذلك أن بناء المشروع الصهيوني اعتمد إلى جانب المؤسسات والهجرة والاستيطان على الرموز والطقوس والمناسبات العامة التي أسهمت في ترسيخ الذّاكرة المشتركة والشعور بالانتماء، فدخل "بوريم" ضمن عملية بناء الهوية القومية للمجتمع اليهودي في فلسطين.

العلاقة بين الصهيونية والدين

تظهر العلاقة بين الصهيونية والدين بصورة أكثر وضوحًا عند تتبّع تطوّر الحركة الصهيونية الحديثة، التي نشأت في صورتها السياسية حركةً قوميةً حملت داخلها تيارات علمانية قوية، في الوقت الذي اتخذت فيه جماعات يهودية متديّنة مواقف رافضة للصهيونية أو متحفّظة تجاهها لأسباب دينية، ثم أخذت العلاقة بين القومية اليهودية والموروث الديني تتشكّل تدريجيًا عبر عمليات متبادلة من إعادة التفسير والتوظيف.

توظيف بعض عناصر الموروث الديني لتأكيد الصلة بفلسطين

وقد أشار عالم الاجتماع الإسرائيلي يَهودا شَنْهاف إلى أنّ المشروع الصهيوني أدخل ممارسات دينية يهودية سابقة على ظهور القومية الحديثة ضمن الإطار القومي، وأسهم هذا المسار في تقارب الحدود بين اليهودية كدين واليهودية كهوية قومية، وفي توظيف بعض عناصر الموروث الديني لتأكيد الصلة بفلسطين ومنح المشروع القومي مشروعية تاريخية ورمزية ارتبطت لاحقًا بالاستيطان والسيطرة على الأرض الفلسطينية العربية.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن