في هذا الكتاب الشيّق يحضر الهم الإشكالي الفلسفي وجماليّة التعبير الأدبي، مع تفكير معمّق في مفهوم الكتابة ودلالات المعنى. نادرًا ما تناول المفكّرون العرب هذه المسألة بالنظر والبحث، على الرغم من وجود تقليد تراثي هام تعرّض لموضوعات الكتابة والمعنى، من أبرز أعلامه الجاحظ وأبو حيّان التوحيدي.
بيد أنّ المؤلف وإن تعرض للكتابات التراثية لدى البلاغيّين والأدباء والرواة، يختار منحى آخر هو النهج السيميائي - الفلسفي من خلال الرجوع إلى أفكار وآراء معاصرة، لا يعرف عنها القارئ العربي الكثير (من رولان بارت وإميل بنفينيست، إلى الفيلسوفيْن الفرنسي بول ريكور والإيطالي جورجيو أغامبن).
نجح في التنبيه إلى الفروق الكبرى بين نمط الكتابة التراثية والكتابة الحديثة
في هذا الكتاب، نلمس ثلاث إشكاليّات كبرى، يعرف أصدقاء بنسعيد العلوي وقرّاؤه أنها من مشاغله الثابتة: رهانات المعنى في التأويلية الإسلامية عند المتكلمين والأصوليين والبلاغيّين والفلاسفة، ونظريّات الخطاب المُعاصرة وما يتعلّق بها من مقاربةٍ للمؤلف من حيث هو صانع معرفي له منزلته في استراتيجيّات الحقيقة والمعنى، وأشكال التعبير الحديثة في علاقتها بالظواهر الاجتماعية والتاريخية وانعكاساتها على الخصوص في الأدب الروائي.
ليس من همّنا تلخيص الآراء الهامّة التي تناولها بنسعيد في هذا الكتاب الفلسفي العميق، وإنّما حسبنا الإشارة إلى ثلاث أفكار أساسية نعتقد أنها محورية في الموضوع الذي تعرّض له المؤلف:
أوّلًا: لقد نجح بنسعيد في التنبيه إلى الفروق الكبرى بين نمط الكتابة التراثية والكتابة الحديثة، مبرزًا على الخصوص أنّ مفهوم المؤلف جديد في التقليد الثقافي العربي. قديمًا شغل البلاغيّون والأدباء بالتساؤل حول ثنائيّة اللفظ والمعنى، واشتهرت في هذا الباب عبارة الجاحظ "المعاني مطروحة في الطريق... وإنّما الشأن في إقامة الوزن وتخيّر اللفظ... وجودة السبك". ولقد مال الفلاسفة عمومًا إلى أنّ المنطق هو ميزان المعاني خارج ضوابط وأنساق اللغة، وهي مقاربة لم تعد اليوم مقبولةً منذ قيام ما سمّي بالمنعرج اللغوي في العلوم الإنسانية، في سياق الثورة التي أحدثتها اللسانيّات والفلسفة التحليلية.
صحيح أن الفلسفة المعاصرة أعلنت "موت المؤلف" (رولان بارت) بعد "موت الإنسان" (ميشال فوكو)، لكن نموذج المؤلف ارتبط بتشكّل نمط من الفاعل المعرفي المعبر عن ذاتيّته الواعية الحرّة، وهو مفهوم يتعارض مع الكاتب من حيث هو المبلغ أو المعبر عن الحقيقة الوجودية الخارجة عنه.
العمل الأدبي يسمح أحيانًا بالتعبير عن إشكالات لا يمكن التعبير عنها بالنظريات العقلانية
ثانيًا: لم تكن ثنائية الصوت والمكتوب جديدة في التفكير الفلسفي، فقد عالجها كما هو معروف أفلاطون في محاورة "فيدروس"، معتبرًا أنّ الكتابة تمنح الإنسان صورةً مزيفةً من المعرفة تختلف عن العلم الحقيقي، فالنصّ أخرس وأقلّ شأنًا من النطق الحي. والمعروف أنّ جاك دريدا قلب جذريًّا هذه النظرية، منتقدًا ما سمّاه "مركزية النطق" التي لا ترى في الكتابة سوى طريقة للحفاظ على الكلام الملفوظ، في حين أن النص هو نسق دلالي مستقل عن "مؤلفه"، ومن ثم فإنّ المعنى يتولّد عن الأثر المكتوب ولا يمكن ربطه بوضع دلالي أصلي.
ولا شك أنّ لهذه النظرية التي يعرضها المؤلّف انعكاسات كبرى في الحقول المعرفيّة والدلاليّة المختلفة.
ثالثًا: طرح بول ريكور سابقًا سؤال التمييز بين التاريخ والرواية الأدبية من حيث اتفاقهما في الحبكة السردية، وإن اختلفا في المنزلة الإبستمولوجية (التاريخ كرواية حقيقية والرواية كسرد كاذب). إلّا أنّ ثنائية الحقيقة والكذب تكتسي اليوم كما بيّن المؤلف أبعادًا جديدةً، من بينها ميل العديد من المفكرين والفلاسفة (من بينهم سعيد بنسعيد العلوي نفسه) إلى المزاوجة بين الكتابة النظرية والعمل الأدبي الذي يسمح أحيانًا بالتعبير عن معانٍ وإشكالات لا يمكن التعبير عنها بالمفاهيم والنظريّات العقلانية.
(خاص عروبة 22)

