بعد الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية في روما برعاية الولايات المتحدة الأمريكية، وقبل الإعلان عن موعد الجولة الثامنة التي يقال إنها قد تعقد في مطلع الشهر القادم، الأمر الذي يدل على حجم التحديات أو العوائق الفعلية التي تضعها إسرائيل على طاولة المفاوضات، يمكن إدراج الملاحظات التالية: استمرار إسرائيل في سياسة "التفاوض بالنار" على الأرض الهادف إلى خلق واقع جديد، بغية فرض شروطها وأولوياتها على "التفاوض حول الطاولة".
يشهد على ذلك التصعيد العسكري الإسرائيلي في الجغرافيا (وصل إلى البقاع الغربي) وفي القوة والكثافة النارية. تصعيد لم يتوقف بل صار مواكبا للمفاوضات،لا يعني ذلك بالطبع أن إسرائيل قادرة في نهاية المطاف أن تفرض أولوياتها ومقاربتها للمسار التفاوضي ولكنها تهدد هذا المسار بشكل كبير وخطير. ولا بدّ من التذكير أن التفاوض ليس غاية في حد ذاته بل وسيلة دبلوماسية وواقعية، ولو دونها الكثير من التحديات والصعاب، لوقف العدوان وتحرير الأرض الوطنية بشكل كامل وإنهاء الحرب.
استراتيجية التفاوض الإسرائيلية تقوم على سياسة تجريف الأرض وإشعال النار في الأحراج والأراضي الزراعيةً والتدمير الممنهج لقرى ومناطق سكنية بحيث يصبح من الصعب عودة الحياة إليها فيما لو توقفت الأعمال العسكرية الإسرائيلية غدا، والغد تحدده إسرائيل حسب هذه السياسة. والجدير بالذكر أن إسرائيل تعمل على تعزيز ما يسمى بالحزام الأمني أو المنطقة الأمنة في الأراضي اللبنانية تحت سيطرتها الكلية وضمن إطار زمني مفتوح تقرره وحدها كما يذكر مسؤولوها كل يوم.
ويبدو أن استراتيجية التفاوض الإسرائيلية على "الطاولة الدبلوماسية" تهدف إلى تقطيع الوقت ضمن منطق التفاوض للتفاوض. إسرائيل تبدي الاستعداد لتناول بعض العناوين والبقاء بعيدا عن المضامين لمواضيع أكثر من أساسية في المفاوضات مثل الحدود (التأكيد اللبناني على تثبيت وليس ترسيم الحدود كما نذكر دائما إذ إن حدودنا الجنوبية معترف بها دوليا وهي الحدود اللبنانية الفلسطينية التي رسمت في العام 1923).
إن منطق التفاوض للتفاوض حول الطاولة الذي يمثل مقاربة إسرائيل الفعلية للمفاوضات يشكل سمة ناظمة للمفاوض الإسرائيلي. يزيد من حدة ذلك التصعيد السياسي الذي يواكب التصعيد على الأرض كلما اقترب موعد الانتخابات النيابية في نهاية أكتوبر القادم. نتنياهو وحلفاؤه وخصومه يخوضون كلهم حروبهم السياسية الانتخابية في "مسارح" ثلاث هي غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان. وفي هذا السياق لا بد من التذكير بأن الرئيس جوزيف عون، في كلمته في عشاء السفارة اللبنانية في واشنطن في 22 يوليو، قدم مقاربة "لمسألة السلاح" تقوم على الواقعية والتدريجية والشمولية، آخذا بعين الاعتبار تجارب مشابهة للحالة اللبنانية (الجيش الجمهوري الأيرلندي والقوات المسلحة الثورية في كولومبيا) مقاربة هي بمثابة خريطة طريق لتنفيذ قرار حصرية السلاح في يد الدولة اللبنانية وكذلك بالطبع قرار الحرب والسلم. وقد ذكر بأن تلك المقاربة لا تجعل الهدف أقل إلحاحا بل تجعل الأسلوب أكثر أهمية. الأسلوب الذي يساعد بقوة على عودة الدولة إلى دورها الطبيعي والكلي في كل ما يتعلق بقضايا الأمن الوطني وعلى كافة التراب اللبناني.
إن المطلوب اليوم لإنقاذ المفاوضات من التباطؤ أو التعثر أو احتمال الفشل كما يصفها كل طرف حسب موقعه أو رويته يكمن في توفير الدعم الفعلي بجميع أشكاله من الأطراف الدولية والإقليمية المؤثرة وفي طليعتها دون شك وبشكل خاص الطرف الأمريكي الذي هو راعي ومهندس المفاوضات. هذا الدعم يكون من خلال الدفع الفعلي لتحقيق المطالب اللبنانية الأكثر من أساسية لمسار تفاوضي فاعل وفعال، وهي تثبيت وقف إطلاق النار وليس التفاوض تحت النيران الإسرائيلية ووقف عمليات التدمير والتجريف الممنهج التي تهدف إلى تغيير الوضع كليا في الجنوب، غداة انتهاء الحرب الإسرائيلية متى انتهت، وكذلك وضع جدول زمني واضح للانسحاب وانتشار وسيطرة الجيش اللبناني كليا على المنطقة الممتدة من جنوب الليطاني، إلى الحدود الدولية للبنان مع تثبيت هذه الحدود كما أشرنا وتفعيل اتفاقية الهدنة مع تطويرها إذا اقتضى الأمر.
إن استقرار لبنان عبر إنهاء الاحتلال الإسرائيلي في "الجبهة الجنوبية" وبسط سيطرة الدولة اللبنانية كليا على أراضيها أمر أكثر من ضروري لإطلاق مسار "العودة إلى الدولة". الشرط الأكثر من ضروري للإنماء الوطنى الشامل المتعدد والمترابط الأبعاد، وكذلك أمر ضرورى للإسهام في استقرار إقليم شرق أوسطي يعيش تمخضات ونزاعات وحروب بأشكال وعناوين متعددة تؤثر بعضها بالبعض الآخر بأشكال ودرجات مختلفة.
(الشروق المصرية)

