كانت أوّل دولة أعلنت الدستور هي تونس عام 1860، في وثيقة تتضمن مبادئ المساواة وحرية الرّأي والتملّك. ولا يخفى أن هذه التنظيمات قد جاءت أيضًا بضغوط من الدول الأوروبية.
وأعلنت الدولة العثمانية الدستور عام 1876، وتمّ انتخاب ممثلين عن الولايات، إلا أنّ السلطان عبد الحميد علّق الدستور بعد سنة من إعلانه، الأمر الذي أدّى إلى نشوء أكثر من فريق يطالب بإعادة العمل بالدستور، ما أفسح المجال لظهور الحياة السياسية بمعناها الحديث. وبالفعل فإنّ المعارضة الممثلة خاصةً بحزب "الاتحاد والترقّي" استطاعت من خلايا في الجيش أن تقوم بانقلاب عام 1908، أعاد العمل بالدستور، وأطلق الحريات وأحدث موجةً عارمةً من التفاؤل التي لم تعمّر سوى سنوات قليلة، إذ اندلعت الحرب العالمية الأولى عام 1914 التي أدّت إلى هزيمة الدولة العثمانية ونهايتها.
الدساتير العربية التي صيغت بعد الحرب العالمية الأولى كانت دساتير ليبيرالية تنصّ على الحياة الديموقراطية
وخلال الفترة بين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، تكوّنت نخب إدارية وثقافية في لبنان ومصر وظهرت التيّارات الفكرية والسياسية وعرفت مصر الأحزاب. كما عُرفت الصحف التي تنشر المقالات المعبّرة عن الآراء السياسية، وكان الطابع العام للتفكير السياسي هو التأثّر بمبادئ الحرية والمساواة وحقوق الإنسان والتعددية الحزبية، والتأثر بأفكار الليبيرالية الأوروبية التي تعرّف إليها مثقفون عرب في مصر والمشرق عامة، ولهذا فإنّ الدساتير التي صيغت بعد الحرب العالمية الأولى في كل من دمشق من جانب الحكومة العربية (وهو دستور لم يقرّ بسبب احتلال الفرنسيين لسوريا) ثم الدستور المصري عام 1923 والدستور اللبناني عام 1926، كانت دساتير ليبيرالية تنصّ على الحياة الديموقراطية والانتخابات البرلمانية وحريّة الرّأي، على غرار ما كانت الدساتير في دول أوروبا تنصّ عليه.
إلّا أنّ الحكومات الليبيرالية في دول أوروبا واجهت تيّارات راديكالية قومية واشتراكية تعارض الحكومات الليبيرالية التي تدّعي التمسّك بالحريات العامة كحرية العمل والرّأي والدين والتملّك. فهذه الحريّات لا يتمتع بها إلّا الرّأسماليون وأصحاب المصارف والمصانع… إلخ؛ وهذه الطبقات لا تقيم أي وزن للمساواة التي تنصّ عليها شرعة حقوق الإنسان أيضًا.
كانت وسيلة الوصول إلى السلطة لدى الاتجاهات العقائدية هي العسكر
وعلى هذا النحو، نشأت تيّارات قومية تنادي بالمساواة بين أبناء الوطن واشتراكية تطالب بحقوق العمال الذين لا يملكون سوى قوة عملهم. وقد وصل إلينا صدى هذه التيارات، فنشأت في مصر ولبنان وسوريا وغيرها تيّارات قومية فرعونية وعربية وسورية، وظهرت الأحزاب الشيوعية التي تُدين الحكومات الليبيرالية وتتهمها بتغليب مصالح الإقطاعيين والصناعيين والبورجوازيين على حساب الفلاحين والعمّال والفقراء. والواقع أنّ تعثّر الحكومات التي تستند إلى مبادئ دستورية وصراعات الأحزاب على السلطة، قد أكسب المعارضين مؤيدين وخصوصًا بين الفئات الوسطى والدنيا التي اكتشفت أنها لم تحصد أي مصلحة من هذه الحكومات، ولا من الدساتير التي تكثر من المبادئ التي لا تجد سبيلًا إلى التطبيق عمليًا.
وكانت وسيلة الوصول إلى السلطة لدى هذه الاتجاهات العقائدية هي العسكر. وبالإضافة إلى الانقلابات المبكّرة التي شهدتها سوريا عام 1949، لعل الانقلاب الأبرز كان في مصر في شهر يوليو/تموز عام 1952، الذي قام به الضبّاط الأحرار الذين عمدوا في أوّل إجراءاتهم إلى الإصلاح الزراعي وتوزيع الأراضي على الفلاحين ثم التأميم لاحقًا، وهذا ما شهده العراق وسوريا والجزائر وغيرها من البلدان التي عرفت الانقلابات العسكرية، وقامت حكومات تنادي بالمساواة عبر تطبيق ممارسات باسم الاشتراكية من تأميم للمصانع ومصادرة للأراضي وإعطائها للفلاحين، واعتمدت هذه الأنظمة شعارات تنطق باسم العمّال والفلّاحين وإحلال المساواة بين المواطنين ولكن على حساب الحريات فألغيت الأحزاب وأصبحت الصحف تدار من وزارة الإعلام أو الأجهزة الأمنية، وصودرت الحريات العامة، فلا حرية رأي ولا حرية انتقال، وحلّت العقيدة الواحدة بدل التعدّدية السياسية والفكرية.
الحرية تعني أيضًا تكافؤ الفرص بين أبناء البلد الواحد
هكذا ومنذ خمسينيّات القرن العشرين حلّت الأنظمة الأحادية تدريجيًا مكان الأنظمة التعدّدية الليبيرالية التي اتُّهمت بالعمالة وسوء الإدارة، وقد يكون بعض هذه الاتهامات صحيحًا، ولكنّ الثمن كان إلغاء الحريات العامة، باسم إحلال المساواة التي لم تتمخّض سوى عن حكومات تديرها جماعة ذات أصول أمنية وعسكرية، أفقرت البلاد ولم تحقّق المساواة، وصرنا بلا حريات ولا مساواة ولا أخوة.
وإذا كان السؤال كيف نستعيد الحياة الديموقراطية فإنّ ذلك لن يحدث إلّا بعودة الحياة السياسية القائمة على حرية الرأي والتعددية الفكرية والعقائدية، مع تحقيق التوازن بين الحرية والمساواة. فالتفاوت الكبير بين مجتمعات الريف والمدن، وبين مجتمع البداوة والريف، وبين المدن والعشوائيات، لا يمكن أن يفضي إلى مواطنة حقيقية، فالحرية تعني أيضًا تكافؤ الفرص بين أبناء البلد الواحد في التنمية والتعليم والخدمات، الأمر الذي يصل بنا إلى المساواة في الحقوق والواجبات!.
(خاص عروبة 22)

