بصمات

العدميّة في تاريخ الفكر!

مـا كـان يـسـعُ الـفـكـر الـعـربـيّ الـحـديـث والـمـعـاصـر أن يـقـدّمـه مـن مـواردَ فـكـريّـة جـديـدة، عـلى طـريـق تـجـديـد رؤيـة الـعـرب إلـى الـعـالـم ومـسـائـل الاجـتـمـاع الإنـسـانـيّ والـمـعـارف...، قـدَّمـه فـي الـمـائـتـيْ عـامٍ الأخـيـرة مـنـذ رحـلـة الـطّـهـطـاويّ إلـى بـاريـس (1826) التي نـحـتـفـل بـحـلـولِ مـئـويّـتـهـا الـثّـالـثـة - وذلـك فـي لـحْـظـاتـه الـفـكـريّـة الـثّـلاث الـكـبـرى: الإصـلاح، الـنّـهـضـة، الـحـداثـة.

العدميّة في تاريخ الفكر!

لـن نـقـول، طـبـعـًا، إنّـه مـا مـن حـاجـةٍ إلـى مـزيـد؛ لأنّ الـمَـزيـد مـن مـطـلـوبـات الـعـقـل والـنّـفـس والـواقـع، ولـكـن نـقـول إنّـه مـا مـن حـجّـةٍ يـمـكـن أن يُـقـيـمـهـا عـلى هـذا الـفـكـر مَـن يـبْـغـي دَمْـغـه بـالـنّـكـوص والـقـصـور والـتّـلـكُّـؤ أمـام مـهـمّـة الـتّـجـدُّد الـذّاتـيّ، مـن طـريـق الاغـتـذاء الـمـسـتـمـرّ مـن مـصـادر الـمـعـرفـة الإنسـانـيّـة، والـتّـأقـلـمِ مـع مُــتـغـيّـرات الـواقـع والـفـكـر؛ فـهـو فـي هـذا قـدّم مـا يـسـتـطـيـعُـهُ ويـجـدرُ بـه فـعـلُـه؛ هـذا بـمـعـزلٍ عـمّـا إذا كـان مـا قـدّمـه فـكـرُنـا مـن رصـيـدٍ مـعـرفِـيٍّ قـد وجـد لـنـفـسـه مـسـاربَ يَـلـج مـنـهـا إلـى الـتّـأثـيـر الـمـبـاشـر فـي الـواقـع الاجـتـمـاعـيّ والـسّـيـاسـيّ الـقـائـم؛ ذلك أنّ مُـنـتـجـي الـمـعـرفـة لـيـسـوا مسـؤولـيـن عـن مـآلات مـعـارفـهـم فـي الـواقـع، لأنّـهـم - بـبـسـاطـة - لـيـسـوا هُـم مَـن يـقـومـون عـلى ذلـك الـواقـع: عـلى ظـواهـره ومـؤسّـسـاتـه وعـلاقـاتـه... تـوجـيـهـًا وتـدبـيـرًا؛ فـهُـم أهْـلُ نـظـرٍ لا أهـل عـمـل، مـسـؤولـيّـتُـهـم تـنـحـصـر فـي نـطـاق نـظـام اشـتـغـالـهـم الـفـكـريّ ولا تـتـعـدّى الـمـسـؤولـيّـة الـمـعـرفـيّـة عـن دقّـة مـا أنـتـجـوه مـن أفـكـارٍ ورؤًى وعـن مـدى تـنـاسُـبـهـا مـع مـعـايـيـر الإنـتـاج الـفـكـريّ الـمـتـعـارَف عـلـيـهـا.

يجب تحرير النظر إلى تاريخ الفكر العربي من كل نظرة عدمية إليه تستصغر شأن مكتسباته وتحوّلاته

قـد تـسْـنـح فـرصـةٌ للـتّـفـكـيـر فـي ظـاهـرة الـفـجـوة الـكـبـيـرة الـتي تـفـصـل الـعـمـلَ عـن الـنّـظـر، الـسّـلـطـةَ عـن الـمـعـرفـة، وتـحـلـيـل الـعـوامـل الـتي تـصـطـنـعـهـا فـي الاجـتـمـاع الـعـربيّ عـلى وجْـه الـتّـحـديـد. أمّـا الـذي يـعْـنـيـنـا، فـي مـا نـحـن فـيـه، فـهـو تـحـريـرُ الـنّـظـر إلـى تـاريـخ الـفـكـر الـعـربـيّ الـحـديـث والـمـعـاصـر مـن كـلّ نـظـرةٍ عـدمـيّـةٍ إلـيـه تـسـتـصـغـر شـأن مـكـتـسـبـاتـه وتـحـوّلاتـه إلـى الـحـدود الـتي تـبـلـغ فـيـهـا، أحـيـانـًا، عـتـبـةَ الـحـكـم عـلـيـه بـأحـكـامٍ صِـفْـريّـة تـودي بـه إيـداءً وتـمـحـو نـتـائـجَـه مـحْـوًا كـامـلًا!.

مـن أسـفٍ أنّ الـغـالـب عـلى الـدّراسـات الـنّـقـديّـة لـتـاريـخ الـفـكـر الـعـربـيّ الـمـعـاصـر الـمـيْـلُ نـحـو هـذه الـنّـظـرة الـعـدمـيّـة إلـى ذلـك الـتّـاريـخ، وتـضـخـيـمُ حـجـم الـتّـطـلُّـب لـمـا يـنـبـغـي أن يـكـونَـه الـفـكـرُ الـعـربـيّ! وعـنـدي أنّ فـي مـثـل هـذه الـنّـظـرة الـعـدمـيّـة مـنـتـهى الـحـيْـف والـشّـطـط فـي الـتّـقـديـر والـحـكـم، وهـي - لـهـذا السّـبـب - عـديـمـة الـصّـلاحـيّـة لـتـقـديـم قـراءة مـوضوعـيّـة لـتـاريـخ الـفـكـر ومـكـتـسـبـاتـه.

وقـد تـكـون لـتـلـك الـعـدمـيّـة فـي الـنّـظـر إلـى فـكـرنـا الـحـديـث والـمـعـاصـر أسـبـابٌ شـتّـى تـقـود إلـيـهـا وتَـحْـمـل عـلـيـهـا. يـكـفـيـنـا أن نـشـيـر إلـى سـبـبـيْـن اثـنـيْـن مـنـهـا نَـحْـسَـبُـهـمـا مـن أظْـهـر تـلك الأسـبـاب:

أوّلـهـمـا أنّ مـأْتـى الـنّـزعـةِ الـعـدمـيّـة، فـي وجْـهٍ مـن وجـوهـهـا، مـن وضـع الـفـكـر الـعربـيّ الـمـعـاصـر فـي مـيـزان الـفـكـر الـغـربـيّ وقـيـاسِـه بـه. هـذا الـنّـوعُ مـن الـقـيـاس بـاطـلٌ لأنّـه لا يـأخـذ فـي الـحـسـبـان جـمـلـةً مـن الـحـقـائـق الـخـلْـفـيّـة يـمـتـنـع مـعـهـا كـلُّ إمكـانٍ للـمـقـارنـة والمـضـاهـاة بـيـنـهـمـا: مـنـهـا حـقـيـقـةُ الـتّـفـاوُت فـي الـتّـطـوّر بـيـن فـكـرٍ شـهِـد عـلى صـعـوده الـعـقـلانـيّ الـحـديـث، مـنـذ نـهـايـات الـقـرن الـسّـادس عـشـر، وتـرسّـخـت فـيـه قـيـم الـحـداثـة وتـوطّـنـت فـيـه وصـولًا إلـى تـوطُّـنـهـا فـي الـذّهـنـيّـة الـعـامّـة، وفـكـرٍ (هـو الـفـكـر الـعـربـيّ) لـمّـا يـشـهـد بـعـدُ عـلى نـظـيـرِ ذلـك ولا نـجـحـت قـيـمُ الـحـداثـة فـي أن تـسـتـوطـن فـيـه إلاّ الـنّـذر الـيـسـيـر فـي زمـنٍ قـصـيـر لا يُـجـاوِز بـضـعـة عـقـود؛ ومـنـهـا حـقـيـقـة الـصّـلـة بـيـن الـفـكـر والـواقـع الـذي يـسـبـح فـيـه، ويـعـبِّـر عـنـه، ويـفـكّـر فـي قـضـايـاهُ وتـحـدّيـاتـه فـيـتـأثّـر بـه سـلـبـًا وإيـجـابـًا، والـصّـلـةُ تـلك لـيـسـت واحـدةً في الـحالـتـيْـن: إذْ كـلٌّ مـن الـفـكـريْـن يُـعـبِّـر عـن واقـع (اجـتـمـاعـيّ، اقـتـصـاديّ، سـيـاسـيّ، ثـقـافـيّ...) مـخـتـلـف، ويـواجـه أسـئـلـةً وتـحـدّيـاتٍ مـخـتـلـفـةً لا تَـقْـبـل الاسـتـعـارة، مـثـل الـمـفـاهـيـم والأدوات الـمـنـهـجـيّـة، ولا الـجَـمْـعَ تـحـت عـنـوانٍ واحـد. حـيـن لا تُـؤخـذ هـاتـان الـحـقـيـقـتـان - حـتّـى لا نـذكُـر غـيـرهـمـا - فـي الـحسـبـان تـصـيـر الـمـضـاهـاةُ وقـيـاسُ الـمـقـارنـة ضـربـًا مـن الـعـبـث لا يـنـجُـم عـنـه سـوى مـثـل تـلك الـنّـظـرة الـعـدمـيّـة إلـى الـفـكـر، مـع مـا يـصـاحـبـهـا ويـقـتـرن بـهـا مـن حـيْـفٍ فـي الأحـكـام وشـطـط...، بـل مـن سـقـوطٍ فـي مـطـبّ اسـتـبـطـان الـنّـظـرة الـمـركـزيّـة الـغـربـيّـة إلـى الـثّـقـافـات ومـعـايـرتـهـا بـمـعـيـارٍ واحـد: غـربـيّ!.

أهم الموارد التي تمنح الفكر العربي أسباب فعاليته هو مستوى انتظام عملية تطوّره

ثـانـيـهـمـا أنّ الـنَّـقـصَ فـي الـحـسّ الـتّـاريـخـيّ، أو فـي الـتّـشـبُّـع بـقـيـم الـتّـاريـخـيّـة (L’historicité)، يـقـود - عـلى الأغـلـب - إلـى إفـقـار الـمُـعـطـى الـمـفـكّـر فـيـه (الـفـكـر الـعربـيّ فـي حـالـتـنـا) مـن كـلّ الـمـوارد الـتي تـمـنـحـه أسـبـاب فـعـالـيّـتـه. أهـمّ تـلك الـمـوارد - فـي مـا يـعـنـيـنـا - مـسـتـوى انـتـظـام عـمـلـيّـة تـطـوُّر الـفـكـر الـعـربـيّ الـمـعـاصـر وتـنـاسُـبـه (أو عـدم تـنـاسُـبـه) مـع حـاجـاتـه الـفـكـريّـة الـدّاخـلـيّـة ومـع مُـحـيـطـه الاجـتـمـاعـيّ. الـمـقـيـاس هـنـا هـو تـاريـخُـه الـخـاصّ: تـاريـخُـه الـفـكـريّ الـذي يـتـطـوّر فـيـه وتـتـراكـم، فـي امـتـداده، مـعـطـيـاتُ تـقـدُّمـه؛ وتـاريـخُ عـلاقـتـه بـأسـئـلـة واقـعـه ومـدى مـا لـديـه مـن قـدرةٍ عـلى تـقـديـم إجـابـاتٍ فـكـريّـةٍ عـنـهـا.

حـيـن يـعـانـي خـطـابٌ مـا نـقـصـًا فـي مُـعـدّل الـتّـاريـخـيّـة فـيـه، فـيـنـصـرف إلـى رؤيـةِ مـوضوعـه مـجـرّدًا مـن هـذه الـمـوارد والأَشـراط لا يـعـدم، عـنـدهـا، من أن يـسـقـط فـي شـراك الـنّـزعـة التي تُـنْـكِـر كـلّ تـاريـخـيّـة، لأنّـهـا تُـنـكِـر كـلّ قـيـمـةٍ وكـلّ مـعـنـى للشّـيء الـذي "تـتـنـاول". لـذلـك لا غـرابـة فـي أن تـنـفـيَ عـن الـفـكـر الـعـربـيّ الـمـعـاصِـر كـلّ قـيـمـةٍ حـديـثـة فـتُـزْري بـه وتـرى إلـيـه بـقـدرٍ مـن الاسـتـعـلاء "الـفـكـريّ" مـن مـوقـعٍ بـرّانـيّ عـنـه تـمـامـًا!.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن