اليهودية ديانة سماوية ذات حضور تاريخي عريق، واليهودي في ذاته لا يمثّل مشكلةً بسبب دينه أو هويته. أمّا الصهيونية، فهي حركة سياسية ذات مشروع استيطاني ارتبط بإقامة دولة إسرائيل على أرض فلسطين، وما ترتّب على ذلك من اقتلاع وتهجير للفلسطينيّين وفرض واقع سياسي وجغرافي جديد.
الانتماء إلى اليهودية لم يمنع أفرادًا وعائلات يهودية من الشعور العميق بالمصريّة
ومن هنا تأتي أهمية قراءة "مذكّرات شيكوريل"، لأنها تفتح نافذةً على تجربة عائلة يهودية عاشت في مصر، وشاركت في حياتها الاقتصادية والاجتماعية، وارتبطت بها وجدانيًّا إلى درجة جعلت مصر جزءًا أصيلًا من ذاكرتها وهويتها. وتصف المذكّرات تاريخ عائلة هاجرت إلى مصر من إزمير عام 1870، ثم أصبحت من العائلات المعروفة في الحياة الاقتصادية المصرية.
شيكوريل... مصري حتى النّخاع
تُقدّم المذكّرات نموذجًا بالغ الدلالة للتمييز بين الانتماء الديني والانتماء الوطني. فقد كان سالفاتور شيكوريل، رئيس الطائفة اليهودية في مصر ما بين عامَيْ 1946 و1957، حاضرًا في الحياة المصرية، ويصفه ابنه بأنّه كان "مصريًا حتّى النّخاع"، وأنّه سعى إلى وضع خبراته وعلاقاته في خدمة بلده مصر.
كما ارتبطت الأسرة بمؤسسات اقتصادية واجتماعية مصرية، وأسهمت في تأسيس البنوك، وبناء المدارس والمستشفيات، والعمل الخيري. وهنا تظهر حقيقة تاريخية مهمّة: الانتماء إلى اليهودية لم يمنع أفرادًا وعائلات يهودية من الشعور العميق بالمصريّة والمشاركة في بناء المجتمع المصري. فالهوية الدّينية يمكن أن تتعايش مع الهوية الوطنية، وقد عاش اليهود المصريون جزءًا من تاريخ مصر الحديث ضمن نسيج اجتماعي متعدّد الأديان والجاليات.
مصر في ذاكرة الطفل اليهودي
تكتسب شهادة رونالد شيكوريل أهميةً خاصةً لأنها تأتي من ذاكرة طفل عاش سنواته الأولى في مصر. وهو يستعيد المعادي والزمالك والمدرسة والأصدقاء والبيئة الاجتماعية التي نشأ فيها، ويقول: "لا أتذكر قطّ أي مشهد عدواني أو عنيف، دائمًا ما كنت أرى الطيبة واللطف والاحترام في كل مكان".
اسم "شيكوريل" من الأسماء البارزة في الحياة التجارية المصرية
وتكشف هذه الشهادة عن صورة مصر في ذاكرة صاحب المذكرات؛ مصر التي احتضنت عائلة يهودية، ومكّنتها من بناء نشاط اقتصادي واسع، وجعلت اسم "شيكوريل" واحدًا من الأسماء البارزة في الحياة التجارية المصرية. فقد أصبحت محلّات شيكوريل، التي أسّسها مورينو شيكوريل عام 1887، علامةً بارزةً في الاقتصاد والحياة الاجتماعية المصرية، وارتبطت بالعائلات الملكية والأرستقراطية، ثم مرّت بتحوّلات قاسية مع أحداث 1948 و1952 وتأميمها عام 1956.
سالفاتور شيكوريل... المثال الذي يفرّق بين اليهودية والصهيونية
من أكثر المواضع دلالةً في المذكرات قول رونالد عن والده: "أعلم أنّ أبي لم يكن صهيونيًّا إطلاقًا"، وأنّ إسرائيل لم تكن في نظره وجهة لعائلته. هذه الشهادة تفتح بابًا مهمًّا لفهم التاريخ بعيدًا عن التعميم.
فوجود يهودي في مصر لا يعني تلقائيًا تبنّيه الصهيونية، كما أنّ الانتماء إلى اليهودية لا يعني تبنّي سياسات إسرائيل. وقد كان سالفاتور شيكوريل نموذجًا ليهودي مصري رأى وطنه في مصر، وظلّ مرتبطًا بها، حتى في مرحلة اشتدّت فيها الصراعات السياسية في المنطقة.
وتزداد دلالة ذلك عندما تذكر المذكّرات أنّ جمال عبد الناصر كان من ضيوف منزل الأسرة في الزمالك، وأنّ الرئيس أنور السادات وجّه رسالةً إلى سالفاتور عام 1976 يدعوه فيها إلى العودة إلى القاهرة، مع وعد بإعادة ممتلكاته، غير أن الوفاة حالت دون عودته.
مصر المتنوّعة... والتاريخ بكل تعقيداته
تُقدّم المذكرات صورةً مهمةً عن مجتمع مصري متعدّد الطوائف والجاليات. وتصف المصادر الواردة حول الكتاب تلك المرحلة باعتبارها فترة شهدت تداخلًا بين الطوائف الدينية والجاليات المختلفة، كما تؤكد مشاركة عائلات يهودية في النشاط الاقتصادي والاجتماعي والخيري.
يهود مصريون أحبّوا مصر وأسهموا في اقتصادها ومؤسّساتها وهناك مَن رفض الصهيونية واختار مصر وطنًا له
عرفت مصر عبر تاريخها الحديث مساحات واسعة من التعايش بين المسلمين والمسيحيين واليهود، وبين المصريين وأبناء الجاليات الأوروبية والمتوسطية. وكانت مدنها، وخاصّةً القاهرة والإسكندرية، فضاءً للتجارة والتعليم والثقافة والعمل المشترك. وتُظهر عائلة شيكوريل في المذكّرات جانبًا من هذه الصورة؛ عائلة يهودية الأصل، مصرية الارتباط والانتماء، شاركت في الحياة الاقتصادية وأسهمت في مؤسّسات المجتمع والعمل الخيري. وتساعد استعادة هذه الصفحة من التاريخ على تجاوز الاختزال الذي يحصر علاقة مصر باليهود في الصراع السياسي الذي شهدته المنطقة منذ منتصف القرن العشرين.
مصر التي تتسع للاختلاف
تكمن الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من تجربة شيكوريل في أن التعايش الديني يصبح أكثر وضوحًا عندما ننظر إلى الإنسان قبل التصنيف السياسي. فالمصري اليهودي الذي عاش في القاهرة، ودرس في مدارسها، وبنى تجارته فيها، وخدم مجتمعه، وشعر بالحنين إليها بعد مغادرتها، يقدّم نموذجًا تاريخيًا مختلفًا عن الصور النّمطية التي تختزل اليهود في الصراع العربي - الإسرائيلي.
وفي الوقت عينه، فإنّ نقد الاحتلال أو السياسات الإسرائيلية يمكن أن يجري بصورة واضحة ومباشرة من دون تحويل هذا النقد إلى موقف من اليهودية أو اليهود كجماعة دينية. وهذه قاعدة ضرورية لفهم التاريخ بموضوعية، ولحماية فكرة التعايش من الخلط بين الدين والسياسة.
ذاكرة شيكوريل... شهادة على مصر المتعدّدة
تكشف "مذكرات شيكوريل" أنّ تاريخ مصر الحديث أكثر تنوّعًا وتعقيدًا من الروايات التي تختزله في ثنائية دينية أو سياسية. فهناك يهود مصريون أحبّوا مصر وعاشوا فيها وأسهموا في اقتصادها ومؤسّساتها، وهناك مَن رفض الصهيونية واختار مصر وطنًا له، كما تكشف المذكّرات في الوقت عينه عن التحوّلات السياسية التي دفعت عائلات يهودية إلى مغادرة البلاد.
اليهودية دين له احترامه والصهيونية مشروع سياسي
وهكذا تُقدّم المذكّرات فرصة لإعادة قراءة العلاقة بين مصر واليهود بعيدًا عن الأحكام العامة: اليهودية دين له احترامه، واليهودي إنسان تُقاس مواقفه بما يختاره من أفكار وأفعال، والصهيونية مشروع سياسي يمكن مناقشة أفكاره وممارساته، والاحتلال قضية سياسية وتاريخية تُناقَش على أساس الحقوق والوقائع.
ربما تكمن قوة التجربة المصرية في قدرتها التاريخيّة على استيعاب تعدّد الأديان والثقافات والجاليات، وعلى تحويل الاختلاف إلى جزء من النسيج الاجتماعي. وتأتي "مذكّرات شيكوريل" لتقدّم شهادةً شخصيةً على جانب من هذه التجربة؛ شهادة رجل غادر مصر منذ عقود، وظلّت مصر حاضرةً في ذاكرته باعتبارها المكان الذي وُلد فيه وعاش طفولته، والوطن الذي ظلّ يحمل له تعلّقًا عميقًا حتى بعد الرحيل.
(خاص عروبة 22)

