صحافة

معضلة البحث عن نظام للدفاع الإقليمي في الشرق الأوسط

إبراهيم نوار

المشاركة
معضلة البحث عن نظام للدفاع الإقليمي في الشرق الأوسط

وضعت درجة تعقيدات الوضع السياسي في الشرق الأوسط قيودا على تشكيل نظام دفاعي مشترك للمنطقة؛ حيث تجري العلاقات بين دولها، وبينها وبين العالم من خلال حالة "اللانظام" المؤسسي الإقليمي في كل المجالات تقريبا، وأخطرها مجال الدفاع. هذا لا يعني غياب مؤسسات للتعاون الإقليمي، فهناك مجلس التعاون وجامعة الدول العربية والاتحاد المغاربي، لكنه يعني حالة تقرب من شلل هذه المؤسسات في ما يتعلق بترتيبات الدفاع المشترك. ومع أن باري بوزان وأولى ويفر، قدما في كتابهما "الأقاليم والقوة: هيكل الأمن الدولي" الصادر عام 2003 تحليلا عميقا لنظام الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، فإن الاستنتاج الذي انتهيا إليه، من حيث تقسيم هيكل الأمن الإقليمي إلى ثلاثة أنساق فرعية، هي "أمن الخليج" و"أمن المشرق" و"أمن المغرب"، يتجاهل حقيقتين.

الأولى هي انتقال محور القوة الإقليمي شرقا من المشرق إلى الخليج بعد حرب أكتوبر 1973، ما أدى إلى تقديم صيغة جديدة للأمن الإقليمي، تعتبر أن التهديد الرئيسي الذي تواجهه المنطقة يأتي من إيران، وليس من إسرائيل. الحقيقة الثانية التي ترتبت على انتقال محور القوة شرقا هي انخفاض مستوى التفاعلات الدفاعية بين الدول المغاربية مع المشرق والخليج، خصوصا مع فشل الدولة في ليبيا، الذي حاولت المملكة المغربية أن تلعب دورا في إصلاحه، ثم توقفت تقريبا بعد اتساع الدور التركي.

وعلى أساس الصيغة الجديدة للتهديد الرئيسي للمنطقة، وقعت تطورات لاحقة خطيرة، انتهت إلى توطين القواعد العسكرية الأجنبية، والاستعداد لقبول نظام للأمن الإقليمي تقوده الولايات المتحدة، منذ احتلال العراق للكويت عام 1990. كذلك فإن بوزان وبيفر، خلطا بين التجمعات الإقليمية التعاونية، والتحالفات العسكرية؛ فقد فشل الاتحاد المغاربي ومجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية في خلق أنساق فرعية للدفاع المشترك بين أعضائها. هذا الخلط أدى إلى استنتاج وجود ثلاثة أنساق فرعية للدفاع المشترك في المنطقة "مشرقي" و"خليجي" و"مغاربي"، وهو استنتاج غير دقيق.

وأعتقد أن التوزيع الفرعي للأنساق الدفاعية الإقليمية، يجب أن لا يقوم فقط على أساس جغرافي، لأن تأسيس النسق الدفاعي يكون استجابة لمصدر ونوعية التهديدات. ويعتبر هانز مورغنتاو، أن الأحلاف العسكرية تنشأ بين دولتين، أو أكثر ردا على تهديدات مشتركة، وليس لمجرد القرب الجغرافي. ومع ذلك فإن ضرورة إنشائها تزداد في حال نشأ التهديد من دولة قريبة أقوى عسكريا، وذلك بهدف تعديل الخلل بواسطة الدول الأخرى القريبة، وإقامة "توازن القوى" مع مصدر التهديد. وهو ما قال به أساتذة المدرسة الواقعية الجديدة المحدثين مثل جون ميرشايمر وكينيث والتز.

وتظهر تطورات ما بعد فشل ثورات الربيع العربي، أن أنساق الدفاع المشترك الفرعية راحت تسعى بشكل عام إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية، الأول هو تثبيت نظم الحكم المحافِظة ضد احتمالات التغيير الديمقراطي، والثاني هو الاستعانة بالولايات المتحدة في تعزيز القدرات العسكرية لإقامة تعادل عسكري "توازن قوى" مع إيران، ومواجهة ما تحرزه من تقدم سريع في مجالات التكنولوجيا النووية وإنتاج الصواريخ، والثالث هو البدء في وضع أسس لتطوير قاعدة قوية للصناعات العسكرية والتكنولوجية المتطورة، خصوصا في السعودية طبقا لرؤية 2030. المفارقة التي وقعت في الفترة الأخيرة هي الفشل في إقامة قوة عسكرية عربية مشتركة للحرب في اليمن، ثم انهيار التحالف العسكري الثنائي (السعودي – الإماراتي)، وقيام السعودية بالدور الرئيسي وحدها. وبعد ذلك أصبحت السعودية طرفا في عدد من مبادرات الأنساق العسكرية الفرعية، تتضمن الخليج والبحر الأحمر والقرن الافريقي الكبير، تمثل في جوهرها محاولات للاقتراب من ترتيبات للدفاع المشترك تنبع من داخل المنطقة وبواسطتها، ما يساعد على تقليل الاعتماد الدفاعي على الولايات المتحدة وليس طردها من المنطقة.

الأنساق الدفاعية الإقليمية

تختلف الأنساق الدفاعية عن الأحلاف في أنها لا تحتاج بالضرورة الى اتفاقيات ومؤسسات وهياكل للقيادة وسياسات لها طابع الاستدامة. وهي تعبر عن نمط من التفاعلات العسكرية الإقليمية يستجيب للتهديدات الطارئة وعوامل زعزعة الاستقرار الإقليمي بما يرافقها من أضرار وخسائر اقتصادية، مثلما هو الحال في تهديد حرية الملاحة في ممرات مثل مضيق هرمز وباب المندب. وخلافا لما افترضه بوزان وويفر في كتابهما، من وجود ثلاثة أنساق للدفاع الإقليمي في الشرق الأوسط، فأنا أعتقد بوجود خمسة أنساق فرعية مختلفة، تأسيسا على طبيعة التهديدات والموقع الجيوستراتيجي. ويقع النسق الدفاعي الفرعي الأول في منطقة المشرق العربي، حيث تشكل إسرائيل المصدر الرئيسي للتهديد. ويؤثر في هذا النسق وتتأثر به سوريا ولبنان وفلسطين والأردن ومصر، إضافة إلى لاعبين غير حكوميين مثل، حزب الله في لبنان وحماس والجهاد الإسلامي في فلسطين.

النسق الثاني هو الخليج حيث تعتبر دول مجلس التعاون، باستثناء سلطنة عمان، أن إيران هي مصدر التهديد الرئيسي، بينما تعتبر إيران أن وجود القواعد العسكرية الأمريكية حولها تهديد عسكري لها. وتتداخل في هذا النسق قوى حكومية متناقضة وغير حكومية منها جماعات مسلحة في العراق واليمن، كما تلعب قوة عالمية هي الولايات المتحدة دورا رئيسيا في هذا النسق الدفاعي، من خلال القيادة العسكرية المركزية والأسطول الخامس. النسق الدفاعي الثالث هو البحر الأحمر وخليج عدن ومضيق باب المندب. مصدر التهديد الرئيسي هو أنشطة الحوثيين وجماعات القراصنة لإعاقة الملاحة في مضيق باب المندب والبحر الأحمر. ويضم هذه النسق مجموعة الدول الأعضاء في مجلس الدول العربية والافريقية المطلة على البحر الأحمر الذي يتخذ من السعودية مقرا له الذي تأسس عام 2020. وتقف على الطرف الآخر جماعة أنصار الله التي تدير العاصمة اليمنية صنعاء ومعظم أراضي شمال اليمن وجماعات القراصنة، التي تتخذ من دويلات الساحل الصومالي موطنا لها.

النسق الدفاعي الفرعي الرابع هو منطقة القرن الافريقي الكبير من الصومال جنوبا إلى ليبيا شمالا. مصدر التهديد الرئيسي في هذا النسق هو حالة الفوضى الإقليمية الناتجة عن فشل الدولة وصراعات القوى غير الحكومية المتنازعة على الحكم في ليبيا والسودان والصومال. ويزيد من تعقيد الوضع في منطقة القرن الافريقي الكبير تداخل مصالح وسياسات دول مثل، تركيا والسعودية والإمارات وإسرائيل، ووجود قواعد عسكرية لبعضها، وتناقضات الولاء على المستويات المحلية في أطراف النسق. كما تتداخل الأنشطة العسكرية الأمريكية في هذا النسق بدرجة كبيرة.

النسق الدفاعي الفرعي الخامس في منطقة الشرق الأوسط هو شرق البحر المتوسط، وهو نسق وإن كان يرتبط بالنسق الدفاعي الفرعي للمشرق، إلا أنه يختلف عنه من حيث مصدر التهديد، ومن حيث النطاق الجغرافي. مصدر التهديد الرئيسي في هذا النسق هو الخلافات بشأن ترسيم حدود "المناطق الاقتصادية الخالصة" وتأمين مرافق الغاز لدول حوض شرق البحر المتوسط. ويضم الحوض ليبيا من الجنوب ومصر وفلسطين وإسرائيل ولبنان وسوريا وتركيا وقبرص واليونان. ويمتد نطاق التهديد عبر البحر غربا إلى قبرص واليونان. وقد بادرت إسرائيل إلى تشكيل هذا النسق وقامت بترتيب لقاءات لوزراء الدفاع والخارجية للدول القريبة منها (مصر والإمارات وقبرص واليونان) وبدأ النسق يأخذ شكلاً مؤسسياً أوضح منذ 2017–2019، مع اجتماعات وزراء الخارجية والدفاع ، ثم ربطها باجتماعات الأركان والتعاون العملياتي والتدريبات العسكرية المشتركة.

ومن الملاحظ في الأنساق الخمسة التي ذكرتها وجود دول تلعب دورا رئيسيا في أكثر من واحد من هذه الأنساق، نعتبرها دولا محورية، هي السعودية وتركيا ومصر وإيران وإسرائيل. ويتطلب إقامة نظام شامل للدفاع الإقليمي المشترك وجود اتفاق بينها على ذلك. ونظرا لأن تحقيق هذا الاتفاق مستبعد تماما في الوقت الحاضر؛ فمن المرجح استمرار صيغة الأنساق الفرعية للدفاع، ما يعني عمليا استمرار التوتر ومحاولات زعزعة الاستقرار، إلا إذا استطاعت الدول المحورية إدارة صراعاتها على أساس السعي لزيادة التهدئة وليس التصعيد.

في هذا السياق فإن نجاح المملكة السعودية في إعلان تحالف عسكري دولي لحماية أمن وحرية الملاحة في مضيق باب المندب وخليج عدن والبحر الأحمر، وتحالف إقليمي على أساس "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" يضم دولتين إسلاميتين من خارج المنطقة العربية، هما باكستان وتركيا، يمثل انتقالا نوعيا في هيكل الدفاع المشترك، لكنه لا يزال أقل من "نظام" دفاعي إقليمي شامل، حيث لا تزال تقف خارج حدوده دول عربية رئيسية مثل مصر والعراق ودول غير عربية رئيسية مثل إيران. وجود باكستان يضيف إلى الهيكل الدفاعي المشترك قوة نووية يمكن أن توازن إسرائيل، بينما وجود تركيا يضعه على منصة عسكرية مرتفعة، بفضل تقدمها في الصناعات الجوية. لكن تطوير الاتفاقية وبناء الهيكل المؤسسي ووضع قواعد العمل يحتاج إلى وقت طويل.

(القدس العربي)

يتم التصفح الآن