التعارُض الشبكي الاجتماعي بين الشرق والغرب!

منذ انطلاق أولى وسائل التواصل الاجتماعي الغربيّة عام 1997، وهي منصّة "سِكْسْ ديغريز" (SixDegrees.com)، في مدينة نيويورك الأميركية كشبكةٍ حديثةٍ شاملةٍ نسبيًّا للتواصل الاجتماعي العالمي، والتي توقّفت بعدئذ سنة 2001؛ ثمّ توالي انطلاق وانتشار كبريات السوشيال ميديا الغربية والأميركية خصوصًا خلال الفترات اللاحقة؛ مثل لينكدإن – 2003؛ فيسبوك – 2004؛ يوتيوب – 2005؛ إكس – 2006 (تويتر سابِقًا)؛ إنستغرام – 2010؛ سناب شات – 2011؛ ثريدز – 2023؛ بلوكسي – 2023؛ وغيرها، لم تستطع هذه الوسائل الاجتماعية ــ على الرغم من إمكانياتها الهائلة وجذبها لمئات الملايين من المستخدمين من شتّى البلدان ــ أن تُلبّي الاحتياجات الحقيقيّة للمستخدمين الشرقيّين بوجهٍ خاص، ومنهم نحن العرب في عالمنا العربي، ولا سيما احتياجاتنا التي ترسّخ قيمة الإنسان العربي في وجوده الرقمي وخصوصيّته الشبكية، فضلًا عن إنسانيّته واحترامه الحضاري الكوكبي الذي يستحقّه.

التعارُض الشبكي الاجتماعي بين الشرق والغرب!

على الرغم من أنّ هذه المنصّات المختلفة تُقدّم خدمات رقميّة كوكبيّة في التواصل والتفاعل والتعبير عن الذّات، وتوفّر براحًا واسعًا للاطلاع العالمي والاندماج ضمن المنظومة البشريّة الرقميّة المتشابكة في عالم اليوم، ناهيك عن بعض خدمات التجارة الإلكترونيّة والاستثمار الدعائي وما إلى ذلك من الخدمات النوعيّة؛ فإنّ هذه التكنولوجيا الاجتماعيّة تعجز في واقع الأمر عن أن تحلَّ محلَّ أي منظومة رقميّة عربيّة كفؤة للتواصل الاجتماعي. لا سيما في ما يتعلّق بالخصوصيّة الثقافيّة، لأنّ برمجيّات هذه المنصّات الغربيّة في كثير من مظاهرها التفاعليّة لا تفهم السياق الثقافي الخاص بالمجتمعات العربيّة. ومن ثمَّ فهي تفشلُ في الفهم العميق، والاستدلال، وتُظهر جانبًا كبيرًا من العجز في توفير معاييرِ أمانٍ تتعلّق بالقِيمِ المتأصّلة في النسيج الاجتماعي الثقافي والروحي في الأُسَرِ والمجتمعات المحليّة العربيّة، وما يرتبط منها بملامح هويتها بدقّة.

كما أنّه لا يمكن الاعتماد على المنصّات الغربيّة في حماية اللغة العربيّة من التلوّث والتشويه والاندثار. فضلًا عمّا تقوم به شركات التكنولوجيا العالميّة من فرض سياسات فرديّة تتعارض مع تقاليدنا المحافظة، وتزيد الطين بلّة في محاولاتها تفهّم موروثاتنا القيميّة باعتمادها على الترجمة الآليّة للتراث العربي والإسلامي، والتي تفتقر في معظمها إلى الفهم العميق للمصطلحات والمفاهيم والمشاعر والبُنَى الفكرية والروحيّة العربيّة.

التوجّه نحو استقلالية التواصل الاجتماعي الرقمي العربي يفرض الاحتذاء بالمنصّات الشرقية الناجحة وإضافة مزايا فارقة

هذا، في ظلّ عدم وجود رقابة دقيقة على المحتوى العربي الذي تتعامل معه المنصّات الغربية، وبالأخص أنّها غالبًا ما تتغذّى على المحتوى الغربي، وقد تتعمّدُ انتقاءَ محتوًى يؤدّي إلى التمييز والتحيّز العرقي، والثقافي، والديني بما لا يتناسب مع الشريعة الإسلاميّة والعادات العربيّة.

ومثلما سبق تنويهنا ببعض التجارب الشرقية الأخرى؛ يفرض التوجّه السليم نحو استقلالية التواصل الاجتماعي الرقمي العربي الاحتذاء بالمنصّات الشرقيّة النّاجحة في منافستها للمنصّات الغربيّة، وإضافتها مزايا فارقة إلى منصّاتها الجديدة. مثل دمج تقنيّات التواصل مع التجارة الإلكترونيّة والدفع الرقمي في مكانٍ واحدٍ، ضمن ما يُعرف بالتطبيقات الفائقة ((Super Apps.

منصّة "ويشات" (WeChat) الصينية مثلًا، تربط بين المراسلة والشبكات الاجتماعيّة وخدمات الدفع (Wechat Pay) وطلب الخدمات الحكوميّة والصحيّة. وكذلك الأمر مع الشبكة الاجتماعيّة الروسية الأضخم (VK)، والتي تعمل كبديل متكامل لفيسبوك من حيث مشاركة التواصل نصًّا وصوتًا وفيديو في المنشورات، والمجموعات (groups)، والموسيقى. كذلك الشأن في منصة "دوين" الصينية، ومنها "تيك توك" منصّة الفيديوهات القصيرة؛ إلى جانب منصة "كاكاوتوك" الكورية، التي تضم خدمات التوصيل، والدفع، والألعاب.

ضرورة تكثيف الاستثمار في البحث والتطوير وتحشيد التعاون العربي المشترك

غير أنّه في سياقنا العربي، وبدلًا من تقليد المنصّات الغربيّة، فالأجدرُ هو إنشاء منصّة عربيّة من الجيل الجديد تعتمد على الذكاء الاصطناعي، وتجمع بين وظائف رقميّة اجتماعيّة متعدّدة بصورة تكامليّة؛ مثل التشبيك الاجتماعي بصناعة المحتوى، والتعلم الذّاتي، والتجارة الإلكترونيّة، والخدمات الحكوميّة الرقميّة، بأنواعها. حتى تُتاح فرص قويّة لمنافسة أكبر المنصّات الغربيّة. ويظلّ التركيز على ضرورات بعينها في غاية الأهمية في إنشاء مشروعٍ رقميٍ عربيٍ كبيرٍ، لضمان نجاحه؛ خصوصًا ما يلي:

ــ توفير الدعم القوي للغة العربية ولهجاتها، باستثمارات ماديّة توفر الاحتياجات المختلفة للمشروع، معرفيًّا وتقنيًّا وتجهيزيًّا.

ــ توفير أدوات قوية للنشر العلمي والثقافي، وضمان إتاحة الخدمات الحكوميّة والتعليميّة والتجاريّة مدمجةً في إطار حماية الخصوصيّة حاضرًا ومستقبلًا. ولضرورة التطوير المستمر للمشروع، يتطلّب الأمر تكثيف الاستثمار في البحث والتطوير، ما يعني كذلك تحشيد التعاون العربي المشترك.

ــ تعزيز التواصل المستمر مع محرّكات التوصية، والبحث، والترجمة الدقيقة، والإشراف على المحتوى.

على المنصّة العربيّة المنشودة أن تصل إلى العدد الذي يجعلها قادرة على النمو الذاتي

مع ذلك، فإنّ المشكلة الأكبر ليست تقنيّةً بحتةً، في البرمجة والتجهيزات الآليّة مثلًا، وإنّما هي مركّبٌ من التخطيط التقنيّ والاقتصاديّ الاستثماريّ والإداريّ والحكوميّ السياديّ، إلى جانب التنفيذ التكنولوجيّ الفعليّ للمزايا الفنيّة والخدميّة المتنوّعة المطلوبة للمنصّة المستهدفة، حتّى يمكن لها أن تستقطبَ أكبرَ عددٍ من المستخدمين. إذ إنَّ المنافسة هي مع منصّات عالميّة تمتلك مليارات المستخدمين؛ ما يفرض على المنصّة العربيّة المنشودة أن تستهدف الوصول إلى الكتلة الحرجة من المستخدمين؛ وهي النقطة التي تصل فيها المنصّة إلى العدد الذي يجعلها قادرةً على النموّ الذّاتي، من دون إنفاق أموال هائلة على تسويقها والدعاية لها، الأمر الذي يعني ضرورة إرضاء المستخدمين بتوفير ما يجذب اهتماماتهم ووسائل خدماتهم الرقميّة المختلفة بجودة عالية.

نتحدّث هنا عن الاستدامة الذّاتية للمنصّة والتي غالبًا ما تتحقّق بعددٍ يتراوح ما بين 100 و500 مليون مستخدم نشط، للمنصّات الكبيرة. بينما في المنصّات المحليّة أو المتخصّصة، فيكفي وصول المنصة إلى آلاف أو بضعة ملايين فقط من المستخدمين النشطين، لتبدأ في نموّها التلقائيّ الفعّال.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن