بصمات

أنقذوا "تمبكتو"!

مع تجدّد الحرب في شمال مالي، عاد ملف مخطوطات تمبكتو ومعالمها الثقافيّة والدينيّة إلى الواجهة. هذه المدينة التي يسمّيها الرئيس السنغالي السابق ليوبولد سنغور "أثينا أفريقيا"، تقدّر منظمة اليونسكو عدد مخطوطاتها بأكثر من 300 ألف كتاب مخطوط بالعربية في مختلف العلوم والفنون، كثير منها كان محفوظًا في مركز أحمد بابا التمبكتي الذي أغلق عمليًّا بعد أحداث 2012. في تلك السنة سيطرت الجماعات الإرهابية المتشدّدة على المدينة، واستهدفت معالمها الثقافيّة العريقة مثل جامع ومدرسة سانكوري والمسجد الكبير في دجينغاريبر وجامع سيدي يحيى.

أنقذوا

هذه المعالم تشهد لما عرفته هذه المدينة في العصور الوسطى من ازدهار علمي وفكري رفيع، إلى حدّ أنها كانت تضاهي فاس وغرناطة والقيروان في المكانة العلميّة والتأثير الروحي، فضلًا عن ازدهارها الاقتصادي والتجاري الذي أثار خيال الأدباء والرحالة الأوروبيين، وأدّى إلى الحملة السعدية الشهيرة على بلاد السودان سنة 1591.

كانت المدينة في السابق جزءًا من إمبراطورية مالي التي أصدرت أول إعلان عالمي لحقوق الإنسان في القرن الثالث عشر الميلادي، عُرف بميثاق ماندين، الذي يتضمّن على الخصوص تأكيد كرامة الإنسان وقدسية حياته، ومنع العنف والظلم والاعتداء، ونصّ على حقوق المرأة والأسرة، وتنظيم الرابطة السياسية بين الحاكم والمحكومين.

مركز علمي حضاري رفيع أصبح رهينًا للصراع

ومن تمبكتو، انطلق الملك مانسا موسى في حجّه الشهير عام 1324 في موكبٍ ضخمٍ يضمّ عشرات الآلاف من الأفراد، وقد زار القاهرة في طريقه، كما أنّه نثر الذّهب في كل الحواضر التي مرّ بها، ولا يزال ينظر إليه اليوم على أنّه أغنى رجل في التاريخ.

وعندما أسر جنود السعديين عالم تمبكتو الشهير أحمد بابا سنة 1593 ونقلوه إلى مراكش، أسّس رباطًا علميًّا أقبل عليه المغاربة من كل مكان، قبل أن يعود معزّزًا مكرّمًا إلى مدينته العريقة.

في بداية القرن السادس عشر، زار ليون الأفريقي (حسن الوزان) تمبكتو وكتب عنها في كتابه "وصف أفريقيا"، منوّهًا بعلم علمائها، وغنى تجارها، وعظمة ملوكها، وكثرة أئمتها وقضاتها، ذاكرًا أنها سوق معروفة للكتب.

4 آلاف مخطوطة اختفت بعد أحداث 2012 والجزء الأكبر من محفوظات مركز التّمبكتي حاليًّا في وضعية خطيرة

كانت المدينة مرتبطةً بمصر والحجاز والمغرب الأقصى، وتضم جاليات من المشرق العربي، كما يلتقي فيها الحجّاج من كل بلدان غرب أفريقيا.

بيد أن مدينة تمبكتو فقدت جانبًا كبيرًا من ألقها بعد السيطرة الفرنسية في نهاية القرن التاسع عشر، كما أنّ الدولة المالية المعاصرة أهملت هذا المركز العلمي الحضاري الرّفيع الذي أصبح رهينًا للصراع الشرس المحتدم بين الجيش والجماعات المتمرّدة في الشمال المتحالفة مع تنظيم "القاعدة" وجماعة "داعش".

وفق تقديرات اليونسكو، اختفت 4 آلاف مخطوطة من المدينة بعد أحداث 2012، في حين نجح السكان في تهريب الجزء الأكبر من محفوظات مركز أحمد بابا التّمبكتي إلى العاصمة باماكو، وهي حاليًّا في وضعية خطيرة ومهدّدة بالتّلف.

وهكذا يبدو من البديهي أنّ المهمة الكبرى المنتظرة من المؤسّسات الثقافيّة العربية والإسلامية العمومية والخاصة هي انتشال هذه الثروة العلمية المهدّدة بالضياع.

معالم تمبكتو الثقافية والدينية والعمرانية مهدّدة بالاندثار

في حديث مع باحثة إسبانية مختصّة في المخطوطات العربية، قالت لي إنّها زارت مختلف مراكز المخطوطات في العالم العربي، بالإضافة إلى مكتبة الإسكوريال ودور الكتب في تركيا، لكنّها وجدت في تمبكتو من الذّخائر النّادرة ما لم تجده في غيرها. ومع أنّ الباحثة بذلت جهودًا ناجحةً في انتشال مخطوطات تمبكتو من الضياع عام 2012، إلّا أنّها فشلت في الحصول على العون الضروري لحفظها وفق الطرق الحديثة من أجل الاستفادة النّاجعة منها.

هكذا نخلص إلى إطلاق صيحة كبرى من أجل إنقاذ مخطوطات تمبكتو والعمل على انتشال معالمها الثقافيّة والدينيّة والعمرانيّة التي غدت مهدّدةً بالاندثار!.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن