نحتفل برسول الرحمة، ثم تضيق مساحات الرحمة في علاقاتنا. ونحتفل بنبي العدل، بينما يصبح النّفوذ وسطوة المال أقوى من القانون والعدالة. ونحتفل بمَن جاء ليحرّر الإنسان من العصبية، بينما ما زالت العصبيات القديمة والجديدة تجد طريقها إلى مجتمعاتنا؛ عصبية القبيلة والطائفة والمذهب والمنطقة والطبقة والانتماء السياسي.
مجتمع المدينة لم يُـبْـنَ على إلغاء المختلف
حين هاجر النّبي ﷺ من مكّة إلى المدينة، لم يكن أمامه مجتمع مكتمل البنيان، بل مهاجرون تركوا أموالهم وبيوتهم وأهلهم، ومجتمع جديد متعدّد المكوّنات والانتماءات. وكان من أولى خطوات البناء "المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار". لم تكن المؤاخاة احتفالًا رمزيًّا بالمحبة، وإنما كانت، في جوهرها، عملية لإعادة بناء المجتمع على أساس التضامن والتكافل. إنها إجابة مبكّرة عن سؤال لا تزال المجتمعات الحديثة تعاني منه: "كيف نبني مجتمعًا قادرًا على استيعاب الوافد والمختلف والفقير والضعيف؟"
ثم جاءت "وثيقة المدينة" لتضع إطارًا للعلاقات داخل المجتمع الجديد. ومهما اختلف الباحثون في بعض التفاصيل المتعلّقة بصياغتها وبنودها، فإنّ دلالتها التاريخية الكبرى واضحة: مجتمع المدينة لم يُبْنَ على إلغاء المختلف، وإنّما على تنظيم العلاقة بين جماعات متعدّدة، وربطها بالعهد والحقوق والواجبات والمسؤولية المشتركة.
وهنا يصبح من حقّنا، ونحن نحتفل بالنّبي، أن نسأل:
هل نجحت الأنظمة العربية، بعد أكثر من أربعة عشر قرنًا، في بناء المواطَنة التي كانت التجربة النبوية من أهمّ محطّاتها التّاريخية؟ وهل منحت الدول العربية لمواطنيها حقوقًا متساويةً من دون تمييز بسبب اللون أو الجنس أو العرق أو الدين أو المذهب؟ وكيف دفع العالم العربي ثمنًا فادحًا لغياب قيمة المواطَنة عبر صراعات قبلية وطائفية ومذهبية وعرقية فجّرت العالم العربي وفتّتته جغرافيًّا، وأنهكت قواه، وفتحت حدوده للتدخّلات الخارجية؟!.
سيرة النبي العملية كانت نموذجًا في التعامل مع المرأة
كانت حقوق المرأة واحدة من القضايا التي أحدثت فيها الرسالة الإسلامية تحوّلًا كبيرًا. ففي مجتمع عرف صورًا متعدّدةً من التمييز ضد المرأة، جاءت الرسالة لتقرّر لها شخصيّتها الإنسانية وحقوقها المالية، وحقّها في الاحترام والكرامة. وكانت سيرة النّبي ﷺ العملية نموذجًا في التعامل مع المرأة زوجةً وأمًّا وابنةً وشريكةً في المجتمع.
لكنّ المفارقة أن الاحتفال برسول جاء ليُغيّر نظرة مجتمع كامل إلى المرأة يتزامن مع استمرار فجوات كبيرة في أوضاع النساء في كثير من المجتمعات العربية.
فبيانات الأمم المتحدة للمرأة تشير إلى استمرار ضعف مشاركة النساء اقتصاديًّا في المنطقة العربية مقارنةً بالرجال، ولعلّ المفارقة تصبح أكثر إيلامًا عندما تتحوّل المرأة، في بعض البيئات، إلى ضحيةٍ للعنف والقتل. فالدراسات الإقليمية الصّادرة عن جهات أممية ومنظمات متخصّصة وثّقت استمرار العنف القائم على النوع الاجتماعي، كما تناولت الأطر القانونية في عدد من الدول العربية، وما فيها من مواد قانونية أو ظروف مخفّفة في بعض التشريعات تسمح، بدرجات متفاوتة، بتخفيف العقوبة في جرائم العنف ضد المرأة.
كيف نحتفل بالنبي الذي قال: "استوصوا بالنساء خيرًا"، والذي ارتبطت سيرته بإنصاف المرأة، ثم نجد أنفسنا، بعد أربعة عشر قرنًا، ما زلنا نخوض معارك بديهية من أجل حقّ المرأة في الأمان والفرصة والكرامة والمشاركة؟.
كيف يمكن لأمّة جعلت المؤاخاة والتكافل نموذجًا لتأسيس مجتمعها الأول أن تعجز عن بناء مساحة اقتصادية عربية؟
ومن أعظم ما صنعه النبي ﷺ في المدينة أنّه لم ينظر إلى الفقر باعتباره مشكلة فردية تخصّ صاحبها وحده، بل أكد في ممارساته أنّ المجتمع مسؤول عن أفراده، وأنّ الإنسان لا ينبغي أن يسقط من دائرة الاهتمام لأنّه فقد مصدر رزقه.
وهنا تظهر واحدة من أكثر مفارقات الواقع العربي المعاصر إلحاحًا: كيف يمكن للأمة التي جعلت المؤاخاة والتكافل نموذجًا لتأسيس مجتمعها الأول أن تعجز عن بناء مساحة اقتصادية عربية قادرة على استيعاب جميع أبنائها؟
تمتلك دول عربية صناديق سيادية وثروات واستثمارات ضخمة موزّعة في مختلف أنحاء العالم، من الولايات المتحدة إلى أوروبا والأسواق الدولية الأخرى. لكن المفارقة أنّ المنطقة العربية تعاني، بدرجات متفاوتة، من البطالة، وخصوصًا بطالة الشباب، بينما تُستثمر أموال عربية ضخمة في اقتصادات أخرى تسهم، بطبيعتها، في النشاط الاقتصادي وخلق فرص العمل فيها.
نملك الجيوش بينما نفتقد توافقًا حول التهديدات والأولويات والقرار والإرادة المشتركة
إنّ الترجمة الحديثة للمؤاخاة أن تتحوّل فوائض الأموال إلى مصانع، والمصانع إلى وظائف، والوظائف إلى كرامة.
ومن أكثر المفارقات وضوحًا أنّ النبي ﷺ انتقل بالمجتمع من منطق القبائل المتصارعة إلى فكرة الجماعة التي يجمعها مصير مشترك.
أمّا العالم العربي المعاصر، فإنّه ينفق مليارات الدولارات سنويًا على الدفاع والتسلّح، وتمتلك بعض الدول فيه جيوشًا كبيرة وقدرات عسكرية متقدمة، لكنه لا يزال بعيدًا عن بناء مفهوم حقيقي وفعّال للأمن العربي المشترك.
نحتفي في بلاد العرب بالنّبي العربي الذي آخى بين المهاجرين والأنصار، ثم نعجز عن بناء التضامن بين أبناء المجتمع الواحد.
ونمتدح وثيقة المدينة ونحن نسرد سيرته العطرة، ثم نعجز عن أن نجعل المواطنة واقعًا يشعر به الجميع.
المعنى الأعمق للاحتفال بالنبي العربي أن نمتلك الشجاعة لنقارن بين الرسالة والواقع
ونتغنّى بتكريم الإسلام للمرأة، بينما تخوض النساء معارك قاسية من أجل الأمان والفرصة والكرامة. ونؤكد أنّ الإسلام جاء رحمة للعالمين، ثم يظل المختلف، في مجتمعاتنا، محاصَرًا داخل اختلافه. ونملك المال، بينما يبحث ملايين الشباب عن العمل. ونملك الجيوش، بينما نفتقد توافقًا حول التهديدات والأولويّات والقرار والإرادة المشتركة.
ربّما يكون هذا هو المعنى الأعمق للاحتفال بالنبي العربي:
ألّا نكتفي بالاحتفال بالذكرى، بل أن نمتلك الشجاعة لنقارن بين الرسالة والواقع.
وأن نبني مجتمعات أكثر شبهًا بالعدل والرحمة والكرامة والتكافل التي جاء بها صاحب الرسالة.
فهذا عدل الرسول، وسماحته، وصفحه، وعفوه، ورشده في الحكم، وملامح دولته ودستورها ومبادئها وأخلاقها.
كونوا مثله.. ثم جرِّبوا احتفالًا يوافق فيه القولُ الفعل!.
(خاص عروبة 22)

