كان طارق بن زياد قد عَبَرَ من سبتة إلى شبه الجزيرة الإيبيرية سنة 711 ميلادية في عهد الدولة الأموية، وهناك قامت حضارة الأندلس العظيمة، ما يجعل قضية المدينتين جزءًا من التاريخ العربي والإسلامي.
في كثير من الأحيان يصعب إقناع سكّان المناطق الحدودية بأنّ تلك المدن أوروبيّة الهوية والثقافة، طالما أنّه يسمع منها الأذان كل يوم، وكثيرًا ما ينتقل سكانها لشراء أضحية العيد من القرى المجاورة داخل المغرب.
تبادل معلومات على مواقع التواصل مشكوك في مصادرها ومنصّاتها
وعلى الرغم من تباعد الحدثين بـ 13 قرنًا، تحدّث الإعلام الإسباني اليميني ومثله في دول أوروبيّة أخرى، عن "زحف وغزو ونزوح من الجنوب العربي المسلم" لوجود جنسيّات مغاربيّة وعربيّة وإسلاميّة وأفريقيّة بين المتسلّلين، كان من تداعياته تعليق إيطاليا العمل مؤقتًا باتفاقية شنغن، على القادمين من إسبانيا، موازاة مع انضمام ألمانيا والتشيك وفنلندا والدنمارك وهولندا إلى الداعين إلى إغلاق الحدود في وجه المهاجرين الجُدُد المحتملين، وقرار وزراء داخلية الاتحاد الأوروبي الذي يُجدّد التأكيد، بأنّ سبتة ومليلية غير مشمولتين باتفاقية شنغن.
ومعلوم أنّ شنغن بلدة صغيرة في لوكسمبورغ يقطنها 5 آلاف شخص فقط، شهدت التوقيع على حرية التنقّل بين 5 دول أوروبيّة هي ألمانيا وفرنسا وهولندا وبلجيكا ولوكسمبورغ في 14 يونيو/حزيران عام 1985.
إنصاف أميركي للمغرب
انتقدت اللجنة الأميركية للاجئين والمهاجرين (USCRI) السردية الأوروبية التي وصفت تدفّق مهاجرين غير نظاميّين إلى سبتة بـ "الغزو"، معتبرةً أنّها رواية محرِّضة على الكراهية، ومثيرة للقلق، ومشحونة بالاستقطاب السياسي. واعتبرت أنّ الحملة التي أُطلقت عبر وسائل التواصل الاجتماعي بشأن قرار الحكومة الإسبانيّة تسوية وضعية نحو مليون من المهاجرين السرّيين، بدت بالنسبة إلى الشباب الذين يشعرون بأنّه لا مستقبل لهم في المغرب، بمثابة الضوء في نهاية النفق. خاصّةً بعد تبادل معلومات على مواقع التواصل مشكوكٍ في مصادرها ومنصّاتها، سرّبت معطيات مغلوطة مفادها أنّ "الحدود الإسبانيّة مفتوحة ويمكن العبور إليها من دون أوراق إقامة". والمُثير للريبة أنّ السلطات والأحزاب السياسيّة والمنابر الإعلاميّة في مدريد، لم تدقّق قطّ في المعطيات الخاطئة، حول "منع إعادة المهاجرين غير النظاميين الذين يصلون إلى سبتة عبر البحر"، وهي المعطيات التي وصفها الإعلام الأميركي بـ"الصنّارة الجاذبة"، بل دافعت الإدارة الأميركية عن وجهة نظر المغرب بالتأكيد على أنّه "لطالما تعاون المغرب مع الاتحاد الأوروبي من أجل مراقبة الهجرة في إطار أداة الجوار والتنمية والتعاون الدولي".
اعتبارات سياسيّة أهمّها أنّ المهاجرين هم أشبه بخزّان انتخابي
وقد ربط بعض المحلّلين بين الانتقاد الأميركي للحكومة الإسبانيّة الاشتراكيّة، وموقفها من الحرب على إيران، ومنع رسو السفن الأميركية في طريقها إلى موانئ الشرق الأوسط، وقد اعتُبر هذا المعطى من الأسباب غير المباشرة لدعم نسبة معيّنة من المنابر الإعلاميّة العربيّة وجهة نظر إسبانيا، من دون معرفة تفاصيل المشكلة وتاريخها وخلفيّاتها السياسيّة والاقتصاديّة.
المغرب ليس حارس حدود أوروبا
تحدّث رئيس الحكومة بيدرو سانشيز عن اعتداء على "السيادة الإسبانيّة"، وأطلقت وزيرة الدفاع مارغريتا روبلس تصريحات قوية من قبيل أنّ "استهداف سبتة ومليلية، اعتداءٌ على إسبانيا بأكملها"، وذلك في معرض الردّ على تصريح لوزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي قال فيه: "نحن نتمسّك بأرضنا المحتلّة، والحل يكمن في الحوار بين المغرب وإسبانيا"، وهو التصريح الذي أثار ردود فعل عنيفة في إسبانيا، حتّى إنّ الحزب الشعبي اليميني المعارض، طالب حكومة مدريد باتخاذ إجراءات ديبلوماسيّة تجاه الرباط، ما دفع مسؤولين في الرباط للتنبيه أو التذكير بأنّ "المغرب ليس شرطي حدود بالنسبة لأوروبا ولن يعمل بالمناولة الأمنيّة، بل في إطار شراكة ومسؤولية مشتركة"، ردًّا على وزراء أوروبيين طالبوا بمزيد من التشدّد مع المتسلّلين.
ودافعت أحزاب أقصى اليسار المشاركة في الحكومة عن الحكم القضائي الذي يُشجّع الهجرة، لاعتبارات سياسيّة أهمّها أن المهاجرين هم أشبه بخزّان انتخابي، كما لم يعترض اليمين المعتدل والمتطرّف على جلب أيادٍ عاملة رخيصة لزيادة التنافسيّة، وغزو الأسواق الأوروبيّة اقتصاديًّا، وهو موقف يتعارض مع قانون رسوم العمل القسري الذي فرضته إدارة الرئيس دونالد ترامب في 24 يوليو/تموز الماضي.
سرقة بشرية للأطفال
لا تخفي إسبانيا حاجتها إلى هجرة مُقنّنة لتغطية الانخفاض الدّيموغرافي، وهي تُفضّل أطفال شمال المغرب بأصولهم الأندلسيّة، وقد قامت الرباط باسترجاع غالبيّة مهاجريها غير النظاميين. لكن السلطات الإسبانية رفضت ترحيل القاصرين الأطفال إلى ديارهم، بدعوى وجود تعقيدات إداريّة وقوانين محليّة، تحت غطاء العمل الأهلي، وهو ما اعتبره المغرب سرقة بشرية، حتى إنّ وزير العدل المغربي صرّح بأنّ "المغرب يريد استعادة جميع القاصرين، والأطفال ينبغي أن يعودوا إلى مدارسهم قبل الموسم الدراسي"، لافتًا إلى قلق السلطات المغربية بشأن أوضاع بعض القاصرين، وتعرّضهم لأفعال يُعاقب عليها القانون الدولي، بعد تلقّي شكاوى عن تعرّض بعضهم لانتهاكات، واعتداءات وحالات اختفاء"، ومن هنا حديث المتتبعين عن مسؤولية الدولة الإسبانيّة في إرجاع القاصرين، باعتبارها الشوط الثاني من أزمة المهاجرين غير النظاميين.
مدريد تطالب بروكسل بدعم مالي أكبر لتخويف الأوروبيين من زحف وهمي
المفارقة هنا أنّ مدريد التي تتحدّث عن انتهاك سيادتها ممّا تسميه بـ "الزحف"، ترحّب بالقادمين إليها برًّا وبحرًا، بل كشف بعض المهاجرين الذين تمّ توقيفهم من السلطات المغربية، أنّ "إسبانيا تُرحّب بالقادمين إليها من المغرب، وتدّعي عكس ذلك".. ولتتجنّب الانتقادات الأوروبية، فإنّ مدريد تطالب بروكسل بدعم مالي أكبر، لتخويف الأوروبيين من زحفٍ وهميٍ باتجاه القارة العجوز!.
(خاص عروبة 22)

