لدينا عدد كبير من الأكاديميّين العرب الناجحين كأفراد، لكن نجاح الفرد شيء، وتكوين بيئة مؤثرة شيء آخر.
قد يصل أستاذ عربي إلى جامعة كبيرة، وينشر في أفضل الدوريّات، ويصبح مرجعًا في تخصّصه، ثم يظلّ أثره محصورًا أساسًا في مساره المهني الفردي. ما ينقص هو الانتقال من هذه النجاحات المتفرّقة إلى شبكة تسمح بإنتاج معرفة مشتركة، وتدريب أجيال جديدة، والوصول بصورة أكثر انتظامًا إلى الإعلام ومراكز التفكير ودوائر صنع القرار.
انتقال مستمرّ للأشخاص والخبرات بين الجامعات ومراكز التفكير والحكومة
التجربة الهندية تستحقّ النظر هنا. أشلي تيليس (Ashley J. Tellis)، مثلًا، جمع بين العمل البحثي والخبرة الحكومية، وعمل داخل الإدارة الأميركية، وكان منخرطًا بصورة مباشرة في الملف الذي انتهى إلى الاتفاق النووي المدني بين الولايات المتحدة والهند خلال إدارة جورج بوش الابن. وبعد خروجه من الحكومة عاد إلى العمل البحثي، وظلّ حاضرًا بقوة في النقاش الأميركي حول الهند والعلاقة معها. هنا نرى كيف يمكن للخبرة الأكاديمية أن تنتقل إلى قلب عملية صنع السياسة ثم تعود مرة أخرى إلى المجال البحثي.
ديفيش كابور (Devesh Kapur) يُقدّم نموذجًا آخر. بنى مسارًا أكاديميًّا بارزًا في دراسة الهند والشتات الهندي، وأدار مركز الدراسات المتقدّمة للهند في جامعة بنسلفانيا قبل انتقاله إلى جامعة جونز هوبكنز. تناولت أبحاثه الهجرة والمؤسّسات والحكم والجالية الهندية في الولايات المتحدة واتجاهاتها السياسية. أهميته لا تأتي من تولّيه منصبًا حكوميًّا، بل من مساهمته في بناء معرفة مستمرّة عن الهند وعن الهنود الأميركيين داخل مؤسّسات أكاديمية وثيقة الصلة بالبيئة السياسية في واشنطن.
النفوذ الأكاديمي في الولايات المتحدة يعمل غالبًا بهذه الطريقة. هناك انتقال مستمرّ للأشخاص والخبرات بين الجامعات ومراكز التفكير والحكومة. الباحث الذي يدرس ملفًّا لسنوات قد يصبح مستشارًا أو مسؤولًا لفترة، ثم يعود إلى الجامعة. والطالب الذي يتخرّج من إحدى مدارس السياسة قد ينتهي به الأمر في الخارجية أو الكونغرس أو مركز أبحاث. مع الوقت تنشأ علاقات مهنية ومعرفية تتجاوز بكثير حدود ما ينشره الأستاذ من كتب ومقالات.
وتكشف اليابان وكوريا الجنوبية جانبًا مختلفًا من المسألة. لم تعتمد الدولتان فقط على نجاح أفراد من مواطنيهما في الجامعات الأميركية، بل استثمرتا على مدى سنوات في الدراسات المتعلّقة بهما: منح، وزمالات، ووظائف أكاديمية، ومراكز، ومشروعات بحثيّة. ومن نتائج ذلك ظهور أسماء ذات ثقل كبير داخل المجال الأكاديمي والسياسي الأميركي. المؤرّخ الياباني أكيرا إيرييه (Akira Iriye)، الذي عمل في هارفارد، أصبح أول باحث مولود في آسيا يرأس الجمعية التاريخية الأميركية. والاقتصادي تاكاتوشي إيتو (Takatoshi Ito)حرك بين الجامعات الأميركية واليابانية ومؤسّسات اقتصادية دولية ومواقع رسمية في اليابان.
ظريف حصل على الدكتوراه من جامعة دنفر وبعد عقود قاد الجانب الإيراني في المفاوضات التي انتهت بالاتفاق النووي
وفي الحالة الكورية، انتقل فيكتور تشا (Victor Cha)من جامعة جورجتاون إلى مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، وشارك في المحادثات السداسيّة المتعلقة بالبرنامج النووي لكوريا الشمالية، ثم عاد إلى العمل الأكاديمي والبحثي. أمّا جي-ووك شين (Gi-Wook Shin)في ستانفورد، فساهم على مدى سنوات في بناء برامج ومؤسّسات متخصّصة في دراسة كوريا وفي خلق مساحات للحوار بين الخبراء والمسؤولين في البلدين. هذه النماذج لا تعني أنّ الدول صنعت هؤلاء الباحثين أو حدّدت مواقفهم، وإنّما توضح ما يمكن أن ينتج عن وجود بنية أكاديميّة مستقرّة تسمح بتراكم الخبرة والعلاقات عبر سنوات طويلة.
وهناك مثال آخر يبدو عكسيًا، لكنّه كاشف. محمد جواد ظريف، وزير الخارجية الإيراني السابق، حصل على الماجستير والدكتوراه من جامعة دنفر، وبعد عقود، قاد الجانب الإيراني في المفاوضات التي انتهت بالاتفاق النووي لعام 2015. وفي أثناء تلك المفاوضات شارك في حوار في جامعة دنفر مع كريستوفر هيل (Christopher R. Hill)، عميد كليّة كوربل آنذاك، وهو ديبلوماسي أميركي سابق قاد الوفد الأميركي في المحادثات السداسية مع كوريا الشمالية. لم يكن هيل طرفًا مباشرًا في مفاوضات إيران، لكن المثال يوضح كيف يمكن للجامعة أن تصبح جزءًا من شبكة علاقات وخبرات تمتدّ آثارها إلى ما بعد سنوات الدراسة بوقت طويل.
في الحالة العربية، توجد بالفعل مراكز وتمويل وبرامج وعلاقات واسعة بين جامعات عربية وغربية، كما يعمل عدد كبير من الأكاديميين العرب في الولايات المتحدة وأوروبا. المشكلة أنّ هذه العناصر تعمل غالبًا بصورة منفصلة. كثير من المبادرات يرتبط بمؤتمر أو مشروع محدود المدة أو علاقة شخصية، ثم يضعف عندما يتغيّر الأشخاص أو ينتهي التمويل.
وهناك مشكلة أخرى. أحيانًا يُنظر إلى الأكاديمي العربي في الخارج باعتباره شخصًا يمكن استخدامه للدفاع عن دولة أو حكومة أو موقف سياسي. وهذا تصوّر قصير النظر، لأن قيمة الأكاديمي داخل المجال الأميركي تأتي بدرجة كبيرة من استقلاله ومصداقيّته. وكلّما بدا أنّه يتحدث بتكليف سياسي، تراجعت قدرته على التأثير.
المطلوب بناء شبكات مهنية مستقلّة تربط الباحثين العرب ببعضهم وتدعم الأجيال الأصغر وتشجّع المشروعات المشتركة
لهذا لا أظن أنّ الحل هو إنشاء "لوبي للأكاديميين العرب"، وهو أمر كنت أعتقد فيهسابقًا، لكنني أعترف بأنّني أخطأت التقدير في تبنّي ذلك الموقف. الأكاديميون العرب ليسوا كتلةً سياسيةً واحدةً، ولا ينبغي أن يكونوا كذلك. المطلوب هو بناء شبكات مهنية مستقلّة تربط الباحثين ببعضهم، وتدعم الأجيال الأصغر، وتشجّع المشروعات المشتركة، وتفتح قنوات أكثر انتظامًا بين الخبرة العربية، والمؤسسات البحثية، والإعلامية والسياسية.
لقد نجح كثير من العرب في الوصول إلى الجامعات الأميركية. السؤال الآن هو: ما الذي يحدث بعد الوصول؟ هل تبقى هذه النجاحات فردية ومتفرقة؟ أم نستطيع بناء بيئة تجعل أثرها أكبر وأكثر استمرارية؟.
(خاص عروبة 22)

