الأمن القومي العربي

لماذا لا تُعيد التيارات القومية قراءة التجربة السورية؟

إجمالًا يمكن القول إنّ هناك توجّهين داخل التيّارات القوميّة في قراءة التجربة السورية، فهناك تيّار اعتبر أنّ نظام بشار الأسد ممانع وجزء من محور المقاومة، وأنّ سقوطه مثّل ضربةً قويةً لهذا المحور لصالح التنازل والخضوع للإرادة الإسرائيلية، أمّا التيار الثاني فقد اعتبر أنّه، حتى لو دعم المقاومة، إلّا أنّه نظام ديكتاتوري أقرّ بارتكابه جرائم بحقّ شعبه، ولكنّه في الوقت عينه اعتبر أنّ البديل الذي جاء بعده هو أيضًا نظام سيئ أو كما وصفه البعض بـ"الكوليرا التي واجهت الطاعون"!. واللّافت أنّه بالإضافة إلى هؤلاء، هناك بعض مَن يصفون أنفسهم بأنّهم من التيّار المدني الليبيرالي، اعتبروا أنّ حكم بشار لأنّه "مدني" وليس دينيًّا إسلاميًّا، أفضل من النظام الجديد، وتعاملوا بقدر كبير من الخفّة مع جرائم الرجل ونظامه.

لماذا لا تُعيد التيارات القومية قراءة التجربة السورية؟

المؤكّد أن التيّار الذي رفض بشار ورفض النظام الجديد وضع أساسًا يمكن النقاش عليه على عكس مَن اعتبر أنّنا أمام نظام مقاوم سقط يجب التحسّر عليه وعلى ضياع سوريا.

إذا انطلقنا من أنّ النظام الجديد سيئ وأنّه يمثّل فصائل إسلامية متشددة، فإنّ المسؤول عن وصول هذا النظام وفصائله إلى السلطة، هو بشار الأسد نفسه الذي أجهض كلّ محاولات الإصلاح من داخل نظامه، ومنها البديل المدني الآمن الذي مثّله وزير الخارجية السوري الأسبق فاروق الشرع، والذي كان قادرًا على الاحتفاظ بمؤسّسات الدولة السورية وإزالة الوجه الطائفي للنظام، ولكنّه أجهض بشراسة هذا الحل ووضع الرجل تحت الإقامة الجبرية.

يجب تقييم تجربة سوريا الجديدة في سياق أنّ المنطقة العربية كلّها اتّجهت نحو الاعتدال

الحقيقة، أنّ مشكلة القراءة المتحسّرة على سقوط أحد نظم "المتاجرة بالممانعة" في العالم العربي أنّها تجاهلت ثلاثة جوانب مهمّة في تحليل النظام القديم والجديد:

الأوّل يتعلق بالسياق الذي نجحت من خلاله الثورة السورية في أن تصل إلى السلطة في نهاية 2024، فهو توقيت أزمة خطاب الممانعة والوعود الإيرانية في سوريا ولبنان واليمن والعراق، وفشل تجارب تيّارات الإسلام السياسي في الحكم وفق النموذج والنسق المعرفي القديم (Old Paradigm). كما أنّ الدول العربية أعطت الأولوية لمشاريعها ومصالحها الوطنية وأنّها إذا حاربت فسيكون فقط دفاعًا عن أمنها وترابها الوطني، وحتّى الإيرانيين الذين حاربوا إسرائيل فقد كانوا بالأساس يدافعون عن مشروعهم الوطني وطموحهم الإقليمي والنووي، وأنّ ما كان يقوله أحمد الشرع حين كان في جبهة النصرة عن أنّ تحرير الشام هو خطوة على طريق تحرير القدس ليس له علاقة بالواقع الجديد عربيًّا وإقليميًّا ودوليًّا، وبناء عليه يجب تقييم تجربة سوريا الجديدة في سياق أنّ المنطقة العربية كلّها اتّجهت نحو الاعتدال.

نظام الأسد ارتكب كل الجرائم من دون أن يطلق رصاصة واحدة على إسرائيل

أمّا الجانب الثاني فيتعلّق بضرورة ألّا تنخدع التيّارات المدنية والقومية بإرث التدليس الذي روّج له نظام بشار، فانطلاق الكثيرين من تجربة عبد الناصر يقول إنّنا أمام نظام متّسق مع نفسه ومع توجهاته على الرغم من أخطائه، فهو لم يحتلّ السودان أو يغزُ سوريا بعد الانفصال ويقول إنّ ذلك من أجل الوحدة العربية أو تحرير فلسطين كما فعل نظام الأسد الذي ارتكب كل الجرائم من دون أن يطلق رصاصة واحدة على إسرائيل. ولذا لم يكن غريبًا أن يتمّ استهداف ما تبقّى من الجيش السوري بعد سقوط بشار، لأنّ النظام الجديد لم يعد جزءًا من التفاهمات السرية مع إسرائيل، على الرغم من اعتداله وحرصه على التوقيع على اتفاق أمني "يتّقي شرّ إسرائيل" ولا يؤدّي بالضرورة إلى تطبيع العلاقات معها.

أمّا الجانب الثالث، فله علاقة بقيمة "التغيّر" التي هي جزء من إيمان التيّارات اليسارية والليبيرالية بالشعوب وقدرتها على التقدّم وتحويل واقعها من حالة إلى أخرى وفق كفاءة المنظومة السياسية القائمة.

طبيعي أن تُنقد التجربة السورية لكن بعيدًا عن قبول التدليس الذي مارسه النظام السابق

وقد شهدنا الشيوعي المتطرّف في شبابه الذي تحوّل إلى اجتماعي ديموقراطي معتدل في سياق النظم الديموقراطية ودولة القانون في أوروبا، والثوري الذي أصبح إصلاحيًّا حين اكتشف أنّ هذا هو الطريق الوحيد للتقدّم، وشعوبًا ناميةً أصبحت متقدمةً، وأنّ قوميّات وشعوبًا تغيّرت ثقافتها وسلوكيّاتها، كما كتب مفكر قومي كبير مثل الراحل نديم البيطار في كتابه التأسيسي "حدود الهوية القوميّة نقد عام". أمّا الفكر الاستشراقي أو اليميني المحافظ فهو الذي وصم شعوبًا ومجتمعات وتنظيمات بعينها بسماتٍ لا تتغيّر، واعتبر أنّ النصّ العقائدي للتيّارات الإسلامية هو بمفرده الذي يفسّر ممارساتها وتوجّهاتها بصرف النظر عن السياق المحيط بها، بما يعني أنّ ظواهر التطرّف والعنف الديني ستبقى معنا إلى الأبد مهما تغيّرت الظروف!.

نظريًّا يُفترض أنّ التيّارات القومية التقدمية والمدنية الليبيرالية بعيدة تمامًا عن هذا الفكر، ومع ذلك سقط بعضها في فخّ تحليلات استشراقيّة وتصنيفات لتجربة حيّة تتغيّر مثل التجربة السورية، تواجه تحدّيات كثيرة، وطبيعي أن تُنقد، لكن بعيدًا عن الوصمة وقبول التدليس الذي مارسه النظام السابق!.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن