تتميّز الدول العربية بامتلاكها مناطق واسعة ذات سرعات رياح مناسبة، خاصةً مصر والمغرب والسعودية والأردن وسلطنة عُمان، ما يجعل استغلال طاقة الرياح خيارًا واعدًا لدعم التنمية الزراعية وتحقيق الأمن الغذائي لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري وتخفيض الانبعاثات الكربونية.
وتعتمد محطّات إنتاج طاقة الرياح على مجموعات من التوربينات، ويتكوّن كلّ توربين من شفرات تلتقط حركة الرياح لتحوّلها إلى طاقة ميكانيكية ثم إلى طاقة كهربائية بواسطة مولدات.
التوربينات الذّكية من أبرز التطورات الحديثة في طاقة الرياح
وقد شهدت طاقة الرياح تطوّرًا كبيرًا خلال العقود الأخيرة ما جعلها واحدةً من أسرع مصادر الطاقة المتجدّدة نموًّا في العالم. وقد ساهمت التطوّرات التقنية في زيادة كفاءة التوربينات وتحسين موثوقيّة التشغيل الأمر الذي أدّى إلى التوسّع في استخداماتها في العديد من الدول بما فيها الدول العربية، كما أصبحت التقنيات الحديثة تلعب دورًا رئيسيًّا في دعم نظم الطاقات الجديدة والمتجدّدة.
وتُعدّ التوربينات الذّكية من أبرز التطورات الحديثة في مجال طاقة الرياح حيث تعتمد على أنظمة إلكترونية متقدّمة لمراقبة أداء التوربين وتحسينه بصورة مستمرّة من خلال تعديل زاوية الشفرات تلقائيًّا وفق سرعة الرياح وكذلك تغيير اتجاه التوربين لمواجهة اتجاه الرياح ما يحقّق أعلى إنتاجية مع تقليل تكاليف التشغيل والصيانة.
أصبح للذكاء الاصطناعي أيضًا دور مهم في إدارة مزارع الرياح الحديثة حيث يستخدم في التنبّؤ بسرعة الرياح وتحديد أفضل أوقات التشغيل واكتشاف الأعطال قبل حدوثها، كما ساعدت خوارزميّات التعلّم الآلي في تحليل البيانات الصادرة عن التوربينات لاتخاذ قرارات تشغيلية دقيقة.
وشهدت شفرات التوربينات تطوّرًا كبيرًا من خلال استخدام مواد خفيفة وعالية المتانة يتمّ تصنيعها من مواد مثل الألياف الزجاجية وألياف الكربون التي لديها وزن أقلّ ومقاومة عالية للتآكل وعمر تشغيلي أطول وزيادة في إنتاج الكهرباء.
يجب تطوير تصميمات مخصّصة لمعدات طاقة الرياح تناسب ظروف منطقتنا
ونظرًا للتغيّر المستمرّ في سرعة الرياح أصبحت نظم تخزين الكهرباء عنصرًا مهمًّا في مشروعات طاقة الرياح الحديثة وذلك عبر استخدام بطاريات الليثيوم إيون، وهناك تجارب على بطاريات الحالة الصلبة، إضافةً إلى التخزين بالضخّ المائي حيث تساعد تلك الأنظمة على توفير الكهرباء وثباتها حتى في فترات انخفاض وتذبذب سرعة الرياح.
ولقد ساعدت الأبحاث العلميّة في تحسين تصميمات التوربينات وزيادة كفاءتها بالإضافة إلى تطوير حلول جديدة للتغلّب على التحدّيات المناخية وصعوبة دمج الطّاقة المُنتجة من التوربينات في شبكات الكهرباء. فعلى سبيل المثال وعلى الرغم من تميّز المنطقة العربية بوجود مساحات شاسعة من الأراضي الصحراوية والساحلية التي تمتلك سرعات رياح مناسبةً، إلّا أن الظروف المُناخية في تلك المناطق تختلف عن العديد من المناطق الأخرى بسبب ارتفاع درجات الحرارة وزيادة معدّلات الغبار والعواصف الرمليّة ما يستلزم تطوير تصميمات مخصّصة لمعدّات طاقة الرياح تناسب ظروف منطقتنا لضمان أعلى كفاءة للتشغيل وزيادة العمر الافتراضي للتوربينات.
توسّع عربي ملحوظ في مشروعات طاقة الرياح
وقد نجحت العديد من المعاهد البحثية في الوطن العربي في استحداث خرائط لسرعة الرياح واستخدام نظم المعلومات الجغرافيّة والقياسات المُناخية طويلة الأمد لتحديد أفضل المناطق لإنشاء مزارع إنتاج طاقة الرياح خاصّةً في المناطق الساحلية والصحراوية مثل سواحل البحر الأحمر وشمال أفريقيا ومنطقة الخليج العربي حيث شهدت المنطقة العربية خلال العقديْن الماضييْن توسّعًا ملحوظًا في مشروعات طاقة الرياح في إطار توجّه العديد من دول المنطقة العربية لتنويع مصادر الطاقة من خلال مشروعات جديدة توفّر الكهرباء للقطاعات الإنتاجية ومن أهمّها الزراعة.
وتعدّ مصر من الدول الرّائدة في إنتاج طاقة الرياح، ويرجع ذلك إلى تميّز منطقة خليج السويس بسرعات رياح مرتفعة حيث أنشئ مشروع كبير في منطقة "الزعفرانة" على ساحل البحر الأحمر. وهناك أيضًا مشروع "طرفاية" لطاقة الرياح في المغرب على الساحل الأطلسي ويُعدّ جزءًا من الاستراتيجية الوطنية للمغرب، الهادفة إلى رفع مساهمة الطاقات الجديدة والمتجدّدة في إنتاج الكهرباء. كذلك، يُعتبر مشروع دومة الجندل في السعودية أول مشروع تجاري لطاقة الرياح في المملكة حيث يقع في منطقة الجوف ويمثل جزءًا من استراتيجية ورؤية المملكة لزيادة مساهمة الطاقات المتجدّدة. كما يوجد مشروع الطفيلة في جنوب الأردن ومشروع ظفار في سلطنة عُمان.
تطوّر تصميم وتصنيع التوربينات وأنظمة تخزين الطاقة سيسهم في التغلب على الكثير من التحديات
وعلى الرغم من المزايا النسبية الكبيرة للمنطقة العربية فإنّ إنتاج طاقة الرياح يواجه بعض التحدّيات مثل ارتفاع تكلفة إنشاء محطات الرياح والتغيّر المستمر في سرعة الرياح والحاجة إلى أنظمة تخزين متطوّرة للطاقة، وكذلك الحاجة إلى كوادر فنية متخصّصة في التشغيل والصيانة. وعلى الرغم من ذلك، فإنّ التطوّر المستمرّ في تصميم وتصنيع التوربينات وأنظمة تخزين الطاقة سيسهم في التغلب على الكثير من تلك التحدّيات خاصةً أن بعض الدول العربية بدأت في دعم أبحاث طاقة الرياح وأنشأت مراكز أبحاث متخصّصة بالتعاون مع العديد من المعاهد والجامعات الدولية، بالإضافة إلى برامج تدريب الباحثين والمهندسين العاملين في هذا المجال الواعد.
كما وضعت بعض الدول العربية في استراتيجيّاتها خططًا طويلة المدى تعتمد على إنشاء بنية تحتية لنقل التكنولوجيا الحديثة وزيادة مشاركة القطاع الخاص بهدف تحقيق أمن الطاقة مع زيادة الاستثمارات وتقديم حوافز للمستثمرين من خلال صناديق التمويل المحلية والدولية التي تهدف إلى دعم مشروعات الطّاقات النظيفة والمتجدّدة، والتي من أهمّها طاقة الرياح.
(خاص عروبة 22)

