تقدير موقف

طُرُق سوريا إلى جوارها!

تتوسّط سوريا بخريطتها الرّاهنة خمسة بلدان تُجاورها، ولكل واحد من البلدان هوية وملامح تجعله متفرّدًا في بنيته وقدراته وفي علاقته مع الجار السوري.

طُرُق سوريا إلى جوارها!

أوّل بلدان الجوار وأكبرها تركيا في الشمال، المصنّفة بين الدول الأكثر تطورًا في منطقة شرق المتوسط نتيجة إمكانياتها وخبراتها، وهي على تماس مع سوريا عبر أكثر من 500 كيلومتر من الحدود المشتركة، وأربعة قرون من زمن كانت فيه سوريا جزءًا من الدولة العثمانية، وبين الاثنتين ثلاثة من أخطر الملفات: تصفية الخلافات الموروثة عن الحكم العثماني، ملف الأمن على جانبَيْ الحدود، والمياه المشتركة وأبرزها مياه الفرات، وكلها تؤشّر إلى ضرورات التعاون والتشارك بين البلدين على قاعدة المصالح المشتركة.

ويحتلّ العراق المكانة الثانية بين جيران سوريا، وقد تشاركا الخضوع لحكم حزب البعث طوال عقود، وانتهى التشارك إلى كارثة عميقة في البلدين اللذين عاشا معظم القرن الماضي متخاصميْن نتيجة ميراث من تاريخ جعل اجتماعهما وتقاربهما صعبًا، بل شبه مستحيل على الرغم من عوامل التقارب الإيجابية بين البلدين وفيها تداخلات سكّانية، وقدرات كبيرة، وإمكانيات توفّر فرص تكامل ونمو وتقدم، تعزّزها حدود مشتركة بين البلدين تزيد على 600 كيلومتر.

بعد سقوط نظام الأسد صعدت إسرائيل تدخلاتها العسكرية بصورة تعكس سياسة إذلال للسّوريين ونظامهم الجديد

ثالث بلدان الجوار، هو الأردن الذي وُلد من طرف سوريا الجنوبية على هامش الصراع العربي - الإسرائيلي، وعلى الرغم من قلة موارده وإمكانياته، فقد تكاتفت جهود دولية وإقليمية، وتوفرت إرادة وآليات محلية نشطة لبقاء الدولة الأردنية، وكان من الطبيعي أن تكون العلاقات السورية - الأردنية بين أخذ ورد، وجرى في إطارها تبادل تدخلات وهجمات محدودة من دون أن يُكتب لأي منها، أن تكون ذات تأثير كبير على علاقات البلدين والشعبين.

رابع البلدان هو لبنان الذي تحيط سوريا بأكثر من نصف حدوده الدولية، وتشكّل منفذه البري الوحيد، وكانت نواته متصرفية جبل لبنان، وأُضيفت إليه الأقضية الأربعة فصار الدولة اللبنانية في خريطتها الحالية، واستغرقت عملية الفصل بين لبنان وسوريا فيما وصلت إليه من وجود سفارة لكل بلد في عاصمة الآخر أكثر من ثمانين عامًا، تخلّلتها تشابكات وتدخّلات سورية عميقة وخاصة إبّان نظام الأسدين (1970 – 2024)، وعلى الرغم من عمق وعنف ووحشيّة تدخّلات النظامين في لبنان وما ظهر في الأخير من ردود أفعال عليها، فإنّه من غير الممكن أن لا تكون بينهما علاقات قوية ومميّزة تقوم على المصالح المشتركة نتيجة عوامل وأسباب تاريخية وسياسية واقتصادية معاصرة، وبعضها مستمر في المستقبل أيضًا.

البلد الخامس في جوار سوريا والذي يمثّل اختلافًا جوهريًا عن البلدان الأربعة السابقة هو إسرائيل، التي ما زالت موصوفةً بأنّها عدو، ليس فقط لأنّها قامت على جزء من سوريا الجنوبية، كما يرى أغلب السوريين، بل لأنها تحتل منذ العام 1967 الجولان وهجّرت سكانه، ثم أضافت إلى ما سبق تصعيد تدخلاتها العسكرية بعد سقوط نظام الأسد عام 2024 بصورة تعكس سياسة إذلالٍ مُعلنٍ للسّوريين ونظامهم الجديد.

حافظ الأسد أسس نظامًا مستبدًّا في الداخل وطبّق سياسات سيطرة وتمدّد حيث استطاع في الجوار

لقد تعدّدت وتنوّعت السياسات السورية في العلاقة مع الجيران في فترة ما بعد استقلال سوريا عام 1946، وهو مسار طبيعي لدولة ناشئة تختبر محيطها، وترسم علاقاتها وفق المعطيات المحيطة من جهة وطبيعة الدولة وأهدافها من جهة أخرى، وكلّها جعلت من السياسة السورية مع الجوار مرنة وإيجابية على نحو عام، باستثناء سياسة دمشق حيال إسرائيل، التي كانت محكومةً بمعارضة سوريا النزعة الاستعمارية الاستيطانية الإسرائيلية في تعاملها مع الفلسطينيين من جهة ومع المحيط العربي ومنه سوريا من جهة ثانية، ولهذا شاركت سوريا في حرب عام 1948 ووقفت إلى جانب مصر في حرب العام 1956، وخاض جيشها بعض المعارك على الحدود مع إسرائيل، ولم تسجّل تلك الفترة أي سياسات صراع أو صدام مع دول الجوار الأخرى على الرغم من بعض الحساسية التي أشرنا إليها.

غير أنّ المسارات تغيّرت مع وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963 الذي مهّد لاستيلاء حافظ الأسد على السلطة عام 1970 وبدء تأسيس نظام ديكتاتوري مستبدّ في الداخل، وبناء وتطبيق سياسات سيطرة وتمدّد حيث استطاع في الجوار وفي الأقل من ذلك خلق نظام يتجنّب الجوار مقاربته، بل يسكتون عنه، وكثيرًا ما سعت أطراف إقليمية ودولية إلى استرضائه.

الأسد خلق أذرعًا مسلحة في دول الجوار أبرزها "حزب العمال الكردستاني" في تركيا و"حزب الله" في لبنان

لقد صاغ حافظ الأسد وتبنّى طريق التعامل مع الجوار عبر التقارب والتدخّلات المحدودة. ففي العشرية الأولى لم يتأخر عن الانخراط بمشروعات الوحدة والتنسيق مع الأردن ومع الفلسطينيين ومع العراق، وحوّل لبنان إلى حديقة خلفية لنظامه، وخاض عام 1973 مواجهته مع إسرائيل، التي أسّست لتغيير تكتيكي في انتقال المواجهة المباشرة مع إسرائيل إلى مواجهة عبر وكلاء في لبنان، وطوّر في العشرية الثانية سياسات استخدام القوة وخصوصًا في لبنان ومع الفلسطينيين هناك، وتحشيد القوات مع العراق والأردن ولو بصورة أقل، وتنشيط الجماعات الإرهابية ضدّ أهداف مختلفة في مناطق العالم الرخوة.

الأهم في تطوّرات الطريق السوري في التعامل مع جواره، كان في خلق أذرع مسلحة حليفة لنظام الأسد، كان أبرزها "حزب العمال الكردستاني" بقيادة عبد الله أوجلان الذي أطلق تمرّدًا مسلّحًا في تركيا من أجل "حقوق الكرد"، ومثله "حزب الله" اللبناني الذي أُسّس بالتشارك مع إيران ليكون أداة الأسد للسيطرة في لبنان، وقوة ضغط على إسرائيل، وقد أشعل الحزب حروبًا، امتدّت في أنحاء لبنان وجنوبه أغلبها ضدّ لبنانيين وفلسطينيين، وأقلها ضد إسرائيل.

من حقّ سوريا أن تكون حاضرة ومؤثّرة في العلاقات الإقليمية عن طريق التعاون والتفاهم والمشاركة في التنمية

لقد كرّس سقوط نظام الأسد قبل نحو عامين نهاية الطريق الذي اتّبعه للتعامل مع الجوار، وصارت سوريا أمام ضرورة ملحّة لرسم طريق جديد، وهو يبدأ من حقّ سوريا في أن تكون حاضرة ومؤثّرة في العلاقات الإقليمية ولا سيما العلاقة مع دول الجوار، ليس عبر السعي إلى السيطرة والتمدّد بالقوة والمؤامرات ودعم الجماعات الإرهابية والأدوات الخفيّة، والتي أثبتت ليس عدم جدواها فقط، بل قادت في تجربتها العامة إلى إضعاف المنطقة، وتدمير عدد من أهمّ بلدانها في مقدّمتها سوريا والعراق ولبنان، ما يجعل البديل طريق التعاون والتفاهم والمشاركة في التنمية والتقدم، وكلّها أساسية في خيارات سوريا وأغلب جوارها، وهي خيارات تحتاج إلى سياسات وإجراءات عملية، ما زال تعبيرها السوري متواضعًا، بل ومرتبكًا مقارنةً بما ينبغي أن تكون خطواته: جدّية ومبتكرة، خاضعة للتدقيق والتقويم، ولأنّ مهمّات كهذه تبدو صعبة، فإنّها تحتاج إلى تشارك حكومي مع الفعّاليات السياسية والاقتصادية - الاجتماعية، ليس في سوريا فقط، بل في عموم بلدان المنطقة.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن