اقتصاد ومال

الطريق القُطبي الصيني-الروسي-الأوروبي: حدود التحدّي لقناة السويس!

أثارت رحلة السفينة "دبي تاور" من ميناء نينغبو الصيني إلى الموانئ الأوروبية عبر المحيط المتجمّد الشمالي وبحر كارا والتي ستتبعها رحلة أسبوعية عبر هذا المسار، الكثير من الجدل حول مستقبل مسارات النقل البحري للتجارة الدولية، ومستقبل قناة السويس باعتبارها الممر التقليدي لنقل قرابة 15% من التجارة الدولية عمومًا، ونحو 30% من تجارة الحاويات، ونسبة أكبر كثيرًا من التجارة السلعية الآسيوية - الأوروبية. كما أثارت الجدل حول قابلية الدول الأوروبية لمرور تجارتها مع الصين وربما مع شرق آسيا عمومًا، عبر بحار روسيا وبدعم حاسم من سفنها المتخصّصة في كسر وكسح الجليد.

الطريق القُطبي الصيني-الروسي-الأوروبي: حدود التحدّي لقناة السويس!

لم تكن رحلة السفينة الصينية إلى أوروبا عبر المسار الشمالي مفاجئة، فقد دار الكثير من الجدل حول الجدوى الاقتصادية والإمكانية العمليّة لهذا المسار الشمالي. وكان تحوّله من مشروع مقترح إلى واقع عملي، مرهونًا بتطوّر قدرة كاسحات الجليد الروسية على فتح ذلك المسار بشكل آمن واقتصادي. كما شكّلت الأبعاد السياسية لذلك المسار، جانبًا مهمًّا من الوصول إلى قرار النقل عبره.

وما تمّ تدشينه هو رحلة واحدة أسبوعيًّا عبر هذا المسار، أي 52 سفينة سنويًّا وهو رقم لا يُذكر مقارنةً بعدد السفن المارّة عبر قناة السويس، والذي بلغ 25911 سفينة بحمولة إجمالية بلغت 1527 مليون طن في عام الذروة 2022/2023 الذي يشكّل المستوى الطبيعي للمرور عبر القناة في حالة السلم وغياب ظروف الطوارئ والحروب، قبل أن يتراجع بنسبة 50% في ضوء تداعيات حرب الإبادة الصهيونية على غزّة، وقيام مجموعة من الشركات الملاحية الكبرى بإيقاف حركة سفنها عبر البحر الأحمر وقناة السويس مؤقتا، ما أدّى إلى تراجع عدد السفن وحجم البضائع المنقولة عبرها.

الاعتبارات السياسية هي غالبًا في غير صالح هذا المسار

وتتركّز ميزات المسار الشمالي، في اختصار زمن الرحلة من الصين إلى موانئ شمال أوروبا لنحو 20 يومًا، وهو نصف الزمن الذي تستغرقه في حالة المرور عبر قناة السويس. ويُعيبه صعوبة المرور عبره في الشتاء، والدور الروسي المُسيطر عليه والذي يصعب على أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية قبوله حاليًّا.

لكن الموانئ الصينية التي يمكن أن تهتم بهذا المسار هي موانئ عملاقة إذ يتم نقل 1.3 مليار طن من خلال ميناء نينغبو وهو الأكبر عالميًّا في هذا الصدد، بينما يتم نقل مليار طن من البضائع عبر ميناء شنغهاي المقابل لنينغبو على خليج هانغتشو.

وعلى الرغم من الطبيعة الاقتحامية التي خلقت هذا المسار الشمالي الذي أصبح ممكنًا في ضوء التقدم التقني الذي أنتج كاسحات الجليد العملاقة التي تفتح المسار عبر جليد سميك وتقود السفن العابرة من خلاله، إلّا أنّ الاعتبارات السياسية حاضرة بقوة وهي غالبًا في غير صالح هذا المسار، فالدول الأوروبية من الصعب عليها أن تضع تجارتها الخارجية تحت رحمة روسيا في الوقت الراهن بكلّ تعقيدات الصراعات السياسية والعسكرية بين روسيا وأوروبا، والأمر عينه ينطبق على كوريا الجنوبية واليابان. وإنْ كانت تلك الصراعات قابلة للتحوّل إلى علاقات طبيعية في ضوء المصالح الكبرى التي يمكن أن تجمع روسيا بتلك الأطراف لو تمّ تغليب العقل والمصلحة الوطنية لكل دولة.

وفي سياق المسار الشمالي البحري عينه، هناك إمكانيّة لتطوير وتوسيع النقل البري عبر السكك الحديدية بين الصين وشرق آسيا من جهة، وأوروبا من جهة أخرى، عبر الأراضي الروسية. وهذا المسار ينطوي على إمكانيات أكبر لنقل التجارة بين الجهتيْن، وتعترضه أيضًا الاعتبارات السياسية المشار إليها آنفًا، ويزيد عليها أنّ تجارة كوريا الجنوبية المتّجهة إلى أوروبا عبر هذا المسار لا بدّ أن تمر عبر كوريا الشمالية، وهو أمر شبه مستحيل في ظلّ العلاقات العدائية بين الكوريتين في الوقت الرّاهن.

كيف تواجه قناة السويس تحدّيات مسار الشمال الآسيوي - الأوروبي عبر بحار روسيا؟

تتعرّض المكانة الفريدة لقناة السويس في النقل البحري العالمي لتحدّيات عديدة، مثل المسار الشمالي البحري والبري المُشار إليهما آنفًا، والمسار البحري – البري - البحري لنقل تجارة آسيا بحريًا إلى شبه الجزيرة العربية ومنها يتم النقل بريًّا عبر الأردن إلى موانئ البحر المتوسط في الكيان الصهيوني، أو في سوريا ولبنان، ومنها يتم النقل بحريًا إلى أوروبا وموانئ شرق أميركا الشمالية. وما عرقل تحوّل هذا المسار من فكرة طرحها الرئيس الأميركي السابق جو بايدن إلى واقع، هو عدم تورّط المملكة العربية السعودية في تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني حتّى الآن. وربما يكون قيام إيران وعُمان بالتنسيق بينهما لفرض رسوم مرور أو خدمات على المرور من مضيق هرمز، عائقًا جديدًا أمام تطوير هذا المسار الذي تتفوّق عليه قناة السويس اقتصاديًّا في تلك الحالة.

مصر مُطالبة بتعميق قناة السويس وتنمية منطقتها وجعلها مجمّعًا عملاقًا للاستثمارات العالمية

وضمن التهديدات يأتي احتمال قيام الكيان الصهيوني بشقّ قناة من أم الرشراش (إيلات) إلى أشدود أو أي من موانئ فلسطين المحتلة على البحر المتوسط، لكن الاعتبارات العسكرية الصهيونية تقيّد هذا الاحتمال الذي يقسّم فلسطين بقناة مائية، وهو ما تمّ الاستعاضة عنه عمليًّا بمسار بري، بحيث يتم نقل البضائع التي يستقبلها ميناء أم الرشراش (إيلات) بريًّا إلى موانئ فلسطين المحتلة على البحر المتوسط، حيث يعاد تحميلها على ناقلات بحرية إلى أوروبا وأميركا الشمالية.

وإزاء كلّ التحديات التي تواجهها قناة السويس، فإنّ مصر مُطالبة بتطوير قناة السويس وبتعميقها لتصبح قادرةً على استقبال وتمرير السفن التي يبلغ غاطسها 72 قدمًا، بدلًا من الحد الأقصى الحالي البالغ 66 قدمًا. كما أنه من المهم توظيف النقل البري بسيارات النقل الثقيل وبالسكك الحديدية لنقل جزء من التجارة الدولية المحمّلة على الناقلات العملاقة التي يصعب مرورها من قناة السويس، من موانئ مصر على البحر الأحمر، إلى موانئها على البحر المتوسط، ليعاد تحميلها على ناقلات أخرى إلى مقاصدها الأوروبية والأميركية. كما أنّ هناك ضرورة لتنمية منطقة قناة السويس وتوظيف موقعها الاستثنائي في قلب العالم لجعلها مركزًا للسياحة وتجارة الترانزيت، ومجمّعًا عملاقًا للاستثمارات العالمية المكرّسة لتصدير منتجاتها إلى أسواق أوروبا وأميركا وأفريقيا والمنطقة العربية، بنفقات نقل وتأمين أقلّ من تلك التي تتحمّلها في حالة توطنها ونقل منتجاتها من شرق وجنوب آسيا إلى المقاصد المذكورة.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن