في عام 2025، كان يعبر مضيق هرمز ما يقارب 15 مليون برميل يوميًّا من النفط الخام، أي ما يعادل 34% تقريبًا من تجارة النفط الخام العالمية، وترتفع إلى ما يقارب 20 مليون برميل يوميًّا من النفط ومنتجاته التي كانت تمرّ عبر هرمز وتمثّل نحو خُمس الإنتاج العالمي وكانت معظمها تتجه إلى آسيا.
لكن هذه الكميّات تراجعت بشكل وصل إلى الصفر في بعض أوقات ذروة الحرب، وأدّى ذلك إلى ملامسة صادرات دول مثل قطر والكويت والبحرين الصفر من النفط والغاز في بعض الأوقات، في حين تراجعت صادرات العراق بشكل حادّ، ولكنّه واصل التصدير جزئيًّا عبر تركيا وسوريا بينما عادت صادرات السعودية إلى مستوياتها الطبيعية تقريبًا عبر خط أنابيب "شرق – غرب" الذي ينقل النفط من الساحل السعودي للخليج إلى ساحلها الغربي على البحر الأحمر.
الدول العربية بحاجة إلى التكيّف مع الوضع عبر إعادة تموضع خطوط نقل النفط والغاز والبضائع
وفي يوليو/تموز 2026، انخفضت صادرات الإمارات من النّفط الخام المنقول بحرًا على أساس سنوي بنحو 11% فقط مقارنة بنحو 3.25 ملايين برميل يوميًّا في يوليو/تموز 2025، يُعتقد أنّ أغلبها يصدّر عبر خط أنابيب حبشان - الفجيرة الذي يمرّ إلى خليج عمان.
وعلى الرغم من الجهود الديبلوماسية لحلّ الأزمة فإنه يجب ملاحظة أن كثيرًا من الحروب تطول غالبًا أكثر من معظم التوقّعات، وحتى توقّعات أطرافها، كما أنّ المؤشرات تنذر بأنّ إيران لن تتخلّى عن سيطرتها على مضيق هرمز، حتى لو خفّفتها قليلًا.
يشير ذلك إلى حاجة الدول العربية إلى التكيّف مع هذا الوضع عبر إعادة تموضع خطوط نقل النفط والغاز والبضائع لتنساب جزئيًّا بعيدًا عن مضيق هرمز بشكل قد يغيّر مشهد النقل واللوجيستيات الحالي في المنطقة.
وعلى الرغم من أنّ نقل النّفط ومشتقّاته عبر شاحنات الصهاريج مكلّف ومضرّ بالبيئة، لكنّه يظل حلًّا سريعًا وجزئيًّا يجب تعزيزه، كما فعل العراق من خلال التصدير بالشاحنات عبر سوريا حتّى إيجاد حلول أكثر ديمومة.
الميليشيات العراقية لا تريد تخفيف القبضة الإيرانية على النفط العربي
بالطبع تظلّ خطوط الأنابيب أكثر فعّالية وأرخص على الرغم من أنها أطول أمدًا في وقت تأسيسها وأكبر من حيث التكلفة الرأسمالية ومعرّضة أيضًا للهجمات والقصف.
وفي هذا الصدد، ظهر مشروع خط الأنابيب بين العراق وسوريا (بطاقة مستهدفة مليونيْ برميل يوميًّا)، الذي تشجّعه الولايات المتحدة في محاولة لإبعاد بغداد عن إيران ودمج دمشق في النظام الإقليمي برعاية أميركية، ولكن المشروع باهظ التكلفة وسيستغرق وقتًا طويلًا، حيث نقلت وكالة "رويترز" عن مصادر قولها إنّ أعمال البناء ستستغرق أربع سنوات، وستُكلِّف ما لا يقلّ عن 15 مليار دولار، مع صعوبة ترميم خط كركوك - بانياس القديم.
إضافةً إلى المشكلات الأمنية في سوريا والعراق سواء تهديدات داعش الكامنة في البادية السورية أو الميليشيات العراقية الموالية لإيران التي لا تحبّذ تحسّن العلاقة بين بغداد ودمشق كما أنّ هذه الميليشيات لا تريد تخفيف القبضة الإيرانية على النفط العربي.
المسار المصري يتعزّز من خلال خطط السعودية لتوسيع خط "شرق – غرب"
وهناك خطط لتوسيع وزيادة خط الأنابيب المار عبر تركيا (من كركوك إلى ميناء جيهان التركي)، وهو مؤهّل أكثر من الناحية الفنية ولكنّه أطول، كما أنّه قد يصطدم باعتراضات الأحزاب العراقية الحليفة لطهران إلى جانب أنه يزيد من نفوذ تركيا على العراق، ولذا قد يكون من صالح بغداد تنويع خياراتها عبر المسارات التركية والسورية وكذلك عبر خط الأنابيب المقترح عبر الأردن ثم التصدير عبر خليج العقبة إلى آسيا أو أوروبا عبر قناة السويس أو عبر خط سوميد المصري الأكثر رسوخًا وتأهيلًا من الناحية الفنية.
ويتعزّز المسار المصري، من خلال خطط المملكة العربية السعودية المحتملة لتوسيع خط "شرق – غرب" بمقدار مليونيْ برميل يوميًّا لينقل نفط دول الخليج خاصّةً الكويت إلى ميناء ينبع السعودي الواقع على ساحل البحر الأحمر الذي تحوّل إلى بديل حقيقي لهرمز ومنه عبر باب المندب أو مصر في حال استهداف الحوثيين لمسارات الطاقة في جنوب البحر الأحمر.
كما قد تكون الكويت وقطر بحاجة إلى إنشاء خطوط أنابيب بالاتفاق مع السعودية عبر أراضي المملكة لتصل إلى البحر الأحمر أو شمالًا إلى الأردن وسوريا أو عبر المسار السعودي ومنه إلى خط سوميد وقناة السويس وباب المندب وهو أقلّ تكلفة وأقصر من حيث طول الأنابيب.
كما تحتاج دول الخليج إلى بحث إنشاء خطوط أنابيب تمرّ إلى خليج عمان والبحر العربي من خلال السواحل العمانية والإماراتية وحتى اليمنية.
الاستثمار الخليجي في ساحل جنوب الجزيرة العربية من أفضل الحلول لمواجهة القبضة الإيرانية على مضيق هرمز
وهذا المسار قد يكون ملائمًا أيضًا لخطوط الملاحة العادية لنقل البضائع بعيدًا عن مضيق هرمز عن طريق الموانئ العمانية والإماراتية وكذلك اليمنية على خليج عُمان والبحر العربي، ويحتاج ذلك إلى استثمارات في الموانئ واللوجيستيات والنقل الطرقي والسككي من ساحل الخليج العربي إلى جنوب الجزيرة العربية وكذلك إلى الساحل السعودي على البحر الأحمر.
إنّ الاستثمار الخليجي في ساحل جنوب الجزيرة العربية قد يكون واحدًا من أفضل الحلول لمواجهة القبضة الإيرانية على مضيق هرمز في ظلّ حقيقة أنّ جزءًا كبيرًا من تجارة دول الخليج النفطية وغير النفطية هو مع آسيا.
ويمثّل الساحل السعودي على البحر الأحمر ومنه إلى مصر أو باب المندب الحلّ الأسرع في ظل الإمكانات اللوجيستية الكبيرة المتوفّرة للقاهرة والرياض، في حين أنّ الخيارات التركية والسورية تُمثّل فرصًا ممكنةً ويجب استغلالها، ولكنّها تجمع بين التكلفة الكبيرة والمخاطر السياسية وبالأخصّ الأمنية في حالة سوريا والعراق، كما أنّ هذين المسارين يصطدمان بواقع ارتباط تجارة العراق ودول الخليج مع آسيا.
(خاص عروبة 22)

