بالطبع، نرجو الخير لسوريا، ونسعد بخلاصها من الحصار ومن ضغوط العقوبات الأميركية، لكن يظلّ لنا حقّ الدهشة إزاء السلوك/الموقف الأميركي، وطبيعة الانحياز الثقافي الكامن خلفه، والذي يبدو معاكسًا للمنطق السّائد حول طبيعة العلاقة بين العالم العربي الإسلامي، والعالم الغربي المسيحي. فعبر القرن العشرين، كان الخطاب الثقافي والسياسي الرّائج هو أنّ الغرب طالما استحثّ المجتمعات العربية على الدخول في الحداثة، وعاب على تلك المجتمعات تلكّؤها في السير على ذلك الطريق الحداثي/التنويري، وأنّه طالبهم مرارًا بحثّ الخطى على طريق العلمانية منتقدًا معاندتهم صيرورتها.
أميركا لم تتوانَ من خلال أجهزتها الاستخباراتية عن توظيف الإسلاميين المتشدّدين في حصار التوجّهات الوطنية والقومية
وفي أعقاب 11 سبتمبر/أيلول بالذّات، ثم الغزو الأميركي للعراق، اعتمد الخطاب الثقافي الغربي/الأميركي تقسيمًا ثنائيًّا للمجتمعات العربية؛ طرفها الأول هم المعتدلون الذين يقبلون بالحداثة، ولا يكرهون الغرب، بل يحبّذون الدور الأميركي في المنطقة. وطرفها الثاني هم المتشدّدون الذين يرفضون الحداثة ويكرهون الغرب ويعاندون الدور الأميركي.
يبدو هذا التقسيم خطيرًا لدافعَيْن اثنيْن على الأقل:
الأول، كونه اختزاليًّا يحصر المعتدلين، الذين جرى تقريظهم دومًا، في المتغرّبين، الذين يقبلون بالحضور الغربي في عالمنا ومجتمعاتنا بلا قيد أو شرط، على منوال أولئك الذين صاروا تاليًا إلى حظيرة التطبيع الإبراهيمي من دون أدنى حدّ للحقوق الفلسطينية. جرى تجاهل أنّ القوميّين في الحقيقة حداثيّون، وعلمانيّون معتدلون، وإن لم يكونوا ديموقراطيين وليبيراليين. كما أنّهم معتدلون أيضًا، اجتهدوا مرارًا في البحث عن صيغ ثقافية توفّق بين أصالتهم الثقافية وبين معطيات الحداثة الغربية، صيغ تقبل بالغرب شريكًا حضاريًّا لهم لكنها ترفض اعتماده وصيًّا ثقافيًّا عليهم، كونهم يكرهون بالفطرة كلّ أشكال الاحتلال والهيمنة أيًّا كان مصدرها، فهم إذن لا يكرهون الغرب لذاته، بل لنزعته الاستعلائية ومخرجات سياساته الاستعمارية، التي لا تزال تمارس حضورها المزعج في الصراع العربي ـ الإسرائيلي، انحيازًا دائمًا وتلقائيًّا لإسرائيل، وتبنّيًا للرواية الصهيونية الرسمية.
كما جرى تجاهل حقيقة أنّ هذا التيّار هو الذي قبل باتفاقيات سلام متعدّدة بحثًا عن حلّ عادل للصراع مع إسرائيل يلتزم بالحق الفلسطيني في دولة مستقلة. وهو الذي أبدى من الاحترام للشرعية الدولية قدرًا لم يتردّد معه في التحالف مع الولايات المتحدة ضدّ دولة عربية هي "العراق" عندما غزت الكويت، لكنّه، على الرغم من ذلك، لم يحصل أبدًا على السلام العادل، ومن ثمّ شعر بكمٍّ هائل من المرارة إزاء خذلان الغرب له وتعرية مواقفه أمام التيّار المتشدّد. ومن ثمّ بدا الطريق طيلة نصف القرن الماضي مسدودًا أمام الكتلة الرئيسية في المجتمعات العربية، ومفتوحًا أمام التيّار الهامشي المتشدّد، الأمر الذي أغراه بالتحرّك إلى مواقع السلطة في بعض دولنا، متذرّعًا بالدفاع عن القضية الفلسطينية التي تكاد تغرب شمسها.
الدولة العظمى أدارت ظهرها للكتلة العربية الحديثة والمعتدلة خشية نهوضها وتشكيل هوية استراتيجية حضارية
أمّا الثاني فكونه مُخاتلًا، لأنّ الولايات المتحدة التي مجّدت المعتدلين وانتقدت المتشدّدين، لم تتوانَ يومًا، من خلال أجهزتها الاستخباراتية، عن توظيف الإسلاميين المتشدّدين في حصار التوجّهات الوطنية والقومية التي تتناقض معها. حدث ذلك في مواجهة المدّ الشيوعي وضدّ الاتحاد السوفياتي بين الخمسينيّات والثمانينيّات. ثم حدث ما يشبهه إبّان حكم الرئيس أوباما، وعلاقته بجماعة الإخوان المسلمين في أعقاب حدث الثلاثين من يونيو/حزيران 2013، والذي أسمته الجماعة انقلابًا، وسلكت الدولة العظمى على منوالها لفترة ليست قصيرة، على الرغم من كونه ثورة جماهيرية على حكم ديني متخلّف. بل إنّه لا يزال يحدث أمام أعيننا حيث الدعم الأميركي للرئيس السوري المُوَقت أحمد الشرع، "أبو محمد الجولاني" سابقًا، قائد جبهة النصرة، بهدف توظيفه في خدمة استراتيجيّاتها الإقليميّة.
وهكذا تتبدّى المفارقة الكبرى؛ فالدولة العظمى، المحفّزة لحركة العالم المعاصر، والحاضنة المفترضة للسّائرين على طريق الحداثة، هي نفسها التي أدارت ولا تزال تُدير ظهرها للكتلة العربية الحديثة والمعتدلة، خشيةً من احتمالات نهوضها وقدرتها على تشكيل هوية استراتيجية تواكب عمقها الحضاري. وفي المقابل، تعطي وجهها لجماعات الإسلام السياسي، والحركات الجهادية، التي تمزّق تلك الهوية الاستراتيجية والحضارية!.
(خاص عروبة 22)

