لا تنظر القاهرة إلى اتفاق مكة باعتباره مجرّد إطار للتعاون العسكري بين ثلاث دول، وإنّما إلى ما قد يترتّب عليه من آثار في خريطة الأمن الإقليمي، وفي شبكة العلاقات التي بنتها مصر مع أطراف هذه الخريطة، وفي مساحة الحركة التي تريد أن تحتفظ بها لنفسها.
الاتفاق نفسه لا يعني بالضرورة ولادة محور جديد في مواجهة محور آخر. فالدول الثلاث لا تتحرّك من الحسابات نفسها؛ باكستان عينها على الهند، والسعودية تنظر إلى أمن الخليج وموازين القوة الإقليمية، وتركيا إلى موقعها ومصالحها الأمنية والإقليمية.
الأمن الإقليمي بدأ يتحوّل إلى ترتيبات تحاول دول المنطقة أن يكون لها نصيب أكبر في صنعها
لذلك فهو أقرب إلى ترتيب تتقاطع فيه مصالح وتهديدات متباينة، من دون أن تتطابق دوافع أطرافه، ويُتيح لهذه القوى توسيع هامش حركتها داخل نظام ما زالت الولايات المتحدة تحتفظ فيه بموقع القوة المركزية، أكثر ممّا يمثّل خروجًا منه.
في الوقت عينه، يؤشر الاتفاق إلى أنّ الأمن الإقليمي بدأ يتحوّل من ترتيبات تأتي من الخارج إلى ترتيبات تحاول دول المنطقة أن يكون لها نصيب أكبر في صنعها.
وهذه النّقلة، حتى لو كانت في بدايتها، هي الأهم في دلالة الاتفاق؛ لأنّ القضية لا تتعلّق فقط بمَن يتحالف مع مَن، وإنما بمَن يملك القدرة على تعريف مصادر الخطر، وصياغة الاستجابات لها، وتحديد قواعد الأمن في الإقليم.
وهذا بالضبط ما يجعل الموقف المصري مهمًّا.
فمصر ليست دولةً هامشيةً في أي تصوّر للأمن الإقليمي، وكانت حاضرةً في الاتصالات التي سبقت الاتفاق، لكنّها حين انتقل الأمر من المشاورات إلى التزام دفاعي فضّلت التريّث، وأن تدرس بدقّة ما يعنيه الانضمام، وما الالتزامات التي يمكن أن تترتّب عليه، وإلى أي مدى تتوافق مع حسابات الأمن القومي المصري.
لا تستطيع مصر أن تنظر إلى أي تحالف جديد بمعزل عن تأثيره في بقية دوائر سياستها الخارجية
الانتقال من التشاور السياسي إلى الالتزام الدفاعي ليس تفصيلًا في الصياغة، وإنما انتقال من مساحة الحركة المرنة إلى التزام قد يضع الدولة، في ظروف معيّنة، أمام مسؤولية عسكرية تجاه حليف.
ومن ثمّ فإنّ القاهرة لا تسأل فقط عمّا يمكن أن تكسبه من العضوية، وإنما عمّا يمكن أن تلتزم به في المقابل. ومَن يحدّد متى يصبح الالتزام نافذًا، وما هي حدود المشاركة التي يمكن أن تجد نفسها مطالبة بها.
وهنا تأتي معاهدة السلام المصرية – الإسرائيلية كأحد عناصر الحساب، لا باعتبارها عائقًا قانونيًا مُطلقًا يمنع مصر من الانضمام، وإنما باعتبارها التزامًا قائمًا ينبغي ألا تتعارض معه التزامات جديدة. وتتوقّف المسألة على طبيعة الاتفاق، وحدود الدفاع المشترك، والظروف التي يمكن أن تستدعي تفعيل الالتزام العسكري، وهي مسائل لا تستطيع القاهرة تجاهلها.
لكن الحساب المصري أوسع من المعاهدة؛ فهناك علاقاتها الوثيقة بالإمارات، وعلاقاتها الاستراتيجية مع السعودية والولايات المتحدة، وهناك كذلك الشراكة المتنامية مع الهند، التي لا تريد القاهرة أن تدخل في حسابات خصومة ليست طرفًا فيها.
بحكم هذه الشبكة من العلاقات، لا تستطيع مصر أن تنظر إلى أي تحالف جديد بمعزل عن تأثيره في بقية دوائر سياستها الخارجية؛ فكل التزام جديد قد يفتح لها مجالًا في اتجاه، بينما يُضيّق مجالها في اتجاه آخر.
ومن هنا فإنّ قرار القاهرة لا يتعلّق فقط بموقعها داخل الاتفاق، وإنما بموقع الاتفاق داخل سياستها الخارجية الأوسع.
من حقّ مصر أن تعرف ليس فقط ما يقوله الاتفاق وإنما ما يستطيع أن يفعله
وفي ظنّي أنّ التطورات التي أعقبت اتفاق مكة عزّزت سياسة التريّث، وعكست رغبةً مصريةً في رؤية الاتفاق وهو يُختبر على الأرض، لا الاكتفاء بما ورد في نصّه. فمعرفة ما إذا كان الالتزام بالدفاع المشترك سيُترجم إلى قدرة فعلية على الردع والحماية عند وقوع تهديد حقيقي، ستكشف الكثير عن القيمة العملية للاتفاق وحدود الجدية فيه.
ومصر، وهي تدرس الانضمام إلى التزام دفاعي جديد، من حقّها أن تعرف ليس فقط ما يقوله الاتفاق، وإنما ما يستطيع أن يفعله.
لهذا يبدو التريّث المصري مفهومًا، بل وربّما ضروريًا، لكن بشرط ألّا يتحوّل إلى انتظار.
فمصر ليست مطالبةً بأن تكون عضوًا في كلّ تحالف ينشأ حولها، كما أنّها لا تسعى إلى رفض كلّ ترتيب جديد. كلا الخيارين، إذا تحوّل إلى قاعدة ثابتة، يمكن أن يصبح قيدًا على السياسة الخارجية بدل أن يكون تعبيرًا عنها.
وهنا يصبح التريّث نفسه اختبارًا.
فإذا كانت ترتيبات الأمن الإقليمي تنتقل تدريجيًا إلى أيدي القوى التي تمتلك القدرة على المبادرة، فإنّ بقاء مصر مؤثّرة لن يتحقّق بمجرّد المحافظة على علاقاتها القائمة، وإنّما بقدرتها على تحويل هذه العلاقات إلى أدوات لصناعة التوازن. وبدلًا من أن تكون سببًا للتريث تُصبح مصدرًا للقوة إذا أحسنت القاهرة توظيفها في بناء مساحات مشتركة، عوضًا عن التعامل معها كقيود متعارضة.
الأهمّ أن تمتلك مصر رؤية واضحة للدور الذي تريد أن تؤدّيه
لدى مصر ما يكفي من الأسباب لكي تتريّث، وبعضها مشروع ومفهوم. لكن صانع السياسة المصرية مُطالب بأكثر من تحديد موقف مصر من اتفاق مكة؛ مُطالب بأن يفحص موقعها في الإقليم: هل تنتظر أن يتحدّد لها الدور، أم تسعى إلى تحديده ضمن رؤية مصرية أوسع للأمن الإقليمي وموقع مصر فيه؟.
ليس على مصر أن تدخل اتفاق مكة حتّى لا تكون معزولةً، كما ليس عليها أن تبقى خارجه لإثبات استقلالها. الأهمّ أن تمتلك في الحالتين قدرةً على المبادرة، وشبكة مصالح، ورؤية واضحة للدور الذي تريد أن تؤدّيه.
اتفاق مكة اختبار لقدرة مصر على الانتقال من إدارة موقعها في الإقليم إلى صناعة موقعها، ومن التكيّف مع تحوّلات المنطقة إلى المشاركة في تشكيلها.
(خاص عروبة 22)

