تقدير موقف

مخاطر الاستيطان اليهودي في جنوب لبنان!

في فجر يوم 7 أغسطس/آب عام 2026، عبر الحدود الإسرائيلية - اللبنانية نحو 15 ناشطًا استيطانيًا، معظمهم من الفتيات، وذلك بقصد إقامة خيام استيطانية في جنوب لبنان، وعندما انكشف الأمر أعادهم الجيش الإسرائيلي إلى ذويهم. لم تكن هذه المرة الأولى التي يحاول فيها عناصر تنتمي إلى حركات اليمين الدّيني المتشدّد عبور الحدود لإقامة بؤر استيطانية في الجنوب. ففي يوليو/تموز من العام عينه، قامت مجموعة من أعضاء حركة "أوري تسافون" باختراق الحدود والوصول إلى منطقة نهر الحاصباني، ولكن الجيش أعادهم إلى إسرائيل. ومن قبل، وصلت مجموعة أخرى في ديسمبر/كانون الأول عام 2024 إلى منطقة بالقرب من مارون الرّاس، وهي بلدة في قضاء بنت جبيل، ونصبوا خيامهم. نفى الجيش الحادثة في البداية، ثم أقرّ بها وبأنه أعادهم إلى الداخل الإسرائيلي. يتّضح من هذه الأحداث تبلور نمط من محاولات فرض "حقائق أوليّة" على الأرض.

مخاطر الاستيطان اليهودي في جنوب لبنان!

يُشير ما تقدّم إلى وجود حركة منظّمة لتشجيع الاستيطان في جنوب لبنان، وهي حركة "أوري تسافون"، وهي حركة دينية قومية متطرّفة، تأسّست في ربيع 2024، بهدف الدعوة إلى الاستيطان في بعض مناطق جنوب لبنان، وتهجير سكّانها العرب منها، وإقامة تجمّعات سكانية يهودية فيها.

ينطلق نشاط الحركة من الاعتقاد بأنّ المنطقة الممتدّة من الحدود الإسرائيلية - اللبنانية إلى نهر الليطاني هي جزء من "أرض إسرائيل". ومع أنّها بدأت كجماعة هامشية صغيرة، فإنّها سُرعان ما توسّعت تدريجيًّا، وصار لها مؤيّدون وأنصار في الفضاء الإلكتروني.

دعاة الاستيطان اليهودي في جنوب لبنان يستندون إلى مذكّرة المنظمة الصهيونية العالمية برئاسة حاييم وايزمان

تغيّرت الظروف، ففي عام 2024 كانت الفكرة تبدو شاذّة وغير مقبولة، وحتّى الذين دعوا إلى احتلال جنوب لبنان، مثل أفيغدور ليبرمان، رئيس حزب "إسرائيل بيتنا"، برّروا ذلك لدواعٍ أمنية، بينما ذكر صراحة أنّه لا يدعو إلى ضمه أو إقامة مستوطنات يهودية فيه. أمّا في عام 2026، فبرز التأييد السياسي لفكرة الاستيطان بصورة أكبر، فصرّح بتسلئيل سموتريتش، وزير المالية، في 23 مارس/آذار، بأن على إسرائيل توسيع حدودها مع لبنان حتى نهر الليطاني. وقال إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي، في 14 مايو/أيار، بمناسبة يوم القدس: "لدينا خطط عدّة للاستيطان في لبنان". وظهرت أصوات من أحزاب اليمين الديني والقومي وممثليهم في الكنيست تؤيّد هذا الموقف. تلقى الفكرة تأييدًا أيضًا من بعض الحاخامات، ومن أبرزهم شموئيل إلياهو، حاخام صفد، ونشطاء حركة الاستيطان في الضفة الغربية، وعائلات الجنود القتلى في جنوب لبنان.

تعود جذور هذه الفكرة إلى مؤسّس الحركة الصهيونية، تيودور هرتزل، الذي كتب عن "أرض الميعاد" كفضاء قابل للتمدّد، وفقًا للاعتبارات الديموغرافية والاقتصادية. ومع أنّه ركز على أرض فلسطين، إلّا أنّه أشار في يوميّاته إلى أنّ الدولة المنشودة يجب أن تسيطر على مصادر المياه في المنطقة المجاورة لضمان بقائها. واعتبر المفكّرون الصهيونيون الأوائل أنّ المياه القادمة من نهر الليطاني هي الشريان الحيوي لنجاح المشروع الاستيطاني الزراعي لليهود.

ثم نجدها أيضًا في التفسيرات التوراتيّة التوسّعية لأنصار الفكر الديني القومي الصهيوني المتشدّد، وما يعتبرونه "الأرض الموعودة" لليهود، والتي تمتدّ إلى جنوب لبنان.

تتراكم الحجج التوراتية والتاريخية والمائية والأمنية لتدعم الدعوة إلى الاستيطان في جنوب لبنان

يستند دعاة الاستيطان اليهودي في جنوب لبنان إلى المذكّرة التي قدمتها المنظمة الصهيونية العالمية برئاسة حاييم وايزمان إلى مؤتمر السلام في باريس عام 1919، والتي حدّدت خريطة الدولة التي تنشدها. ووفقًا لها، فإنّ الحدود الشمالية تبدأ من جنوب صيدا على البحر الأبيض المتوسط، وتمتدّ لتشمل حوض نهر الليطاني، فقد اعتقد وايزمان أنّ جنوب لبنان يمثّل ظهيرًا اقتصاديًا ومائيًا للوطن القومي اليهودي. وكتب ديفيد بن غوريون عام 1920 أنّ نهر الليطاني هو الحدّ الشمالي الطبيعي لإسرائيل.

بعد عام 1948، اتّسمت النظرة الإسرائيلية إلى جنوب لبنان بطابع أمني، أفصحت عن نفسها في محاولات متكرّرة لإنشاء حزام أمني في المنطقة، وشهدت حقبة السبعينيّات والثمانينيّات من القرن الماضي، وصولًا إلى اجتياح لبنان في عامي 1978 و1982، محاولات إسرائيلية لربط جنوب لبنان اقتصاديًا وعسكريًا بإسرائيل، تحت اسم "منطقة الحدود اللبنانية المُدارة"، وإقامة المنطقة الأمنية العازلة في الفترة ما بين 1985 و2000.

يستخدم أنصار "أوري تسافون" هذه الحجّة الأمنية بشكل مُختلف، ومؤدّاها أهمية جنوب لبنان لأمن المستوطنات في شمال إسرائيل، وأنّ إسرائيل انسحبت من جنوب لبنان عام 2000، فعانت من وجود "حزب الله" على حدودها. ومن ثمّ، فإنّ الحل ليس إقامة منطقة عازلة منزوعة السلاح وحسب، ولكن استيطان يهودي ووجود إسرائيلي دائم، ما يجعل الانسحاب من هذه المناطق أكثر صعوبة مستقبلًا.

وهكذا، تتراكم الحجج التوراتية والتاريخية والمائية والأمنية لتدعم الدعوة إلى الاستيطان في جنوب لبنان.

الاستيطان هو الأساس والقاطرة في نشأة إسرائيل واستمرارها

أسعى دائمًا إلى الالتزام بمنهج موضوعي في بحث الأمور، ولست من أنصار التهوين أو التهويل. ما زال خطر الاستيطان اليهودي في جنوب لبنان محدودًا ومتواضعًا، وما زال الجيش يمنع هذه المحاولات، ولكن دعم حركة "أوري تسافون" يزداد منذ نشأتها عام 2024. واليوم، في أغسطس/آب 2026، توجد محاولات عبور استيطاني متكرّرة، وتأييد سياسي لشخصيات في الحكومة والكنيست لذلك.

ومن هنا لزم التنبّه والمتابعة الدقيقة، ففي تاريخ الاستيطان اليهودي تبدأ الأمور في شكل مجموعة خيام وبؤر صغيرة، ثم ينتقل هذا النشاط من الهامش إلى المركز، ويحصل في ما بعد على الحماية السياسية والشرعية القانونية والدعم الحكومي. وهذا هو ما حدث في حالة حركة "غوش إيمونيم" الاستيطانية في الضفة الغربية... يجب أن لا ننسى أبدًا أنّ الاستيطان هو الأساس والقاطرة في نشأة إسرائيل واستمرارها!.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن