صناعة الدواء العربي: تبعية استيرادية وتعاون غائب!

القاهرة - أحمد أبو المعاطي

المشاركة

تواجه صناعة الدواء في العالم العربي، سلسلةً من التحديات التي تمسّ الأمن القومي العربي في الصميم، في ظلّ تبعية استيرادية لم تنقطع منذ عقود للمواد الخام، ما يضع الأمن الدوائي العربي في مهبّ رياح تقلّبات سوق الدواء العالمية، وما يصاحبها من أزمات جيوسياسية.

صناعة الدواء العربي: تبعية استيرادية وتعاون غائب!

تُشير العديد من الدراسات، إلى جملة ما تنفقه مصانع الدواء العربية على المدخلات الدوائية الأساسية من الأسواق العالمية، والتي تناهز نحو 90% من احتياجاتها، ما يكلّف الاقتصاد الوطني في العديد من البلدان العربية مبالغ طائلة، تعكس ما تعانيه السوق العربية من عزلة، وغياب عن أي تكامل حقيقي، يمثّلان حجر عثرة على طريق تحقيق الاكتفاء الذّاتي والمنافسة العالمية.

تصنّف صناعة الدواء، باعتبارها واحدة من أهم خمس صناعات استراتيجية ترتبط على نحو وثيق بالأمن القومي، لما تمثله من أهمية كبرى، تمتدّ إلى رسم السياسات الاقتصادية للعديد من الدول التي تخصّصت في تلك الصناعة، ونجحت في أن تحتلّ مكانة بارزة في سوق الدواء العالمية، التي تشهد غيابًا لافتًا للمنتج العربي، في مفارقةٍ لا تخلو من غرابة، إذ كان العرب على مدار قرون، هم أسياد تلك السوق، التي اعتمدت في بواكيرها على استخلاص كثير من الأدوية اعتمادًا على علوم النباتات التي ازدهرت عند العرب والمسلمين، بدءًا من القرن الرّابع الهجري، والتي تجلّت في ظهور مجموعة بارزة من العلماء في هذا المجال، مثل أبو حنيفة الدينوري، الملقّب بـ"أبو علم النبات العربي"، وابن البيطار الذي يعدّ أشهر علماء النبات والصيدلة في عصره، والذي يُعدّ مؤلفه الأشهر "المغني في الأدوية المفردة"، أحد أكبر المراجع العلمية في صناعة الدواء حتى الآن.

من مخطوطات أبو حنيفة الدينوري

تقدّر الإحصاءات الرسمية الصادرة عن وزارات الصحة العربية، حجم سوق وصناعة الأدوية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بنحو 60 مليار دولار، وهي نسبة ضئيلة للغاية، لا تزيد على 3% فقط، إذا ما قورنت بحجم سوق التصنيع الدوائي العالمي التي تبلغ مخرجاتها ما يُساوي 184.9 مليار دولار سنويًا، حسب إحصاءات العام 2024. وعلى الرغم من أن صناعة الأدوية في العالم العربي، تغطّي نسبةً مقبولةً من الاستهلاك المحلي، إلّا أنّ الاعتماد المفرط على استيراد الموادّ الخام، يمثّل تحديًا كبيرًا أمام مئات المصانع العربية التي تقوم على تلك الصناعة، والتي تعتمد على استيراد المواد الخام المستخدمة في تلك الصناعة من الهند والصين، حيث تستورد مصر وحدها، ما يزيد على 3 مليارات دولار سنويًا من المواد الخام، لتشغيل ما بين 172 إلى 180 مصنعًا مرخّصًا لإنتاج الأدوية، وفقًا للبيانات الرسمية الصّادرة عن هيئة الدواء المصرية، وهو عدد لا يكفي حسبما يقول الدكتور حسين الصبّاغ، الأستاذ في كلية الصيدلة بجامعة المنصورة، لتغطية احتياجات السوق المحلية كافّة.

ويُضيف الصباغ: "كان الدواء المنتج محليًا في فترة السبعينيّات يكفي لتغطية نحو 90% من احتياجات المصريين الذين كان يبلغ تعدادهم في ذلك الوقت نحو 40 مليون نسمة تقريبًا، وقد انخفضت النسبة مع مرور الزمن لتلامس الآن ما بين 35 إلى 65% فقط، على الرغم من دخول العديد من شركات الأدوية متعدّدة الجنسيات إلى سوق الدواء المصرية، وهو ما بات يفرض ضرورة التوسع في إنشاء مصانع أدوية جديدة لتغطية الفجوة في الاستهلاك المحلي، وزيادة الموارد المادية للمصانع التّابعة للدولة، ورفع كفاءتها التشغيليّة، بالتعاون مع القطاع الخاص، حيث تمثّل تلك الصناعة الدرع الواقية للأمن الدوائي، ليس في مصر وحدها، وإنما في باقي الدول العربية، التي تعتمد بصورة كبيرة على الأدوية المستوردة من الخارج.

لعب تشرذم أسواق الدواء العربية، دورًا كبيرًا في تعقيد الأزمة على مدار عقود، وقد ساهم في ذلك تجزئة سوق الأدوية العربية إلى وحدات صغيرة، الأمر الذي أدّى إلى ضعف القوة التفاوضية للشركات العربية العاملة في صناعة الدواء عند استيراد المواد الخام، ورفع تكاليف الإنتاج المحلي، بالتزامن مع ضعف الإنتاج، حيث لا يزيد متوسط إنتاج المصنع الواحد في المنطقة العربية على 13 مليون دولار سنويًا، وهو رقم هزيل إذا ما قورن بما تُنتجه المصانع الغربية سنويًا، أضف إلى ذلك حسبما تقول الدكتورة فاطمة سعد، أستاذ الجغرافيا الاقتصادية في كلية الدراسات الإنسانية بجامعة الأزهر، ضعف الإنفاق على البحث والتطوير، فالمصانع العربية مجتمعة، ربّما لا تكون قادرة حتى اليوم على تمويل تطوير دواء مبتكر واحد، والذي قد تتجاوز تكلفته 300 مليون دولار.

ينظر كثير من الخبراء في صناعة الدواء، إلى الفجوة التكنولوجية والمعرفيّة، باعتبارها التحدّي الأكبر الذي يواجه تلك الصناعة عربيًا، حيث لعبت تلك الفجوة دورًا كبيرًا في انحصار الإنتاج العربي في الأدوية الجنيسة "ذات الأسعار المنخفضة مقارنة بالأصلية"، بينما تظلّ الأدوية المبتكرة والأغلى قيمة حكرًا على الشركات العالمية الكبرى، وهو ما بات يفرض ضرورة العمل على تجاوز المقاربات الفردية، إلى تعاون مؤسّسي عربي، ينطلق من توحيد تشريعي لإجراءات التسجيل والترخيص، مرورًا بالتنسيق للشراء المشترك للمواد الخام، والشروع في الإجراءات اللّازمة لإطلاق سوق عربية موحدة للدواء، تعتمد على منصة بحثية عربية مشتركة، تعمل على الاستفادة من تراكم الخبرات، وتعزّز نقل التكنولوجيا، وتقاسم المخاطر المالية للبحث والتطوير، ويقول هؤلاء إنّ هذا المسار التعاوني، على الرغم من صعوبته السياسية واللوجيستية، ربما يكون هو الخيار الوحيد لتحويل صناعة الدواء في العالم العربي، من مجرّد قطاع مستهلك، إلى ركيزةٍ للأمن الصحّي القومي والاستقلال الاقتصادي العربي.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن