كانت افتتاحية العدد صريحةً في الحديث عن "منطقة عربيّة غارقة في الفوضى والعنف"، مع استثناء نسبيّ يهمّ المغرب العربي والخليج العربي، وقد أحصت أزمات عدّة تمرّ منها المنطقة ومعها العالم الإسلامي: "صراعات لا تنتهي تمتدّ من ليبيا إلى أفغانستان، تأخذ الأرواح. في فبراير/شباط 2026، أطلقت إسرائيل والولايات المتحدة حربًا جديدةً ضد إيران، وتأثيراتها محسوسة حتّى في خزّانات السيارات الأوروبيّة، من دون معرفة نتيجتها على الرغم من توقيع بروتوكول اتفاق في يونيو/حزيران الماضي"، ولهذا تطرّق العدد بالأرقام والإحصاءات والمقالات المركّزة إلى "تحليل التحدّيات التي تواجه منطقة في قلب الأحداث العالميّة".
طالما أنّ هذه المنطقة تعاني فلن يعرف العالم السلام
ليس هذا وحسب، تضيف الافتتاحية التي غلبت عليها نبرة التشاؤم، لاعتبارات عدّة مرتبطة بأوضاع الساحة العربية، منها على سبيل المثال أنّ "الحرب ليست الكلمة الوحيدة التي يجب أن تُذكر لتعريف هذه الأراضي، التي غالبًا ما تكون ضحية لقرارات الأقوياء. سكانهم، سواء كانوا جزائريين، فلسطينيين، إيرانيين أو لبنانيين، مدنيين، ميليشيات، ناشطين، رجال أعمال أو طلاب، ليسوا مجرّد أرقام في إحصاء مروّع للأرواح التي اختفت تحت الأنقاض. يجب التذكير بذلك، حتى لا نختزل الشرق الأوسط في مصائبه أو ننكر واقعه، لأنّه طالما أنّ هذه المنطقة تعاني من الأزمات، فلن يعرف العالم السلام".

عناوين المقالات المخصّصة لدول المنطقة، بما فيها العناوين الفرعيّة، كانت دالّة بخصوص الوضعيّة الجيوسياسيّة لأغلب الدول العربية. مع مصر، نحن إزاء المخاطر الاقتصاديّة وتقوية النظام العسكري لعبد الفتاح السّيسي (ثمّة تنويه بعودة نسبيّة للقاهرة إلى "موقعها المركزي كوسيط" في الأزمة الفلسطينيّة، لولا أنّ الجمهورية المصرية "ضعيفة بشكل خاص بسبب الصراع بين طهران وواشنطن وتل أبيب، بسبب هشاشة اقتصادها أمام الصدمات التي تؤثر على طرق التجارة البحرية وأسعار النفط")؛ العراق يمرّ بأزمتين، الشلل السياسي وتبعات الاعتماد على النفط بسبب تبعات حرب الصراع على مضيق هرمز؛ إيران تمرّ بانهيار اقتصادي وارتفاع مؤشرات العنف (جاء في التقرير المخصّص للمشهد الإيراني أنّه من خلال هذه الحرب أظهر النظام الإيراني أنّ التكنولوجيا، مهما كانت متطوّرة، لا تملك الكلمة الأخيرة في ساحة الصراع ولا تكفي لتقليص قوة خصم عسكري. ومع ذلك، لا ضير من التذكير بأنّ الدولة الإيرانية، التي يسيطر عليها الحرس الثوري، في أزمة)؛ توقّعات اقتصاديّة قاتمة في الأردن؛ لبنان بين تداعيات الأزمة الماليّة وحرب الاستنزاف ومخاطر انهيار الدولة؛ السراب الديموقراطي عنوان المشهد في ليبيا؛ المغرب يتأرجح بين الفورة الرياضيّة وقلاقل ملف الصحراء؛ هاجس الانخراط في المعترك الدولي يُهيمن على الوضع في سوريا؛ فلسطين بين السلام المستحيل والفوضى السياسيّة؛ تونس على إيقاع الهيمنة الرئاسيّة والقمع وكراهية الأجانب والمقاومة المدنيّة؛ وأخيرًا، القمع الداخلي لم تسلم منه تركيا.
في قلب هذه الإكراهات المُركّبة، تُدقّ أجراس عام 2026 لوداع الآمال الضئيلة المتبقّية للسلام في منطقة تتمركز في قلب الاضطرابات العالميّة منذ اندلاع حرب جديدة، في 28 فبراير/شباط، وهي الحرب التي اعتبرتها افتتاحية العدد الخاص أنّها: "أكدت السعي الأميركي لفرض رؤية أمنية أحاديّة"، لولا أنّه من تداعيات تلك الحرب، "استمرار مقاومة نظام طهران، الذي أطلق صواريخه على جميع أنحاء المنطقة وأغلق مضيق هرمز كعقوبةٍ، وهي التداعيات التي أفرزت عواقب وخيمة على أسواق الطاقة، بينما توسّع إسرائيل نفوذها السياسي والإقليمي على جيرانها، وتواصل تدمير قطاع غزّة والضفّة الغربية".
مشروع الصهيونية أجبر اليهودية على اتخاذ موقف تجاهه من الرفض إلى المزايدة
الأداء الإسرائيلي في فلسطين المحتلة، لم يكن محور المقالة المخصّصة للوضع في فلسطين وحسب، بل كان حاضرًا كذلك في مقال رأي للباحث الفرنسي أوليفييه روا، والذي اشتهر بأعمال عدّة حول الظاهرة الإسلاميّة الحركيّة في المنطقة العربية والعالم الإسلامي، وافتتح مقاله باستعراض العلاقة بين الصهيونيّة السياسيّة واليهوديّة: "الأولى مشروعٌ قوميٌ وعلمانيٌ، لكن نجاحه أجبر اليهوديّة على اتخاذ موقف تجاهه وفقًا لمجموعة متنوّعة من الخيارات، من الرفض إلى المزايدة، مرورًا بجميع الأشكال الممكنة للتأييد، ساعيًا إلى يهوديّة الصهيونيّة"، ليُنهي مقاله المركّب بحصر أهمّ مخرجات تلك العلاقة: "التطهير العرقي الصريح والتوسّع الإقليمي، احتواء الوجود الفلسطيني وتحديد حدود أمنيّة متقلبة حسب الأزمات" (احتلال قطاع غزّة في عام 1967 وجنوب لبنان في عام 1982، مع المغادرة والعودة للاحتلال)، وبالنتيجة، خدمة سيناريو "إسرائيل الكبرى المتجانسة عرقيًّا والتي تمتد جغرافيًّا"، على الرغم من خطاب الدعاية التي تصاحب الحديث عن التوازن الإقليمي من نوع "اتفاقيات أبراهام".
(خاص عروبة 22)

