كانت البداية مع جمال الدين محمد بن إبراهيم الأنصاري المعروف بالوطواط الكتبي (ت 718هـ/1318م)، والذي أنتج أول موسوعة في العصر المملوكي، وهي "مباهج الفكر ومناهج العبر"، والتي قسّمها إلى أربعة فنون؛ هي: الفلك والأجرام السماوية، والجغرافيا، والحيوان، والنبات. وكلّ فن ينقسم إلى تسعة أبواب، ويتناول في عمله الموسوعي معظم العلوم البشرية المعروفة في عصره، وما أنجز فيها عبر مسيرة الحضارة العربية، ويعرضه بأسلوب أدبي.
وتتبّع شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب النويري (ت 733هـ/ 1333م) منهج الوطواط، فأنتج موسوعته الكبيرة "نهاية الأرب في فنون الأدب" التي استعار فيها تقسيم الوطواط الرباعي ثم أضاف إليه فنًّا خامسًا هو فنّ التاريخ، الأمر الذي ضخّم من مادة موسوعته التي قدم في الجزء التاريخي منها تغطيةً شاملةً لكل الدول التي ظهرت في الإسلام حتى الربع الأول من القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي، واتّبع فيه المنهج الموضوعي إذ أرّخ لكل دولة بشكل كامل من بدايتها حتى نهايتها متجنّبًا المنهج الحولي في التاريخ، وهو المنهج عينه الذي اتّبعه ابن خلدون في كتابه "العبر وديوان المبتدأ والخبر"، والذي يبدو أنّه استعاره من النويري.
الثقافة العربية تواجه محنة مع سيادة ثقافة عالمية استهلاكية لا تحترم الخصوصيّات الثقافية
ثم جاء شهاب الدين أحمد بن يحيى بن فضل الله العمري (ت 749هـ/ 1349م)، وألّف موسوعته "مسالك الأبصار في ممالك الأمصار" التي قصرها على الجغرافيا والتاريخ، وإن تناول فيها العديد من الموضوعات التي تغطّي مظلةً واسعةً من العلوم والفنون عبر تقسيمه مادة موسوعته إلى قسمين كبيرين، أولهما "في ذكر الأرض وما اشتملت عليه برًّا وبحرًا"، والثاني "في سكان الأرض من طوائف الأمم".
واعتمد شهاب الدين أحمد بن علي القلقشندي (ت 821هـ/ 1418م)، على كتاب "التعريف بالمصطلح الشريف" لابن فضل الله العمري لبناء مادة موسوعته الأدبية "صبح الأعشى في صناعة الإنشا"، وهو آخر عمل موسوعي وصلنا من العصر المملوكي.
كما يمكن ضم كتب أخرى ظهرت في ذلك العصر إلى نمط التأليف الموسوعي، مثل "لسان العرب" لابن منظور (ت 711هـ/1311م)، الذي يعتبر أكبر المعاجم العربية وأكثرها موسوعية وأحسنها تنظيمًا حتى زمانه. كذلك، كتاب "حياة الحيوان الكبرى" لكمال الدين الدميري (ت 808هـ/1405م)، الذي جمع في إطار موسوعي بين علوم الحيوان والأدب والتاريخ واللغة. بل يمكن النظر في هذا الإطار إلى الاهتمام بتدشين كتب تاريخية موسوعية الطابع تستغرق كل تاريخ المسلمين سواء في التاريخ الثقافي أو السياسي، وتتنوّع بين التأريخ بالتراجم والتأريخ بالسنين، وهو ما نجده في أعمال ابن خلكان وابن سعيد الأندلسي والذهبي وابن كثير وابن أيبك الصفدي وابن خلدون وابن الفرات الحنفي والمقريزي والعيني وغيرهم.
نحتاج إلى جيل يُعيد إحياء الثقافة العربية بين الحفاظ على القديم وهضم الجديد
إنّ المشترك بين كل هذه الأسماء والإنتاج الموسوعي هو الرغبة في الحفاظ على إرث الثقافة العربية في مواجهة محنة كانت تهدّد منتجها بالزوال، من هنا جاءت هذه الحركة الموسوعيّة لتبويب المنجز الثقافي العربي وتقديمه للأجيال الجديدة والحفاظ عليه في مواجهة الفناء، وهي روح نحتاج إلى إعادة استلهامها اليوم، والثقافة العربية تواجه محنة مع سيادة ثقافة عالمية استهلاكية أميركية الطابع لا تحترم الخصوصيّات الثقافية، بالتوازي مع معالم انسلاخ عن الثقافة العربية بين الكثير من أبنائها، فالخطر الحالي ربّما لا يكون مباشرًا كما كان خطر المغول، لكنّه لا يقلّ عنه في تهديده للثقافة العربية التي تحتاج الآن إلى جيل يُشمّر عن ساعديه لإنجاز مشروع ثقافي عربي يُعيد إحياء الثقافة العربية بين الحفاظ على القديم وهضم الجديد، كما فعل من قبل جيل الموسوعات في زمن صعب!.
(خاص عروبة 22)

