إنّ هذا التعريف المدرسي الأولي الشائع والسائد، على صحّته، لا يدرك أنّ المواطنة هي عملية نضالية تاريخية اقتصادية/اجتماعية ومدنية/سياسية من أجل اكتساب الحقوق المصادرة والمهدرة والغائبة، وأنّ هناك علاقة "جدلية" بين الحركيّة المواطنية وتطوّر المجتمعات، وأنّ المواطنة بأبعادها المختلفة لم تكتمل إلّا بالاشتباكات النضالية المتنوّعة المتعاقبة والمتزامنة اقتصاديًا، واجتماعيًا، وسياسيًا، ومدنيًّا، وثقافيًّا.
الفجوة الطبقية ينتج عنها "تفاوتات حياتية" على جميع الأصعدة
يرجع الفضل في تعميق النظرة إلى المواطَنة إلى عالم الاجتماع البريطاني توماس مارشال (1893 – 1981، في كتابه: الطبقة، المواطنة والتنمية الاجتماعية) عندما قاربها في إطار النظام الرّأسمالي، ما أتاح له رصد تطوّر المواطنة على أرض الواقع من خلال نضالات النّاس من جهةٍ، كذلك اكتشاف علاقتها بالنظام الطبقيّ من جهةٍ أخرى. فإذا كانت المواطنة قد فرضت عبر النضال أن تؤسّس وتؤكّد على مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص في التعليم والصحة والسكن والحماية والخدمات بين المواطنين، إلّا أنّ هذا لا يعني إنهاء الصراع أو التمييز الطبقي. بلغة أخرى، يمكن ــ بفضل النضال المواطني كما حدث في حالة إنجلترا – أن تتغيّر قوانين العمل، فيتساوى العامل وصاحب رأس المال قانونيًّا، أي تتحقّق المساواة القانونية. ولكن تبيّن أنّ المساواة القانونية لا تضمن ــ بالمطلق ــ أن يمتدّ تأثيرها لتعوّض فروقات المكانة والثروة والقوة/السلطة بين صاحب العمل والعامل في الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي.
فتح اجتهاد "مارشال" التاريخي أفقًا في مجال ربط حركة المواطنين ــ الحراك المواطني بالتطوّر الاقتصادي ــ الاجتماعي، وأثر الجدل بينهما على السياسة والثقافة، كذلك المجال العام، والمؤسسية، والتنمية، والرفاه، والعمل، والأنظمة التأمينية... إلخ. وعليه واصلت اجتهادات براين تيرنر (الرأسمالية والمواطنة)، ومارغريت سومرز (التطوّر التاريخي للمواطنة)، وجاك باربليت (المواطنة: الحقوق، الصراع، واللامساواة الطبقية)، وغي ستاندينغ (البريكاريات: الطبقة الخطرة الجديدة)، ولوكا مافيللي (المواطنة النيوليبيرالية)، وسارا أماليا (المواطنة الاقتصادية)، وغيرهم، تعميق مقاربة المواطنة في إطار علاقتها بالنظام الاقتصادي السّائد من جهةٍ، والوضع الطبقي المترتّب عليه من جهةٍ أخرى. وقد خلصت هذه الاجتهادات، وغيرها، إلى أنّ الفجوة الطبقية ينتج عنها "تفاوتات حياتية" على جميع الأصعدة في الدخل، والثروة، والقوة، والنفوذ، والعمل، والأمل، والتطلّع إلى المستقبل، والمتعة، والأمن، والتنقّل، وإمكانية وحرية الوصول إلى المعلومات، والمعرفة، والثقافة، والتعليم، والصحة، والسكن، والحيّز المكاني، والعدالة... إلخ.
نصوص المساواة الدستورية والقانونية وحدها لا تستطيع جعل المساواة حقيقة
بمعنى آخر: "التفاوت في شروط الحياة"؛ وربما يكون من المفيد أن نلقي الضوء بإيجاز على مساهمتَيْن بالغتَيْ الأهمية لكلٍ من "ج. باربليت" و"غي ستاندينغ" كما يلي:
أولًا: مساهمة "باربليت" في هذا المقام، تبرز مساهمة "جاك باربليت" التي عُنِيَ فيها بدراسة العلاقة المركّبة بين الصراع الطبقي والحقوق والمساواة وأثرها ــ سلبًا وإيجابًا ــ على المواطنة. وخلص فيها إلى أنّ هنالك علاقة عكسية متنامية بين تزايد الفجوة الطبقية واللّامساواة وتراجع المواطنة.
ثانيًا: مساهمة "ستاندينغ" (قدّمناها مبكرًا للقارئ العربي)، التي رصد فيها التغيّرات النوعية المستجدّة على الجسم الطبقي وتشكّل طبقة "البريكاريات"، التي ناهزت ربع سكان إنجلترا حيث أُجري المسح الطبقي مطلع العقد الثاني من القرن الـ21 - قمنا بمحاولة تعريبها إلى "طبقة المنبوذين" - حيث المواطن "البريكارياتي/المنبوذ"، ليس مجرّد فقير أو عاطل أو مهمّش، فقط، وإنّما هو فرد (طبقة) خارج أي حسابات حكومية ومجتمعيّة، فرض عليه النّبذ أن يعاني (يعانوا) من شتّى أنواع التفاوتات وبحدّة. لذا أسماها "ستاندينغ" الطبقة الخطرة الجديدة. وغنيٌّ عن البيان، التأكيد على عجز تلك الطبقة عن ممارسة أي فعل مواطني من شأنه أن يغيّر الأحوال.
علينا أن نعمل على الاجتهاد في دراسة الأوضاع الطبقية في واقعنا العربي
الخُلاصة، وبالعودة إلى حديث التفاوت/التفاوتات، يمكن القول إنّه قد كشف عن الحقيقتين التاليتين:
- الحقيقة الأولى: إنّ التفاوتات الحياتية المتشابكة تؤدّي، بالضرورة، إلى تفاوت القدرة على ممارسة المواطنة، إذ تتوقّف هذه القدرة على الوضع الطبقي للمواطن.
- الحقيقة الثانية: إنّ نصوص المساواة الدستورية والقانونية وحدها لا تستطيع جعل المساواة حقيقة على أرض الواقع.
وبعد، أظن أنّه بات لزامًا علينا أن نعمل على الاجتهاد في دراسة الأوضاع الطبقية في واقعنا العربي (الذي أظنّه طبقيًّا بامتياز) بعد ما طرأ عليه من "حراكات" قبل خمس عشرة سنة (راجع مقالنا في "عروبة 22": خرائط طبقية جديدة لعرب ما بعد الحراك)، وما حلّ بها من صراعات عسكرية، وأزمات اقتصادية،وسياسية، واجتماعيّة، وثقافيّة. ومن ثم، دراسة أثر ما استجدّ من تحوّلات مجتمعيّة على فاعلية المواطنين. وفي النهاية، كيف يمكن تفعيل نصوص المساواة وسدّ فجوات الحياة!.
(خاص عروبة 22)

