لا يـعـنـي ذلـك، قـطـعًـا، أنّ الـدّيـمـوقـراطـيّـة الـتّـمـثـيـلـيّـة - كـمـا نـشـهـد عـلـيهـا اليـوم - مـنـتـوجٌ سـياسـيٌّ بـرجوازيّ صـرف؛ فـلـقـد تـطـوّرت وتَـعَـدَّل بـنـيـانُـهـا عـمّـا كـانـهُ فـي البـدايـات؛ أَيّـانَ شـرعـتِ البـرجـوازيّـةُ فـي ابـتـنـائـه وحـصـرتِ الاسـتـفـادةَ مـنـهـا والمـشـاركـة فـيـهـا فـي نـطـاقـهـا الطّـبـقـيّ الضّـيّـق، فـمـا لـبـثـت مـع ذلـك الـتّـطـويـر أن صـارت مـنـتـوجًـا سـياسـيًّـا عـامًّـا تـشـاركـت قُـوى المـجـتـمـعـات وطـبـقـاتُـهـا كـافّـة فـي إنـتـاجـه مـن طـريـق تـنـمـيـةِ عـمـرانـها (بـما فـيهـا - بـل خـاصّـةً - الـقـوى المـنـتِـجـة مـن عـمّـالٍ وفـلّاحـيـن فـضـلًا عـن الطّـبـقـة الـوسطـى وصـولًا إلـى تحـريـر الـدّيـمـوقـراطـيّـة مـن الـتّـسـلُّـط الـذّكـوريّ عـلـيهـا بإشـراع البـاب أمـام مـشاركـة الـنّـسـاء فـيهـا وإقـرار حـقّـهـنّ فـي ذلـك).
إذا كـان للـبـرجـوازيّـة فـضْـلُ الـتّــبـكـيـر إلـى وضْـع الأسـاسـات والـمـدامـيـك لـنـظـام الـدّيـمـوقـراطـيّـة الـتّـمـثـيـلـيّـة - وهـو فـضْـلٌ لـيـس لأحـدٍ أن يـجـحـده - فـإنّ للـنّـظـام هـذا تـاريـخًـا مـديـدًا قـطـع أشـواطَـه حـتّـى صـار إلـى مـا صـار إلـيـه اليـوم مـن هـيـئة، وكـان الـفـاعـلـون فـي صُـنْـع ذلـك الـتّـاريـخ كُـثـرًا مـن خـارج البـرجـوازيّـة.
تجاهُل صارخ من قبل نظام الديموقراطية التمثيلية للمسألة الاجتمـاعية وللحقوق الجماعية في الثروة
عـلـى أنّ هـذه القـراءة الـتي تـنـسُـب الـدّيـمـوقـراطـيّـة إلـى أهـلـهـا كـلًّا لا بـعـضًـا، مجـتَـمَـعًـا بـرمّـتـه لا طـبـقـةً بـعـيـنـهـا إذ تُـنْـصِـف طـبـقـات المجـتـمـع الأخـرى وتَـذْكُـر لـهـا حـقَّـهـا فـي هـذا الـنّـظـام، مـن غـيـر حَـيْـفٍ وغَـمْـطٍ، تُـخـفِّـف الـوطـأةَ - فـي الـوقـت عـيـنِـه - عـن البـرجـوازيّـة حـيـن تـنـتـقـد وجـوهَ الـعُـوار فـي ذلـك الـنّـظـام وتـعـزو الأسـبـاب إلـى سـوءِ بـنـاءٍ وتـصـمـيـمٍ شـاركـت فـيـه طـبـقـاتُ المجـتـمـع قـاطـبـة لا الـبـرجـوازيّـة حـصـرًا مـوزِّعـةً المـسـؤولـيّـة، فـي إسـاءة الـبـنـاء تـلـك، تـوزيـعًـا عـادلًا عـلى الشّـركـاء فـيـهـا جـميـعًـا.
يـعـتـور نـظـامَ الـدّيـمـوقـراطـيّـة الـتّـمـثـيـلـيّـة، ذا الجـذور اللّـيـبـيرالـيّـة، عـطـبٌ تَـنَـقَّـص مـن مـضـمـونـه واسـتـمـرّ يـدُلّ عـلى واحـدٍ مـن أَظْـهَـر مَـعـايِـبـه. يـتـعـلّـق الأمـرُ فـي هـذا بـمـا كـان مـن تَـجـاهُـلٍ صـارخٍ، مـن قِـبـل هـذا الـنّـظـام، للـمـسـألـة الاجـتـمـاعـيّـة وللـحـقـوق الجـمـاعـيّـة فـي الـثّـروة، فـي هـنـدسـتـه السّـيـاسـيّـة، مـقـابـل تـظـهـيـره الحـقـوقَ السّـيـاسـيّـة والـقـانـونـيّـة وخـاصّـةً الحـقّ فـي الـمُـلْـكـيّـة والحـرّيّـة. وحـتّـى حـيـنـمـا جـنـح الخـطـابُ اللّـيـبـيرالـيّ للـتّـشـديـد عـلى مبـدأ المـسـاواة بـمـا هـو الأولـويّـةُ الـرّئـيـس (كـمـا فـي حـالـة الـثّـورة الـفـرنسـيّـة)، عـلى حـسـاب أو أكـثـر مـن مـبـدأ الحـرّيّـة (كـمـا فـي بـريـطـانـيـا ثـمّ الولايـات المـتّحـدة الأمـيركـيّـة)، مـا كـانـتِ المسـاواة لـتـعـنـيَ فـيـه أكـثـر مـن المـسـاواة فـي الحـقـوق الـقـانـونـيّـة لا غـيـر، ولـيـس فـي الـثّـروة أو، قُـل، فـي الحـقـوق الاجـتـمـاعـيّـة - الاقـتـصـاديّـة. فـي تـجـاهُـل هـذه الحـقـوق الأخيـرة، مـا مـن فـرْق بـيـن نـمـوذج الـدّيـمـوقـراطـيّـة الـتّـمـثـيـلـيّـة فـي فـرنسا - وهـو مـركـزيّ - ونـمـوذجـهـا فـي الولايـات المـتّـحـدة الأمـيركـيّـة وبـريـطـانـيـا - وهـو لا مـركـزيّ - مـثـلـمـا لا فـرق بـيـن مَـن نَـظَّـر للأوّل وهـنـدسـه ذهـنـيًّـا (جـان جـاك روسـو) ومـن نـظَّـر للـثّـانـيّ وأسـاغـه (جـون لـوك)؛ إذِ الـنّـمـاذجُ المُـطـبَّـقـة والـنّـصـوصُ الـتّـأسـيـسيّـة تـسـتوي فـي اطِّـراحـهـا الحـقـوقَ الاجـتـمـاعـيّـة وانـتـبـاهِـهـا الحـصـريّ إلـى السّـيـاسـيّـة - الـقـانـونـيّـة.
أمـسـك كـارل مـاركـس بـالطّـرف الـثّـانـيّ للـعـصـا فـشـدَّد عـلى أنّ المـسـاواة الحـقّ هـي تـلـك الـتي تـدور عـلى الحـقـوق الاجـتـمـاعـيّـة، نـاقـدًا الأطـروحـةَ اللّـيـبـيرالـيّـة ومـبـيّـنًـا زيـفَـهـا الـذي تـحـاول أن تـحـجـبـه مـن خـلـف سـتـار شـعـار المسـاواة؛ حـيـث يـمـثّـل الاسـتـيـلاءُ عـلى الـثّـروة مـن طـريـق المُـلْـكـيّـة الخـاصّـة لـوسـائـل الإنـتـاج، ومـن طـريـق الاسـتـحـواذ عـلى فـائـض الـقـيـمـة، نـقـضًـا شـامـلًا لـمـبـدأ المسـاواة. بـيـد أنّ تـلامـذة مـاركـس، بـدءًا بـلـيـنـيـن والبـلاشـفـة، مـا لـبـثـوا أن غـالَـوْا فـي تـرجـيـح كـفّـة هـذه الحـقـوق عـلى الحـقـوق السّـيـاسـيّـة، غـلـوًّا شـديـدًا، فـانـتـهـت بـه قُـصـوويّـتُـهـم إلـى الـطّـعـن فـي شـرعـيّـة الـنّـظـام الـدّيـمـوقـراطـيّ رُمّـةً ومـعـالـنـةِ اللّـيـبـيرالـيّـةَ ومـكـتـسـبـاتـهـا السّـياسـيّـةَ عـداءً جـهـيـرًا. ولـقـد وَقَـف الـعـالـمُ جـمـيـعُـه عـلى الـكـوارث الـتي نجـمـت مـن ذلـك حـيـن انـتـهـى الأمـرُ بـسـتـالـيـن إلى تـشـيـيـد نـظـامٍ سـيـاسـيّ كـلّانـيّ (تـوتـالـيـتـاريّ) ارتـكـب مـن الـكـبـائـر السّـيـاسـيّـة مـا أفـسـد عـلى المـاركـسـيّـيـن والاشـتـراكـيّـة كـلَّ سـمـعـةٍ مـحـفـوظـة لـقـضـيّـتـهـم.
الأمر في الديموقراطية التمثيلية يتعلّق بأسطورة من أساطير السياسة الحديثة
الـيـوم، مـا عـاد شـرطًـا أن يـكـون المـرءُ مـاركـسـيًّـا أو فـوضـويًّـا حـتّـى يُـفـصِـح عـن نـظـرةٍ نـقـديّـة إلـى الـدّيـمـوقـراطـيّـة الـتّـمـثـيـلـيّـة (اللّـيـبـيرالـيّـة) السّـائـدة فـي العـالـم المـعـاصـر؛ ولا بـات واردًا أن يُـحـسَـب نـقْـدُهُ هـذا فـي عـداد الـدّفـاع عـمّـا سُـمّـيَ، فـي مـا مـضـى، بـ"الـدّيـمـوقـراطـيّـات الشّـعـبـيّـة" ثـمّ عـمّـا عُـرِف بـاسـم الـدّيـمـوقـراطـيّـة المـبـاشـرة مـن نـمـط الـتّـمـثـيـل فـي مـجـالـس المـنـتـجـيـن (السّـوڤـيـيـتـات مـثـلًا) أو الـتّـسـيـيـر الـذّاتـيّ؛ ولا أَنْ يُـنْـظَـرَ إِلَـيْـهِ بِـما هُـوَ تَـمْـجـيـدٌ لِـنَـمـوذَجِ الـكـومـونـاتِ (كـومـونَـةُ بـاريـس 1871، كـومـونَـةُ كْـرونْـشْـتـاد 1921، كـومـونَـةُ شَـنْـغْـهـاي 1927، فَـضْـلًا عَـنْ عـامِـيَّـةِ أَنْـطِـلْـياس 1840)؛ ذلـك أنّ نـقـد هـذا الـنّـمـوذج كـان قـد ابـتـدأ أمـرُه، مـن داخـل الـفـكـر اللّـيـبـيرالـيّ نـفـسـه، مـنـذ نـهـايـات الـنّـصـف الأوّل مـن الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر (ألـكـسـي دو تـوكـڤـيـل، جـان سـتـيـوارت مِـل)، يـكـفـي مـا آلـت إلـيـه اليـوم فـي عـهـد أولـيـغـارشـيّات المـال والأعـمـال الـذيـن اسـتـولـوا بـأمـوالـهـم عـلى السّـيـاسـة والـتّـمـثـيـل والمـؤسّـسـات والأحـزاب والإعـلام والـرّأي العـامّ وبـاتـوا حُـكّـامًـا يُـديـرون الـدّول. هـل يـوجـد أكـثـر مـن هـذا المـآل الـذي إلـيـه آلـت الـدّيـمـوقـراطـيّـة الـتّـمـثـيـلـيّـة لـكـي يَـدُلَّـنـا عـلى أنّ الأمـر فـيـهـا يـتـعـلّـق بـأسـطـورةٍ مـن أسـاطـيـر السّـيـاسـة الحـديـثـة!.
(خاص عروبة 22)

