الحوكمة والديموقراطية

زمن "الديموقراطية الموحِشة"!

ليست الأزمات ظاهرة طارئة في تاريخ النظام الرأسمالي، وإنّما تكاد تكون جزءًا من آليّات اشتغاله. فمنذ نشأته عرف هذا النظام أزمات متعاقبة اختلفت أسبابها وأشكالها ودرجات حدّتها، لكنّه تمكّن في كل مرّة من إعادة ترتيب آليّاته وتجديد نفسه واستئناف مسار التراكم. غير أنّ الأزمات التي عرفها العالم خلال العقود الأخيرة بدت أكثر عمقًا، لأنّها لم تكشف فقط عن اختلالات اقتصاديّة وماليّة، وإنّما كشفت كذلك عن حدود النّموذج الاجتماعي والسياسي الذي نشأ وتطور في كنف الرّأسماليّة الحديثة.

زمن

فقد أفرزت هذه الأزمات اتساعًا في الفوارق الاجتماعيّة، وتراجعًا في أوضاع قطاعات من الفئات والطبقات الوسطى، وتناميًا للفقر والهشاشة، في الوقت الذي ازدادت فيه قوة رأس المال وتأثيره في القرار السياسي. وبذلك لم تعد المسألة الاقتصاديّة منفصلةً عن المسألة الدّيموقراطيّة؛ إذ أصبح السؤال مطروحًا حول قدرة الأنظمة السياسيّة على ضمان العدالة الاجتماعية، وحماية الحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة، والحدّ من تغوّل المصالح الماليّة والاقتصاديّة على القرار العام.

لعلّ أخطر ما كشفت عنه هذه التحوّلات أنّ أزمة الدّيموقراطيّة لا تعني بالضرورة انهيار مؤسّساتها، بل قد تبدأ من داخلها، ومن تراجع العلاقة التي تربط المُواطن بها. فالدّيموقراطيات الغربيّة، التي راكمت خبرة طويلة في ممارسة الحكم التمثيلي، لا تزال تمتلك دساتير وانتخابات وبرلمانات وأحزابًا ومؤسّسات مستقلة، لكنّها تواجه في المقابل تراجعًا في الثقة والمشاركة السياسيّة، إذ انحسر الانتساب إلى الأحزاب والنقابات، وضعفت الروابط التقليدية التي كانت تؤطّر المواطن سياسيًّا واجتماعيًّا، وتراجع الإقبال على بعض وسائل الإعلام الحزبيّة والنقابيّة، كما أخذ العزوف الانتخابي في الارتفاع في عددٍ من المجتمعات.

جوهر الأزمة يكمن في اتساع المسافة بين المواطن والمؤسسات التي يفترض أن تمثّله

ولا ينبغي، مع ذلك، تفسير هذه الظاهرة باعتبارها مجرّد لامبالاة سياسيّة. فالمواطن لم يغادر المجال العام بالضرورة، وإنّما تغيرت طرائق حضوره فيه. إذ انتقل جزءٌ من المشاركة، من المؤسّسات التقليديّة إلى المجتمع المدني والحركات الاجتماعيّة والفضاء الرقمي، حيث أصبح الفرد قادرًا على التعبير عن مواقفه والدفاع عن قضايا مُحدّدةٍ خارج الأطر الحزبيّة والنقابيّة المعتادة. ومن ثمّ، فإنّ جوهر الأزمة يكمن في اتّساع المسافة بين المواطن والمؤسّسات التي يفترض أن تمثّله، وفي الشعور المتزايد بأنّ المشاركة السياسيّة لا تؤدّي دائمًا إلى تغيير ملموس في السياسات أو في شروط الحياة اليومية.

وبذلك أخذت الدّيموقراطيّة المُعاصرة تواجه مفارقةً أساسيّةً: مؤسّساتٍ لا تزال قائمة، في الوقت الذي تراجعت الثقة في قدرتها على تمثيل المجتمع وإحداث التّغيير. ومن العوامل التي ساهمت في ذلك اتّساع الفوارق الاجتماعيّة، وضعف الأحزاب التقليديّة، وصعود الشعبويّة، والاستقطاب السياسي، وتحوّل المجال العام بفعل وسائل الاتصال الحديثة. وأصبحت الدّيموقراطيّة، في بعض الحالات، تبدو وكأنّها تختزل في دوريّة الانتخابات أكثر ممّا تتجسّد في المشاركة الفعليّة وفي المساواة والعدالة الاجتماعيّة.

تتزايد الفجوة بين الخطاب الديموقراطي والممارسة السياسية

غير أنّ المفارقة تصبح أكثر حدّةً عندما ننتقل من المجال الداخلي إلى السياسة الخارجيّة. فقد أظهرت ممارسات العديد من الدّيموقراطيّات الغربيّة أنّ الدفاع عن الحريّة وحقوق الإنسان لم يكن دائمًا متطابقًا مع سياساتها تجاه العالم الخارجي. فقد تدخّلت هذه الدول، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في أزمات ونزاعات وصراعات داخليّة وإقليميّة، كما لجأت في حالات أخرى إلى القوة العسكريّة لإسقاط أنظمة أو إعادة تشكيل أوضاع سياسيّة بدعوى "حماية الأمن" أو "نشر الدّيموقراطيّة".

وقد شكّلت تجربتا العراق وأفغانستان مثاليْن بارزيْن على حدود هذا الخطاب، إذ كشفتا عن التناقض الصّارخ بين الدّيموقراطيّة باعتبارها قيمة إنسانيّة وبين ممارسات القوة والحرب والاحتلال وما رافقها من تدمير وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا. وأدّى ذلك إلى إضعاف صورة النموذج الدّيموقراطي الغربي، ولا سيما في المجتمعات التي عانت من تلك التدخّلات، كما عزّز الاعتقاد بوجود ازدواجيّة في التعامل مع قيم الحريّة وحقوق الإنسان وِفقًا للمصالح الاستراتيجيّة والسياسيّة.

ومن هنا تكتسب عبارة "الدّيموقراطية الموحِشة" دلالتها؛ فهي لا تعني اختفاء الدّيموقراطيّة أو سقوط مؤسّساتها، وإنّما تشير إلى حالةٍ تبدو فيها الدّيموقراطيّة قائمةً في صورتها المؤسّسية، بينما يتآكل بعض مقوّماتها في الواقع: الثقة تتراجع، والمشاركة التقليديّة تنحسر، والفوارق الاجتماعيّة تتسع، والأحزاب تفقد جزءًا من قدرتها على التأطير والتمثيل، فيما تتزايد الفجوة بين الخطاب الدّيموقراطي والممارسة السياسيّة، خصوصًا في العلاقة مع العالم الخارجي.

الديموقراطية التي لا تتجدد تتحوّل إلى ممارسة شكلية

ومع ذلك، لا ينبغي أن تقودنا هذه التحوّلات إلى إعلان نهاية الدّيموقراطيّة. فقد أثبت التاريخ أنّ الأنظمة السياسيّة القادرة على مراجعة ذاتها وإعادة بناء مؤسّساتها تستطيع تجاوز أزماتها. وربّما تكون المرحلة الرّاهنة، بما تحمله من تناقضات، مناسبةً لإعادة التفكير في الدّيموقراطيّة لا باعتبارها مجرّد آليات انتخابيّة، وإنّما باعتبارها مشروعًا متكاملًا يقوم على المشاركة والمساواة والعدالة الاجتماعيّة واحترام حقوق الإنسان.

لن يتوقّف مستقبل الدّيموقراطيّة على قدرتها على البقاء المؤسّسي فحسب، وإنّما على قدرتها على استعادة معناها الإنساني والاجتماعي؛ إذ إنّ الدّيموقراطية التي لا تَتَجدّد تتحوّل إلى ممارسة شكليّة، أمّا الدّيموقراطيّة القادرة على نقد ذاتها وتصحيح اختلالاتها فتظل، على الرغم من أزماتها، أكثر النظم السياسيّة قابليةً للحياة والتطوّر.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن