صحافة

"المشهد اليوم".. واشنطن تضع طهران بين "الاستسلام" و"الاستنزاف"!الدول العربية في مرمى المسيرات الإيرانيّة.. ومفاوضات روما "معلّقة".. وإسرائيل تُهدّد بريطانيا على خلفية "عنف الضفة"


يؤكد السياق الذي جاءت فيه الضربات الأميركية الجديدة على طهران أن واشنطن تسير وفق معادلةٍ واضحة الأركان: حصارٌ اقتصاديٌّ خانقٌ يُسهم في "تفكيك" النسيج الاجتماعي وخلق حالةٍ من البلبلة داخليًا، وتصعيدٌ عسكريّ محسوب الأهداف، يتعلق بالصراع الدائر حول مضيق هُرمز ومحاولة واشنطن تسلّم زمام الأمور لإعادة الملاحة البحرية إلى سابق عهدها. وذلك بعدما جاهرت إيران مرارًا بأن هذا الشريان الحيوي "مغلقٌ حتى إشعار آخر"، وتحديدًا إلى حين تنفيذ شروطها المتعلقة بفكّ الحصار عنها ورفع العقوبات ووقف الحرب في جميع الجبهات، فضلًا عن حديثها عن الأموال المجمّدة. وفي هذه المرحلة، قد لا تكون إدارة الرئيس دونالد ترامب في وارد العودة إلى الحرب الشاملة، بقدر ما تسعى إلى جرّ النظام الإيرانيّ للعودة إلى طاولة المفاوضات من جهةٍ، ومنعه من "ترميم" قدراته وإعادة بناء معادلة الردع من جهةٍ ثانية. لذلك، تبدو الأمور في مرحلة شديدة الحساسية، ما يحتّم على القادة في طهران الاختيار بين طريقين: إما تقديم التنازلات، وإما الاستمرار في حالة الاستنزاف الدائرة حاليًا.

ووسّعت الولايات المتحدة، أمس الثلاثاء، ضرباتها على امتداد الساحل الإيرانيّ، لا سيّما المناطق القريبة من مضيق هُرمز، مستهدفةً مواقع لـ"الحرس الثوري"، من ميناء بندر عباس وجزيرة قشم إلى موانئ جاسك وتشابهار وكنارك وميناب وسيريك قبالة خليج عُمان. ووضعت القيادة المركزية الأميركيّة (سنتكوم) هذه الجولة من الغارات في إطار محاولات الردّ على "استهداف سفنٍ تجاريةٍ في المضيق، وضدّ عسكريين أميركيين منتشرين في المنطقة". في حين صعّد ترامب تصريحاته، واصفًا الهجمات بأنها "واسعة وقوية"، مشيرًا إلى أنها تأتي ردًا على "محاولة الإيرانيين الفاشلة لإضافة ألغامٍ بحرية إلى المضيق". وإذ هدّد طهران بتصعيدٍ أكبر، قال: "لكن ذلك لن يكون أكبر هجومٍ على الإطلاق. فذلك الهجوم لا يزال ينتظر في الكواليس، وعندما ينتهي، لن يبقى إلا القليل جدًا من الجمهورية الإسلامية الإيرانيّة". وسياسة "جزّ العشب"، كما وصفها أحد المسؤولين الأميركيين في حديثه لموقع "أكسيسوس"، تسعى إلى ضرب القدرات الإيرانيّة كلما أعيد بناؤها، وبشكلٍ يجرّد النظام من جميع عوامل القوة و"التفوق"، خصوصًا أنها تكبدت خسائر جسيمة طوال مدة القتال الراهنة، على الرغم من محاولات الصمود والمكابرة. في المقابل، لم يخرج الردّ الإيرانيّ عن سياقاته المعتادة، إذ أعلن كل من الأردن والكويت والبحرين، اعتراض هجماتٍ جديدة شنّتها إيران خلال الليل، كما تحدّث "الحرس الثوري"، فجر اليوم، عن تنفيذ هجومٍ على قواعد أميركيّة في أربيل العراقية بطائراتٍ مسيّرةٍ وصواريخ، وفق ما نقلته وسائل الإعلام الرسمية. وكان سبق ذلك تهديدات أطلقها المتحدث باسم "الحرس"، متوعدًا بأن "الولايات المتحدة ستندم على هجماتها الجديدة"، جازمًا أن الهجمات الأخيرة ستؤدي إلى "إحكام" إغلاق مضيق هُرمز.

فهذا المضيق بات ورقة ضغطٍ عسكرية واقتصادية تقارع فيها إيران العالم لتكبيده تكاليف باهظة، مع محاولاتها نقل المواجهة لتكون إقليميّة. بينما تتكثف الوساطات حينًا وتتراجع حينًا آخر من دون "نعيها" بشكلٍ كاملٍ، مع محاولات عددٍ من الدول، وعلى رأسها باكستان وقطر، التعويل على الديبلوماسيّة والحوار للخروج من أزمة "عنق الزجاجة". وأبدى الرئيس الإيرانيّ مسعود بزشكيان، أمس الثلاثاء، استعداد بلاده للعودة فورًا إلى تنفيذ مذكرة تفاهم إسلام آباد، شرط أن تستأنف الولايات المتحدة التزاماتها بموجب الاتفاق الذي لم يصمد طويلًا، بسبب الاختلافات في تفسير البنود، والفشل في إحراز أيّ تقدمٍ إيجابيٍّ يتعلق بالملفات العالقة، فضلًا عن غياب التطرق للمواضيع الحساسة، التي كانت سبب شنّ الإدارة الأميركيّة حربًا على طهران. وانتقد بزشكيان، في الخطاب الذي ألقاه أمام القمة السادسة والعشرين لقادة منظمة شنغهاي للتعاون في بشكيك، تصاعد المنافسات الجيوسياسيّة والسياسات الأحادية واستخدام القوة والقدرة العسكرية، إلى جانب "العقوبات الأحادية وغير القانونيّة"، واستخدام الاقتصاد والتكنولوجيا أداتين للضغط. واعترف أن تطورات غرب آسيا أظهرت أن النهج القائم على "القوة والضغط" يُهدّد استقرار المنطقة والعالم، داعيًا، في الوقت عينه، إلى الأمن القائم على الثقة المتبادلة واحترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخليّة والتعاون بين الحكومات. هذا وعقد الأخير، على هامش القمة، محادثاتٍ مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تناولت العلاقات الثنائيّة والحرب والعقوبات، مقدمًا شكره إلى موسكو على مواقفها الداعمة. فيما كرّر بوتين عبارات التضامن، مشددًا على أن البلدين يحافظان على زخم العام الماضي في العلاقات التجارية والاقتصادية، على الرغم من الظروف العسكرية والسياسيّة، عازيًا ذلك إلى عمل اللجنة الحكوميّة المشتركة التي تعقد اجتماعاتٍ منتظمة.

بالتوازي، عقد وزير الخارجية عباس عراقجي اجتماعاتٍ مع نظرائه في الصين وتركيا وباكستان وأذربيجان، ولقاءً موجزًا مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، تناولت جميعها آخر التطورات المحلية والإقليميّة. وكرّر الجانب الإيراني الحديث عن ضرورة عودة الولايات المتحدة إلى تعهداتها والالتزام ببنود مذكرة التفاهم، بما يُسهم في تصحيح المسار. ويبدو أن نظام "الجمهورية الإسلاميّة" بدأ يتحسّس حجم الضغوط الجسيمة الملقاة على عاتقه، ونجاح الحصار البحري، إلى جانب سياسة "المنبوذ الاقتصادي"، في "خلخلة" البنية الداخلية. ومن هنا، يكرّر المعنيون الحديث عن المفاوضات وتبنّي ما سبق التوصل إليه، إلا أن معلومات، سبق أن تسرّبت، تشير إلى أن واشنطن باتت في مكانٍ آخر، وأن مذكرة التفاهم "لم تعد تلبي مطالبها وشروطها". وإزاء هذا الوضع، أكدت باريس أن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة سيصوّت هذا الشهر على تجديد ولاية لجنة مراقبة العقوبات المفروضة على إيران. في حين قال السفير الفرنسي لدى الأمم المتحدة، جيروم بونافونت، إن القضية النووية وعدم امتثال إيران لالتزاماتها تجاه الأمم المتحدة سيكونان في صميم المناقشات المتعلقة بالبلاد خلال هذا الشهر. وتشعر طهران بأن الأوضاع تسير نحو مزيدٍ من التعقيدات، وأن عليها "ربط الأحزمة" لمواجهة ما ستحمله الأيام المقبلة، خصوصًا أنها تهاب عودة التظاهرات التي تحمل مطالب معيشيّة واجتماعيّة، تمامًا كما جرى في بداية العام الحالي، قبل أن تلجأ قوات "الباسيج" وغيرها إلى قمع المتظاهرين واعتقالهم وربط تحركاتهم بتنفيذ أجنداتٍ خارجيّة. وإلى جانب النظام في إيران، تراقب دول الجوار ما يجري بتوجسٍ وحذّر، إذ بحث ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع السلطان هيثم بن طارق، سلطان عُمان، التطورات والجهود المبذولة للحفاظ على أمن المنطقة واستقرارها.

ودخلت مسقط على خط تبديد الهواجس وتقريب وجهات النظر مستخدمةً علاقاتها المتينة مع إيران، حتى أنها أعلنت عن التوصل إلى اتفاقٍ مؤقتٍ بشأن هُرمز وتحديد مساراتٍ بديلةٍ. لكن التفاصيل لا تزال تشكّل نقطة اختلافٍ، خصوصًا أن سلطنة عُمان لا تهدف إلى توظيف هذا الشريان الاقتصادي في "البازار" الجاري. في غضون ذلك، خرج رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو "متباهيًا" بحضوره الإعلاميّ المُكثّف وقدرته على التأثير في قرارات الولايات المتحدة، عبر دفعها إلى تبني تصوّره المتمثّل في أن إيران تشكّل خطرًا يستدعي التعامل معه مباشرةً، لا الاكتفاء بمواجهة وكلائها في المنطقة. وأضاف: "لقد تمكّنت من فعل ذلك لأنني كنت أملك، لا أريد أن أقول آلاف الساعات، ولكن ما يقارب ألف ساعة، على التلفزيون الأميركي، مع قدرة على قولبة الآراء في الولايات المتحدة، بما في ذلك معرفة دقيقة بجميع قادتها". وأثارت تصريحاته جدلًا واسعًا، ما دفع العديد من المحللين والناشطين إلى التساؤل عن حجم النفوذ الإسرائيليّ داخل المشهد السياسي والإعلامي الأميركي. حتى أن الوزير عراقجي نفسه قرّر التفاعل منتقدًا تصريحات نتنياهو، فقال إنه "يتباهى علنًا بأنه خدع الإدارة الأميركيّة وجرّها إلى حربٍ ضد إيران نيابةً عن إسرائيل". ويأتي هذا الجدل في وقت "الذروة" لتزامنه مع انتخابات الكنيست المصيرية، التي يستخدم فيها نتنياهو جميع أدواته لـ"إنقاذ" مسيرته السياسيّة، مع تعالي الأصوات المنتقدة والرافضة لسياساته، خصوصًا الحروب المستمرة في غزّة ولبنان والتصعيد الخطير في الضفة الغربية. لكن قبل الدخول في "دوامة" الإجرام الإسرائيليّة، لا بدّ من الإشارة إلى ما خلّفته استقالة وزير الجيش الأميركي دانيال دريسكول من ارتداداتٍ، خصوصًا أنها جاءت بعد أشهرٍ من الخلافات مع وزير الحرب بيت هيغسيث بشأن إدارة الجيش والتغييرات التي أجراها الأخير في صفوف قياداته العليا، وفق صحيفة "وول ستريت جورنال".

ينعكس "التخبط" في إدارة القتال بين واشنطن وطهران، كما بات معلومًا، على أمن المنطقة برمتها. ويبدو لبنان في الصدارة خصوصًا بعد تحوله إلى ساحة حربٍ مباشرةٍ تختبرُ فيها طهران نفوذها، بينما تستمر تلّ أبيب في انتهاكاتها اليوميّة محوّلةً القرى والبلدات الجنوبيّة إلى ما يشبه "مدن أشباح"، في ظلّ التدمير الممنهج للمنازل والبنى التحتية وحرق الأراضي الزراعية. ونفذ جيش العدو، أمس الثلاثاء، تفجيراتٍ استهدفت بلدات حولا ويُحمر الشقيف والطيبة، بالتزامن مع قصف المدفعية الإسرائيليّة أطراف بلدتي حداثا وبرعشيت والمنصوري، التي تتعرّض لاعتداءاتٍ مكثّفة. وتستغل إسرائيل "التلكؤ" الأميركي من أجل الاستمرار في عدوانها، مع دخول المفاوضات في مرحلةٍ من الجمود وعدم تعيين موعدٍ للجولة الثامنة. ومن هنا، تتجه الأنظار إلى اللقاء الذي سيُعقد بين وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ورئيس الحكومة نواف سلام في واشنطن في 28 من الشهر الجاري، في مؤشرٍ على استمرار واشنطن في وساطتها بشأن الملف اللبناني. ويأتي اللقاء المرتقب فيما انتشرت صورة، مساء أمس الثلاثاء، تجمع السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى ونتنياهو بحضور السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، في ما وُضِعَ ضمن إطار الحركة الدبلوماسية المتصلة بالمسار التفاوضي ومحاولة دفعه قدمًا. وتجهد الدولة اللبنانيّة لحشد الدعم الدولي، علّها تفلح في ثني تلّ أبيب عن خططها، مع دفعها باتجاه تنفيذ "اتفاق الإطار" لجهة وقف الأعمال العدائية وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، لكن معركة مرتفعات تلال علي الطاهر تُعيد خلط الأوراق وسط اتجاه إسرائيلي إلى الحسم التام.

المعارك العسكرية "الداهمة" تترافق مع أحداث أخرى تدور في المنطقة، ففي سوريا أكد وزير الخارجية أسعد الشيباني أن دمشق متمسكة بخيار الحل ‏الدبلوماسيّ مع إسرائيل، والمفاوضات بوساطة الولايات المتحدة، والسيادة السورية على الجولان المحتل. وقال، خلال مؤتمرٍ صحفيٍّ مع نظيره الدنماركي لارس لوك راسموسن، إن إسرائيل تواصل ‌‌‏توغلاتها واعتداءاتها على الأراضي السورية. وأشار إلى تسجيل 65 توغلًا في شهر ‌‌‏تموز/يوليو الماضي وحده، و52 توغلًا في الأيام الـ18 الأولى من شهر آب/أغسطس الفائت. وإذ طالب ‏بالعودة الكاملة إلى اتفاق فض الاشتباك ‌‏لعام 1974، وتكريس سيادة سوريا على الجولان‏ المحتل، وحقها السيادي في بناء جيشها ‌‏الوطني، دعا "الشركاء الأوروبيين" إلى نقل واقع الاعتداءات الإسرائيليّة إلى أروقة صناعة القرار الدولي. وتصطدم مساعي دمشق بالتعنت الإسرائيلي ورفع سقف المطالب واستمرار التعامل مع الحكومة الحالية بصفتها "جهادية إرهابية"، على الرغم من الاختلاف في وجهات النظر بين تلّ أبيب وواشنطن. وتحاول إدارة الرئيس أحمد الشرع ضبط الأوضاع وإيجاد حلولٍ للملفات العالقة، لكنها تولي الجانب الأمني أهميةً قصوى مع تزايد حالة التفلت. ففي آخر المستجدات، قُتل 5 أشخاص وأُصيب آخرون في انفجار سيارةٍ محملة بالذخيرة في مدينة بنش في ريف إدلب شمال غرب البلاد، من دون الكشف عن مزيدٍ من التفاصيل. في الأثناء، كشف تقريرٌ للأمم المتحدة أن سوريا كانت تشيّد مفاعلًا نوويًا في دير الزور في عهد الرئيس السابق بشار الأسد. وبحسب التقرير، زار مفتشون من الهيئة الدولية للطاقة الذرية مواقع عدة في سوريا خلال الشهر الماضي، وأجروا أعمال التدقيق وخرجوا بنتيجةٍ مفادها بأن "السلطات السورية السابقة لم تبلّغ عن المواد والمنشآت والأنشطة النووية، وفقًا لما يقتضيه اتفاق الضمانات الخاص بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية".

أما في اليمن، فكشفت السلطات الرسمية ملابسات مقتل المتحدث باسم تنظيم الدولة (داعش) أبو حذيفة الأنصاري، في عمليةٍ أمنيةٍ في محافظة حضرموت شرقي البلاد، شارك فيها تحالف دعم الشرعية في اليمن. وتخوض الدول حربًا ضد الإرهاب ومسبّباته، في حين يدور قطاع غزّة في حلقةٍ مفرغةٍ مع خرق الاحتلال الإسرائيلي عمدًا اتفاق وقف النار واستمرار التصعيد الميداني. إذ شهدت مدينة غزّة، أمس الثلاثاء، تطورًا أمنيًا وميدانيًا لافتًا، بعدما نفّذت قواتٌ إسرائيليّةٌ عمليةً خاصة في منطقتي الكتيبة وأنصار غربي المدينة، بالتزامن مع قصفٍ جوي ونيرانٍ كثيفة طالت المنطقة المحيطة بالعملية، التي تضم أعدادًا كبيرة من النازحين، ما أسفر عن سقوط عدة شهداء من ضمنهم أطفال. وتضاربت الروايات بشأن هدف العملية ونتائجها، ففي حين تحدثت مصادر فلسطينية عن محاولة لاستهداف أو اعتقال مسؤول أمني وفشل القوة في تحقيق هدفها، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس اعتقال مسؤول كبير في حركة "حماس" داخل القطاع. وفي سياقٍ ذي صلة، حذّرت إسرائيل بريطانيا، من أنها سترد على أيّ عقوباتٍ بعد أن تعهّدت لندن بإعادة النظر في سياستها تجاه تلّ أبيب، ردًا على أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون في الضفة الغربية المحتلة. إذ تتزايد أعمال العنف والإرهاب بشكلٍ غير مسبوق، مع محاولة تهجير الفلسطينيين والاستيلاء على أراضيهم وممتلكاتهم بمؤازرةٍ من الجيش الإسرائيليّ، الذي ينكّل بالأهالي ويعتقل العشرات منهم يوميًا.

في السياق الدولي، اتهمت ألمانيا روسيا بتدبير هجومٍ بطائرةٍ مسيّرةٍ تحمل مواد متفجرة استهدفت مطار لايبزيغ الاستراتيجي، الشهر الماضي، وقررت استدعاء السفير الروسي لديها، وسط دعمٍ واسعٍ من قبل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو) للخطوات المتخذة في مواجهة "هجوم موسكو". في حين تعهّدت المتحدثة ⁠باسم وزارة الخارجية الروسية ⁠ماريا زاخاروفا بالردّ على "الإجراءات المعادية لها"، التي اتخذتها برلين. وتتزايد حدة الخلافات بين دول الاتحاد الأوروبي وروسيا على خلفية الحرب الأوكرانية، التي يبدو أنها "تخرج من سياقاتها"، إذ قال الرئيس الروسي إن بلاده تحرز انتصارًا في الحرب ضد كييف، ووصف القيادة الأوكرانية بأنها "إرهابية" لا يمكن التفاوض معها.  وفي تصعيدٍ للضغوط المتبادلة، حذّر الرئيس الأوكراني شركات الطيران والتأمين الدولية من خطورة الاستمرار في استخدام الأجواء والمطارات الروسية، مؤكدا أن تكثيف هجمات المسيّرات جعل السماء الروسية مُغلقة عمليًا.

الجولة الصباحية على الصحف العربية الصادرة اليوم تشيرُ إلى اهتمامٍ واسعٍ بتداعيات حرب إيران والظروف المرافقة لها. وفي الآتي أبرز التحليلات والمقالات:

كتبت صحيفة "عكاظ"  السعودية أنه "مع اشتداد الصراع الإيراني الأمريكي، لم يحظَ العراق بمعاملة خاصة، بل إن طلبه للسماح له بتصدير نفطه عبر هرُمز جوبه بالرفض ثلاث مرات، فأهداف طهران في تجفيف صادرات النفط أولى، لكن الأكثر فجاجة كان بعد زيارة (رئيس البرلمان محمد باقر) قاليباف ووضع خريطة مكتوب عليها الخليج الفارسي، وهو ما رد عليه رئيس البرلمان العراقي بصورة مكتوب على خريطتها الخليج العربي". وقالت: "من هنا يتبيّن للعراقيين مجدّدًا أن الإيرانيين ما زالوا بنفس الفوقية تجاه العراق بمختلف مكوّناته، ولا يريدونه أكثر من أداة، ولهذا أي جهود لمكافحة الفساد أو حصر السلاح في الدولة تبدو مرعبة، لسبب رئيسي، وهو إدراك أن الشارع الذي خرج في 2019 ما زال حيًّا يدعم هذا التحرك الحكومي. العراق السيادي القوي ليس أمرًا سهلًا، لكن في ظل التغيّرات الحالية، هو أمر صعب لم يعد مستحيلًا".

صحيفة "القدس العربي"، من جانبها، اعتبرت أن "إعادة دخول حزب الله المعمعة قبل ستة أشهر، ثأرًا لاغتيال المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية، أثارت غيظ غالبية اللبنانيين، بمن فيهم نسبة هامة من شيعة لبنان، حتى في صفوف حاضنة الحزب الشعبية. وقد وفّر الحزب لحكومة نتنياهو ذريعة استغلتها كي تعيد احتلال قسم من جنوب لبنان وتمارس فيه تدميرًا مماثلًا لما أنزلته بغزة، بعد طرد السكان منه". ولفتت إلى أن "مبادرة حزب الله الأخيرة هذه رجّحت لوهلة قصيرة كفة الولاء لطهران على حساب المقاومة في أذهان معظم الناس. بيد أن شراسة العدوان الإسرائيلي المجدّد، التي فاقت كل ما شهده جنوب لبنان سابقًا، أعادت إثقال كفة التصدّي للاحتلال في ميزان صورة الحزب المزدوجة. هذا فيما اتضح أن الحكم اللبناني لا ينوي التصدّي للاحتلال الصهيوني، بل آثر تلبية رغبة الإدارة الأمريكية في تفاوضه مع المعتدي بلا شروط".

أما صحيفة "الغد" الأردنية، فأوضحت أن "في هذه المعركة، هناك طرف واحد يصعب تجاهله وهي الصين، فالولايات المتحدة تستطيع فرض العقوبات، وملاحقة شركات الشحن، واستهداف الوسطاء والمصارف، وتهديد المتعاملين مع إيران بالعقوبات الثانوية، لكنها لا تستطيع أن تضمن نجاح سياسة العزل ما دام النفط الإيراني يجد طريقه إلى أكبر سوق متبقية أمامه، وهنا تتحول الصين من مجرد شريك تجاري لإيران إلى الحلقة الأكثر أهمية في الاستراتيجية الأميركية". وشددت على أن "المسألة ليست في كمية النفط التي تشتريها الصين فقط، بل في قدرة طهران على تحويل ما تبيعه إلى إيرادات تمنح اقتصادها فرصة للاستمرار، فحتى عندما تصبح التجارة أكثر تعقيدًا، وتزداد تكاليف النقل والتأمين والدفع، يبقى وجود مشترٍ قادر على استيعاب الخام الإيراني يمنع اكتمال الحصار". وخلصت إلى نتيجة مفادها بأن "العقوبات يمكن أن تخنق الاقتصاد، لكنها لا تصنع العزلة وحدها، أما العزلة تبدأ عندما لا يبقى للخصم من يشتري منه، ولا من ينقل له، ولا من يموله".

(رصد "عروبة 22")

يتم التصفح الآن