صحافة

لبنان بين مسار إسلام آباد وهاوية تل أبيب

أحمد فاضل يعقوب

المشاركة
لبنان بين مسار إسلام آباد وهاوية تل أبيب

سيدة تتفقد منزلها في بلدة عربصاليم بعد تعرضه لقصف إسرائيلي (أ.ب)

ذكر السفير الأمريكي لدى تركيا، والمبعوث الخاص لسوريا توم باراك في 24 أغسطس 2026 أهمية أن يكون حزب الله وإيران على مائدة التفاوض حول لبنان، ورغم محاولاته بعد يومين إعادة تفسير تلك التصريحات، وأنه لا يدعو للتفاوض مع "حزب الله"، إلا أن هذه التصريحات بلا شك قد ألقت الضوء على الواقع اللبناني الحالي بعد توقيع حكومة جوزيف عون الاتفاق الثلاثي الإطاري مع إسرائيل والولايات المتحدة في 26 يونيو 2026. والذي رغم توقيعه فقد استمرت الدولة العبرية في احتلالها للأراضىياللبنانية، وانتهاكاتها المستمرة لمجالها الجوي، وتوجيه ضربات عسكرية، وسط مفاوضات تدور في حلقة مفرغة حول ما يسمى منطقتين تجريبيتين صغيرتين تنسحب منهما إسرائيل.

وقد كان من المتوقع أن تحدد الحكومة اللبنانية أهدافها من التفاوض المباشر مع إسرائيل، وأن تفعل ما لديها من أدوات أو كروت ضغط لكي تحقق هذه الأهداف، أخذا في الاعتبار كذلك أهداف الطرف الآخر وهو إسرائيل ونقاط قوته وضعفه إن وجدت. فالأهداف اللبنانية واضحة وهي:

• تحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من كافة الأراضي التي احتلها في الجنوب اللبناني.

• الوقف الفوري والدائم للهجمات الإسرائيلية على كل الأراضي اللبنانية.

• عودة النازحين وعددهم نحو مليون شخص، لقراهم وبلداتهم في الجنوب، وبما يسمح بإعادة الإعمار.

ولتحقيق هذه الأهداف كانت لبنان تمتلك أدوات الضغط أو "الكروت" التالية:

• تمتلك أهم ورقة تسعى إليها إسرائيل منذ عقود وهي اعتراف الحكومة اللبنانية بها.

• لديها ورقة "سلاح حزب الله" والذي تراه إسرائيل لا يزال خطرًا عليها، رغم ما قامت به من ضربات عسكرية لقواعد الحزب، وترسانته العسكرية، ومخازن صواريخه، وأماكن تمركزه في الجنوب والضاحية الجنوبية من بيروت، بل وقياداته العسكرية والسياسية وعلى رأسهم تصفية الزعيم الكاريزمي حسن نصر الله وآخرين.

وقد يثور التساؤل كيف يكون سلاح الحزب ورقة في يد الحكومة، وهي ترى أهمية أن يكون داخل الدولة سلاح واحد فقط، ويخضع لسلطاتها، ولا يعمل مستقلا عنها فضلا عن ارتباطه بدولة أخرى وهي إيران؟

وهنا يمكن الإشارة لأهم النقاط التالية:

أولًا: من الصحيح قانونيا ونظريًا فى مفهوم الدولة القومية الحديثة، أن يكون لديها جيش واحد كأحد مظاهر السيادة. ولكن إذا كانت وحدة السلاح هي من مظاهر السيادة، فإن انتهاك السيادة الأكبر يتمثل في احتلال جزء من أرض الوطن (مزارع شبعا، وتلال كفر شوبا منذ عام 1967، إضافة لاحتلال نحو 8% من الأراضي اللبنانية في الجنوب مؤخرا وتقدر بنحو 600 كيلو متر مربع) وتهجير نحو سدس السكان، فضلا عن انتهاك الطيران الإسرائيلي للمجال الجوي اللبناني شبه الدائم منذ سنوات، وتوجيه ضربات عسكرية دون قدرة على الرد والمقاومة من الجيش اللبناني، نظرًا لوضع هذا الجيش حجمًا وعتادًا وتسليحًا؛ حيث لا يمتلك قوات جوية فاعلة، ولا قدرات دفاع جوي تمكنه من ذلك.

ثانيًا: نشأ حزب الله وسلاحه نتيجة للغزو الإسرائيلي للبنان ولم يكن الغزو نتيجة لوجود "حزب الله"، وذلك حينما احتلت إسرائيل بيروت كأول عاصمة عربية تجتاحها، ومن ثم فهو نتاج الظروف التاريخية التي مرت بها لبنان، والمساندة الإيرانية لشيعتها ومن يتشابهون معها في أيديولوجيتها.

ثالثًا: تأثرت لبنان سلبًا بتبعات نشأة الدولة العبرية عام 1948 في جوارها، والتي أدت لكثير من الاضطرابات وعدم الاستقرار فيها، بداية من استقبال لاجئين فلسطينيين بأعداد كبيرة، ثم نشأة فصائل وسط المخيمات تناوش إسرائيل، ثم الحرب الأهلية اللبنانية، وتكرار الاجتياح الإسرائيلي للبنان واحتلال أراضيه، ويحسب للحزب نجاحه في المقاومة منذ 1985 إلى 2000 وتحقيقه الانسحاب الإسرائيلي، كما قاوم في الحرب عليه عام 2006، وحقق نجاحات مهمة ضد القوات الإسرائيلية. وتلقى انتكاسات ضخمة خلال العامين الماضيين نتيجة للحرب الإسرائيلية على غزة، ومحاولته مساندة الفصائل الفلسطينية ثم محاولته مساندة إيران أثناء الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران.

ومن هنا فإن الواقعية السياسية والعسكرية، فضلا عن المصلحة القومية اللبنانية كانت تقتضي، في ظل هذه الظروف التاريخية التي نشأ فيها الحزب، ورغم ما قد يكون من أخطاء عسكرية وخلاف سياسي داخلي في لبنان مع الحكومة الحالية، أن يكون موضوع سلاح الحزب واندماجه داخل المنظومة الأمنية العسكرية الضعيفة، هو محل نقاش داخلي وإقليمي عربي بين القوى الفاعلة، ومع إيران كذلك، ومع الأطراف الدولية الرئيسة وأهمها الولايات المتحدة وفرنسا، ولكي يكون برجاله وسلاحه وخبراته زادا يقوى الجيش اللبناني، ويساعد في تحقيق قدر من الردع ضد إسرائيل، وليس موضوعًا للتعهد بنزع سلاحه وتدميره مع قوى خارجية معادية للبنان مثل إسرائيل، ويكرر مسؤولوها علنا أنهم لن ينسحبوا من الجنوب اللبناني باعتباره منطقة أمنية، وبالتالي فهو ورقة تفاوض مهمة لتحقيق أهداف الدولة اللبنانية، في إلزام إسرائيل بالانسحاب الكامل وفق جدول زمني واضح ومحدد. فضلا عن إلزامها بإنهاء الحرب على لبنان بصفة دائمة في مقابل الاعتراف بالدولة العبرية على الطريقة المصرية واتفاق السلام مع إسرائيل.

ولكن بالنظر في الاتفاق الإطارى الموقع في واشنطن في 26 يونيو 2026، والمعلن رسميا، سنجد أن حكومة عون قد ألقت بكل الكروت التي تملكها، وحققت لإسرائيل كل أهدافها، دون أن تحصل الدولة اللبنانية على أي نص واضح يلزم إسرائيل بالانسحاب وعدم الاعتداء، ولا عودة المهجرين كما يلى:

أولا: سلمت لبنان بورقة الاعتراف بإسرائيل في البند الأول من الاتفاق دون مقابل مناسب.

ثانيا: استسلمت لطلبات إسرائيل في الربط بين السيادة على أراضيه والتحقق من نزع سلاح كافة الجماعات المسلحة غير الحكومية، وتفكيك بنيتها التحتية، وذلك في المادتين الثانية والثالثة من الاتفاق.

ثالثا: والأكثر من ذلك، فقد وافقت حكومة عون على ربط عودة النازحين وإعادة الإعمار كذلك بنزع سلاح الحزب وتفكيك بنيته التحتية، وتعهدت أيضا في المواد الثالثة والرابعة والخامسة والثامنة والتاسعة والحادية عشر، بضمان عدم وجود أي دور عسكري أو أمني للحزب في أي مكان في لبنان ومنع أى تمويل له.

رابعا: وافقت الحكومة اللبنانية، في المادة الخامسة ضمنا، على حق إسرائيل في توجيه ضربات للبنان ما دام حزب الله موجودا، كما أقرت لبنان، فى المادة السابعة كذلك، على حق إسرائيل فيما تدعيه من حق الدفاع عن النفس، وهو ما يعني تأكيد حقها في استمرار الضربات العسكرية ضد لبنان في هاتين المادتين.

خامسا: نجحت إسرائيل في الحصول على تعهد من لبنان بعدم ملاحقتها في أي محافل دولية قانونية أو سياسية، وهو ما يشل يد لبنان في الشكوى مستقبلًا ضد إسرائيل أمام الأمم المتحدة أو مجلس الأمن أو القضاء الدولي، سواء لطلب قرار أممي يجبرها على الانسحاب من أراضيها، أو نظرًا لاقتراف إسرائيل جرائم حرب. ولما كان تنفيذ نزع سلاح الحزب لا يمكن بالقوة، ولا يرغب فيه الجيش اللبناني، وقد لا يقدر عليه لأنه سيؤدي إلى حرب أهلية وتفكيك الجيش، فهذا يعني بقاء الأمر كما هو عليه لسنوات وسنوات، وهو ما يحقق كل المصالح الإسرائيلية.

وقد كان أمام لبنان مسار أفضل من خلال ما ورد في مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة المسمى مسار إسلام آباد، و الموقعة في 17 يونيو 2026، والذي حدد وقفا فوريا ودائما لإطلاق النار على كل الجهات بما فيها لبنان صراحة، وضمان سيادة لبنان على أرضه، ومن ثم تحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل، وأنشأ آلية لتنفيذ هذا المسار تشارك فيه لبنان مع إيران والولايات المتحدة، حسب البيان الصادر عن الوسيطين الباكستاني والقطري في 22 يونيو 2026، وسبق إبلاغ حكومة عون به، والذي شكر وزير خارجية إيران على ذلك في اتصال تليفوني عقب هذا البيان، ولكن حكومة عون يبدو أنها فضلت مسار تل أبيب الذي هو أشبه بالهاوية، عن مسار إسلام آباد الوارد إحياؤه، إذا أسفرت اتصالات الوسطاء الجارية على العودة للالتزام بمذكرة التفاهم بين إيران والإدارة الأمريكية. وهنا قد يكون من المفيد لحكومة عون الخروج من الهاوية، والعودة لمسار إسلام آباد كما ألمح السفير الأمريكي توم باراك.

(الشروق المصرية)

يتم التصفح الآن