استأذن "أو نو" أن يغادر الاجتماع إلى مطار "رانغون" لاستقبال الرئيس المصري. كانت طائرة جمال عبد الناصر في طريقها إلى الاجتماع التأسيسي لحركة عدم الانحياز، و"بورما" محطة في رحلة عمل شملت باكستان والهند، والأخيرة شريك رئيسي مع مصر ويوغوسلافيا في قيادة الحركة الناشئة.
باغت "شو إن لاي" مضيفه: "أنا قادم معك". بدا ذلك خروجًا على الأعراف والقواعد في العلاقات الدولية. شرح "شو إن لاي" موقفه على النحو التالي: "نحن في الصّين نعتبر أنّ علاقاتنا مع مصر، التي يمثّلها هذا الرئيس الشاب أبعد وأهم من وجود سفارات وتبادل سفراء".
كان الأستاذ محمد حسنين هيكل شاهدًا على الواقعة التاريخيّة الفارقة وأوّل مَن لمح عبر نافذة الطائرة "شو إن لاي" بجوار "أو نو" عند مدرج المطار.
مصر كانت أول دولة عربية وأفريقية تكسر الحصار على الصّين
ربّما لم يطّلع الرئيس الصيني الحالي "شي جين بينغ" على خلفيّات المصافحة التاريخية بين "عبد الناصر" و"شو إن لاي" تحت الكاميرات في "باندونغ"، لكنّه يعرف بيقين أنّ ما حدث قبل سبعين سنة سمح للتنّين الصيني أن يخرج إلى المسارح المفتوحة لاعبًا رئيسيًّا يكرّس قدراته لاكتساب صفة "القوّة العظمى".
حتى لا ننسى، كانت مصر أول دولة عربية وأفريقية تكسر الحصار على الصّين. هذه خطوة جسورة بكل حساب.
لم تكن مصادفة تأميم قناة السويس في يوليو/تموز (1956) بعد شهرين – بالضبط - من الاعتراف الرسمي بالصين الشعبية، التي أيّدته بقوة.
اتسقت السياسات مع طلب استقلال القرار الوطني. كان ذلك مصدر قوة وإلهام وهيبة دور.
من مُفارقات التاريخ أنّ "دينغ شياو بينغ" - معاون "شو إن لاي" وأقرب تلاميذه - آلت إليه بعد نحو عقد من الزمان مقاليد السلطة والقوة بعد أن كان قد تعرّض في فترة الثورة الثقافيّة لحملات تشهير وصلت إلى تعمّد الإهانة البالغة وتحقير شخصه.
الحكمة المتوارثة عند الصيني جعلته مستعدًا، بطول نفس وقدرة على الصبر، أن ينتظر جثّة عدوه طافية عند حافة النهر.
الصين انتقلت إلى آفاق القوى العظمى من دون أن تنتقم من الماضي الثوري
عندما تراجعت الصين عن شطط الثورة الثقافيّة، تولّت مدرسة "شو إن لاي" ضخّ أفكار جديدة لرفع معدّلات النمو وجذب الاستثمارات واقتحام الصناعات التّكنولوجية واختراق الأسواق البعيدة، والوصول إلى منابع البترول في أفريقيا بسياسة حاولت أن تزاوجَ بين ضرورات الانفتاح الاقتصادي والتزامات التوجّه الاجتماعي، عُرفت باسم "اقتصاد السوق الاشتراكي".
انتقلت الصين إلى آفاق القوى العظمى من دون أن تنتقم من الماضي الثوري، أو تتنكّر لمعاركه، أو تنسى فضل "ماو" في النقلة الكبرى التي وصلت إليها.
هذا عكس ما جرى في مصر.
"لسنا قوة عظمى... نحن دولة نامية من العالم الثالث، ما زلنا تلاميذ على مقاعد الدرس والتعلّم من تجارب الدول الأخرى". هكذا استمعت من أساتذة في كلية اللغات الأجنبية بجامعة بكين، قبل تسع سنوات، إلى ذلك التوصيف لموقع الصين على خرائط القوة والنفوذ والمكانة في النظام العالمي - كأنّها حقيقة نهائية لا تقبل تأويلًا، أو تراجعًا.
كيف؟ ولماذا؟.. "هناك مناطق واسعة تعاني فقرًا مدقعًا ومن أولويّاتنا تحسين أحوالها ومستويات معيشتها قبل ممارسة أي أدوار تنتسب لعظمة القوة، ولا تنس أنّ المتوسط السنوي لدخل المواطن لا يتجاوز 8000 دولار، وهو أقلّ ممّا يحصل عليه مواطنو بعض الدول النامية".
احترام إرث الماضي وتصحيحه مكّن بلدًا يتجاوز عدد سكّانه 1.4 مليار نسمة من عبور أي منزلقات تعوق تقدمه
بيقين الأرقام، فإنّ الصين عملاق اقتصادي يكاد يقفز إلى المرتبة الأولى في الاقتصادات العالمية على حساب الولايات المتحدة، التي تتمتّع بثقل القوة العظمى الأولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كما تتوافر لديه ترسانات سلاح متراكمة وصناعات عسكرية متقدّمة.
على الرغم من تراكم المال والسلاح إلى مستويات قياسية، فإنّ الصين ليست في عجلة من أمرها للعب أي أدوار عظمى، أو الدخول في مشاحنات مع الولايات المتحدة تُعطّل خططها المستقبلية.
سياسة النفس الطويل من مقوّمات الحكمة الصينية، كما صاغها فيلسوفها الأكبر "كونفوشيوس" في العهود الغابرة. إذا لم تقرأ باستيعاب ذلك الفيلسوف القديم يصعب عليك أن تفهم الشخصية الصينية، أو أن تلمّ بمفاتيحها الرئيسية. الحكمة - في تعاليمه - أن تعرف مَواطن ضعفك قبل قوتك.
يمكن وصف التجربة الصينية الحالية بـ"رأسمالية الدولة". ويصعب نسبتها إلى أفكار "ماو" إلّا بقدر تراكم التجربة، فقد فتح الباب واسعًا للتغيير ونقل البلد كله من حالٍ إلى آخر، من التخلّف المفرط وحروب الأفيون ومستوطنات الذباب إلى القرن العشرين وحقوق مئات الملايين في العدالة والتنمية والحياة بكرامة.
الانتساب إلى "ماو" مسألة شرعية، غير أنّ الماوية، من حيث هي أفكار وتصوّرات وسياسات، تكاد أن تكون قد طويت.
احترام إرث الماضي وتصحيحه من دون صخب مكّن بلدًا يتجاوز عدد سكّانه 1.4 مليار نسمة من عبور أي منزلقات تعوق تقدمه خطوة بعد أخرى على طريق الألف ميل استلهامًا للحكمة الصينية الشهيرة.
انقلاب استراتيجي كامل على خيارات "يوليو" الإقليمية والدولية
هذا من مقوّمات سياسة النفس الطويل وتصحيح الأخطاء ومواجهة الحقائق، كما هي على الأرض بلا ادعاء تواضع.
المبدأ الصيني الحاكم في إدارة السياسة العامّة يمكن تلخيصه على النحو التالي: أكبر قدر من المصالح وأقلّ قدر من المنازعات.
لم يكن ذلك المنحى هو ما اتّبعته مصر بعد رحيل "عبد الناصر". تغيّرت السياسات والتحالفات، وجرى انقلاب استراتيجي كامل على خيارات "يوليو" الإقليمية والدولية.
أُخضع البلد لهيمنة أميركية كاملة بعد توقيع اتفاقية "كامب ديفيد". أُهدر كل تراكم وهُمش دور البلد في إقليمه وقارّته وعالمه الثالث. هذا ما لم تفعله الصين بنفسها.
(خاص عروبة 22)

