تقدير موقف

ليست "New York" بل "New America"!

قبل حوالي العام، تصدّر نشرات الأخبار نبأ فوز زُهْران مَمْداني، الذي كان قد بدأ حملته في أكتوبر/تشرين الأول 2024 وقتما كان ما يجري في غزّة من مذابح وأهوال هو الخبر الرئيس. لم يمضِ عام حتى لحق عبد الرحمن السّيد (الطبيب المصري الأصل) بنشرات الأخبار عينها ليصبح اختياره/انتخابه مرشحًا للديموقراطيّين لمقعد في الكونغرس عن ولاية ميشيغان ليس فقط خبرًا أول، بل يصبح ما أصاب دوائر الحكم الترامبية في واشنطن من هستيريا تبدّت نسختها الفجّة في منشورات "الرئيس" على السوشيال ميديا، هو الأكثر دلالة. 

ليست

عندما فاز ممداني في نيويورك، ظنّ البعض، أو تمنّى على الأرجح، أنّ الظّاهرة "نيويوركية" وترتبط بطبيعة المدينة بتنوّعها السكّاني، وارتفاع نسبة الشباب فيها، وثقل اليسار التقدمي في أحيائها الكبرى. إلّا أنّ ما جرى في ميشيغان بعدها بعام واحد، قال بوضوح إنّ المسألة ليست نيويورك، بل إن شيئًا ما يحدث في أميركا كلها، يُذَكِّر، مع اختلاف التفاصيل، بما شهدته من تحولات فكرية وشبابية في ستّينيّات القرن الماضي.

ربما كثيرون ممّن سمعوا بممداني في نيويورك، وعبد الرحمن في ميشيغان، لم يسمعوا بغيرهما، ولكن على قائمة التغيير آخرون:

- عباس علوية Abbas Alawieh، اللبناني الأصل، من مؤسّسي حركة "Uncommitted" التي ظهرت في الانتخابات التمهيدية الديموقراطية عام 2024 للاحتجاج على سياسة بايدن تجاه غزّة. ونجح مع ليلى العبد ورفاقهما، في أن يصوت أكثر من 700 ألف ديموقراطي يومها بـ"غير ملتزم" في عقابٍ لبايدن، قبل أن تتحوّل الحركة من مجرّد حركة احتجاجية "سلبية"، إلى تيّار سياسي داخل الحزب الدّيموقراطي يعمل على تغيير سياسات الحزب لتصبح أكثر تقدميّة... وعدالة.

غزّة ليست العنوان الوحيد لما تشهده أميركا من تغيير ولكنها كانت "الشرارة"

- آدم حماوي Adam Hamawy المولود في مصر، والذي خدم كطبيب في الجيش الأميركي قبل أن يذهب إلى غزّة عام 2024 ضمن فريق من الأطباء المتطوّعين لعلاج الفلسطينيين، ويُحاصَر هناك بعد أن يُغلق الإسرائيلِيّون جميع المعابر، وبعد أن تتدخّل السيناتور Tammy Duckworth لمساعدته في الخروج يرفض إلّا أن يكون آخر المغادرين بعد أن يخرج أعضاء الفريق كافة، بمن فيهم غير الأميركيين. في يونيو/حزيران 2024، شهد حماوي أمام إحاطة في الكونغرس لوصف تجربته في علاج الفلسطينيين في غزّة. بعد ذلك بعامين، يفوز حماوي في الانتخابات التمهيدية للديموقراطيين في نيوجيرسي لخلافة عضوة الكونغرس بوني واتسون كولمان بعد أن أعلنت تقاعدها.

- عايشة وهاب Aisha Wahab من السياسيين المسلمين الذين أصبحوا جزءًا من التيار الديموقراطي التقدمي السائد، وفازت في انتخابات تمهيدية تنافسية في كاليفورنيا، لتصبح أول أفغانية مسلمة تخدم في مجلس الشيوخ في ولاية كاليفورنيا.

صحيحٌ أن آلة ترامب الإعلامية "التحريضية"، تحرّكت فور فوز عبد الرحمن السيد لتصفه، على لسان الرئيس بأنه "يكره اليهود وإسرائيل"، داعيًا النّاخبين الذّاهبين بعد شهرين إلى صناديق الاقتراع إلى "حماية أميركا من الاشتراكيين والإسلاميين"، إلا أنّ فهمًا أدقّ لما يحدث سياسيًّا في الدولة الأقوى في العالم، يستوجب أن نضع نجاح أو تأثير هؤلاء، أيًّا كانت ديانتهم، أو أصولهم العرقية في سياقه الأوسع، والذي يشمل أجيالًا سياسيةً جديدةً مثل المرشحين اللّاتينيين التقدّميين، المرتبطين بـ "Democratic Socialists of America" والمدافعين عن حقوق المواطنين أمام نفوذ وسلطة أصحاب المال. وهو المربع ذاته الذي يقف فيه بوضوح ممداني في نيويورك، وعبد الرحمن في ميشيغان. لا فارق.

صحيحٌ أن موقف كليهما ممّا جرى في غزّة، ومن حقوق الفلسطينيين، كان صريحًا ومعلنًا، وربما كان أكثر راديكاليةً "ووضوحًا" من مواقف بعضنا، أو بعض حكوماتنا. وصحيحٌ أن موقف اللوبي الصهيوني منهما كان بدوره واضحًا ومعلنًا... وباذخًا (أنفقت "AIPAC" أكثر من 30 مليون دولار للحيلولة دون فوز الطبيب المسلم المصري الأصل)، إلّا أنّه من الصحيح أيضًا أنّ ما حققه هذا أو ذاك لا يرتبط "حصرًا" بموقفهما من عدالة القضية الفلسطينية، كما أنه لا يرتبط طبعًا بمعتقداتهما الدينية، وإنّما، وربما قبل ذلك ببرامجهما الانتخابية القائمة على تحقيق العدالة الاجتماعية والضرائبية لناخبيهما، فالمبادئ لا تتجزّأ، ولذا فقد كان من الطبيعي أن يكون هذا صنوًا لذاك.

وبالمناسبة، ما يتغيّر في أميركا لا يقتصر فقط على ديناميّات حركة "Uncommitted" داخل الحزب الديموقراطي، ولا على ما يبدو مدًّا تقدميًّا في نيويورك أو غيرها، فـ "تاكر كارلسون"، القادم من بيئة يمينية محافظة، كان الأعلى صوتًا ربما في انتقاد هيمنة اللوبي الإسرائيلي على القرار الأميركي.

إن "غزة" ليست العنوان الوحيد لما تشهده أميركا من تغيير، لا شك في ذلك. ولكن من الصحيح أيضًا أنها كانت "الشرارة"، وأنها كانت حاضرة دائمًا، وإن اختلفت التفاصيل.

تحوُّل جوهري في التعاطف مع الفلسطينيين داخل الولايات المتحدة بعد عقود من الدعم الجارف لإسرائيل

في التفاصيل، لمَن يريد أن يعرف كيف كانت، وإلى أي مدى كانت غزّة حاضرة، أرقام استطلاع حديث (فبراير/شباط 2026) لمؤسسة غالوب الشهيرة، تشير إلى تراجع غير مسبوق في دعم الأميركيين لإسرائيل، وتحوُّل جوهري في التعاطف مع الفلسطينيين داخل الولايات المتحدة بعد عقود من الدعم الجارف لإسرائيل. (التفاصيل هنا)

وبعد،

فعندما كنت في زيارة ابنتي في نيويورك قبل عامين، وقبل أن يبدأ دونالد ترامب ولايته الثانية بقمع غير مسبوق للحركات الطلابية الداعمة للفلسطينيين، تصادف أن التقيتُ بطالبة في جامعة كولومبيا لم تتوقّف طوال اللقاء عن الحديث عن حقّ الفلسطينيين في الحرية والاستقلال والحياة الكريمة، وعن تفاصيل مشاركتها لزملائها في الجامعة في مقاومة محاولات فضّ اعتصامهم الداعم لفلسطين حرّة، بعد أن رفعوا شعارهم الأثير "From the river to the sea, Palestine will be free".

لفهم أدقّ لما جرى في أميركا (بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول)، ربما تكفي الإشارة إلى أن Sophie طالبة كولومبيا؛ الجميلة الرقيقة، والتي لم أستأذنها في كتابة اسمها بالكامل "يهودية الديانة".

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن