أيّ خريطة طريق يحتاجها الفلسطينيون؟
على الرغم من تعزّز الاعتقاد بأنّ السيناريو الأرجح تأجيل الانتخابات التشريعية الفلسطينية إلى العام المقبل، أو استبدالها بتشكيل مجلس وطني جديد ينتخب رئيس دولة فلسطين على أن يُشكّل المجلس الوطني عبر التعيين والمجمّعات الانتخابية. وقد أفاد مصدر موثوق بأنّ هذا الموضوع مطروح على طاولة البحث في مكتب الرئيس، ولعلّ ذهاب الوفود إلى شتّى المناطق التي فيها الفلسطينيون، وتنظيمها مجمعّات انتخابية منتقاة بعناية، دليل إضافي على ذلك.
وبحسب ما يُتداول، يشمل البحث أيضاً إحياء المجلس التشريعي المنحلّ بقرار المحكمة الدستورية، إذ يرى اجتهاد قانوني أنّ قرار حلّه غير دستوري، وأنّ المحكمة أخطأت في اجتهادها، بحجّة أنّ المجلس، وفقاً للقانون الأساسي للسلطة الفلسطينية والمادة 47 مكرّر منه، تظلّ ولايته قائمةً إلى حين أداء أعضاء المجلس الجديد المُنتخَب اليمين الدستورية.
إلّا أنّ الأصحّ، في الحالة التي نمرّ بها، هو العمل على أساس «اعمل لدنياك كأنّك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنّك تموت غداً». وهذا يعني الاستعداد للانتخابات وكأنّها ستُجرى، والاستعداد، في الوقت نفسه، لسيناريو تأجيلها أو إلغائها. مبرّر التأجيل هذه المرّة أنّ نحو 70 % من قطاع غزّة محتلّ، وأنّ الاحتلال يواصل العدوان والإبادة، ولا يسهّل متطلبات إجراء الانتخابات في القطاع، مثل إدخال الصناديق والحبر السرّي، وتمكين طواقم لجنة الانتخابات والمرشَّحين والمراقبين الدوليين من حرّية الحركة والوصول إلى القطاع. وجدير بالذكر أنّ لجنة الانتخابات المركزية قدّمت حلّاً لمشكلة الانتخابات في القدس، يتمثّل في تمكين ابن القدس من الانتخاب عبر أيّ صندوق اقتراع، بالاستناد إلى أنّ الانتخابات يُعتمد فيها التمثيل النسبي، والضفّة الغربية بما فيها القدس والقطاع دائرة انتخابية واحدة. وكان هذا أحد الحلول المقترحة، ولم يُؤخذ به، لأنّ تأجيل الانتخابات كان سببه، في رأي كاتب هذه المقالة، الخشية من الخسارة المؤكَّدة، وليس أيّ سبب آخر. والسؤال هنا: ألم يكن هناك احتلال للقطاع عند صدور مرسوم الانتخابات؟
ولتفسير هذا السلوك، هناك عدّة احتمالات. الأوّل، أنّ النيّة كانت مبيّتةً لعدم إجراء الانتخابات، وأنّ العذر كان موجوداً ومعروفاً منذ البداية، وهو احتلال القطاع واستمرار الإبادة. الثاني، وجود تقدير بأنّ خطّة ترامب تجاه قطاع غزّة ستُطبَّق، وأنّ حركة حماس لن تشارك في الانتخابات أو لن يُسمح لها بالمشاركة، وبالتالي ستضغط الإدارة الأميركية على حكومة نتانياهو حتّى تسهّل إجراء الانتخابات، وستكون الطريق معبّدةً لفوز قائمة حركة فتح وما يدور في فلكها من قوائم محلّية وعشائرية، وقوائم تمثّل رجال الأعمال ومراكز القوّة، خصوصاً بعد تخفيض نسبة الحسم إلى 1 %، فضلاً عن القوائم الفتحاوية المتمرّدة التي يمكن احتواء معظمها أو التفاهم معها.
لكنّ حسابات الحقل جاءت مخالفةً لحسابات البيدر، إذ قرّرت «حماس» المشاركة في الانتخابات، وأعلنت أنّها تفضّل المشاركة من خلال تشكيل قائمة انتخابية ائتلافية واسعة تضمّ التيّار الإصلاحي في حركة فتح (محمد دحلان) وحركة الجهاد الإسلامي وآخرين، وتبقى مفتوحةً أمام قوى أخرى، على الرغم من رفض الجبهتَيْن الشعبية والديمقراطية، والمبادرة الوطنية، والمؤتمرات والحراكات كافّة.
وليس مستغرباً ألّا تكون الإدارة الأميركية قد منحت الضوء الأخضر لإجراء الانتخابات، بدليل أنّها تغطّي عدم تطبيق الحكومة الإسرائيلية خريطة الطريق لتنفيذ خطة ترامب التي اتفق عليها «مجلس السلام» وحركة حماس، وتُوِّجت بلقاء في القاهرة بين جاريد كوشنر و«حماس» بحضور الوسطاء، أُعلن بعده أنّه لا مانع من أن تلعب «حماس» دوراً سياسياً بعد التخلّي عن السلطة ونزع سلاحها، وبعد أن يتم هذا «يمكن» السماح بإجراء الانتخابات.
تأسيساً على ما سبق، ليس متوقّعاً إجراء الانتخابات. وإذا سلّمنا جدلاً بأنّها ستُجرى، فسيعزّز هذا فكرة تشكيل قائمة ائتلافية واسعة تنافس قائمة «فتح»، ما سيجعل الانتخابات ساخنةً وتنافسيةً، بل وحاسمةً؛ أي انتخابات «كسر عظم»، للحسم والمغالبة، وليست للمشاركة والوحدة وضمان التعدّدية. فإجراء انتخابات تحت الاحتلال، وفي ظلّ الانقسام، ومن دون بلورة رؤية شاملة ومشروع وطني تكون الانتخابات إحدى أدواته، يمكن أن يقود إلى مزيد من التدهور والشرذمة والانقسام، لأنّ النتائج ستغيّر خريطة القوى السياسية وأوزانها، حصلت القائمة الائتلافية الواسعة على الأغلبية أم لم تحصل عليها، لا هي ولا قائمة «فتح» ولا أيّ قائمة أخرى.
من هنا، أيّ تأجيل للانتخابات عبر حوار وطني يجب أن يتضمّن تحديد موعد ملزم للانتخابات، وموعد له حدّ أقصى زمني مُلزِم، لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية، ووقف إجراءات تشكيل مجلس وطني بالتعيين عبر المجمّعات الانتخابية، والعودة إلى قرار الإجماع الوطني المتعلّق بتشكيل المجلس الوطني بالانتخابات حيثما أمكن.. فهناك العديد من التجمّعات الفلسطينية في الخارج التي يمكن إجراء الانتخابات فيها، لو توافرت النيّة والإرادة لدى القيادة الفلسطينية الرسمية، وبالتوافق الوطني وفق معايير موضوعية واضحة حيثما يتعذّر إجراء الانتخابات.
وأيّ حوار وطني لا بدّ من توسيع دائرة المشاركين فيه، فيشارك ممثّلون عن الشتات والمرأة والشباب بما يتناسب مع أحجامهم، كما لا بدّ من تمثيل حقيقي للمجتمع المدني والقطاع الخاصّ والشخصيات المستقلّة، والبحث في كيفية تمثيل شعبنا في الداخل.
ويجب أن يتركّز جدول أعمال الحوار الوطني الشامل على كيفية مواجهة التحدّيات والمخاطر الوجودية وتوظيف الفرص المتاحة، من خلال الاتفاق على برنامج يجسّد القواسم المشتركة، لا على المحاصصة الفصائلية.

